من اتباع سياسات قمعية وصولاً إلى نصب فخ "التسويات".. ماذا تحيّك حكومة دمشق للسويداء؟

واجه أبناء السويداء سياسات قمعية من قبل حكومة دمشق هدفت إلى تهجيرهم لخلق تغيير ديمغرافي نتيجة اتخاذهم الخط الثالث من الصراع الدائر منذ بدء الأزمة السورية، ما أدى إلى اندلاع سلسلة احتجاجات شعبية واسعة، دفعت الحكومة إلى إعادة فرض ما تسمى "التسويات" للجم الاحتجاجات وإخضاع المحافظة لسلطتها عبر تمهيد الطريق لأذرع تابعة لها للتحكم بالمشهد السياسي.

من اتباع سياسات قمعية وصولاً إلى نصب فخ "التسويات".. ماذا تحيّك حكومة دمشق للسويداء؟
السبت 15 تشرين الأول, 2022   02:33
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

بعد أيام من اجتماع مشايخ السويداء مع وفد أمني من حكومة دمشق ومخابراتها في الـ 29 أيلول الماضي، افتتحت الأخيرة مركزاً لما تسمى "التسوية" في السويداء، على الرغم من رفض العديد من القوى السياسية والعسكرية الفاعلة في المحافظة.

وجاء هذا الاجتماع عقب سلسلة احتجاجات شعبية شهدتها السويداء بين الفينة والأخرى منذ مطلع عام 2020، الاحتجاجات التي حملت عنوان "بدنا نعيش لا فساد ولا تهميش"، لتشتد ذروتها عام 2022 حيث تطورت مطالب المحتجين من التنديد بالواقع المعيشي إلى الهتاف بـ "إسقاط النظام السوري" والمطالبة بتطبيق القرار الأممي 2254، وفي 20 أيلول عمد المحتجون قطع الطريق المحوري بالتزامن مع قطع أوتوستراد دمشق – السويداء قرب قرية حزم شمالي السويداء، مهددين محافظة السويداء وحكومة دمشق بتصعيد الاحتجاجات في حال لم يتم تلبية احتياجاتهم الضرورية ومطالبهم.

وكان قد طرح وفد حكومة دمشق خلال الاجتماع "افتتاح "مركز تسوية" في المحافظة، وحل المجموعات المحلية المسلحة وسحب السلاح غير المرخص وتفعيل سلطة الدولة في المحافظة بمساعدة المجتمع الدولي وتفعيل دور الضابطة العدلية من أجهزة الشرطة والأمن الجنائي، ونشر نقاط تفتيش شرطية، وتعزيز دور القضاء، وضبط السيارات غير النظامية".

قوبلت بالرفض

ولاقت هذه الأطروحات سخطاً واسعاً لدى القوى الفاعلة في السويداء، حيث قال مسؤول الجناح الإعلامي في حركة "رجال الكرامة" المعروف بكنية "أبو تيمور": "إن الحركة لن تسمح لأي جهة بتنفيذ أي مشروع أو طرح ضد مصلحة المواطنين"، معتبراً أن "الحل يجب أن يكون على مستوى سوريا بتحسين الظروف المعيشية والاقتصادية بالدرجة الأولى، وإطلاق سراح المعتقلين، والبدء بمصالحة وطنية شاملة وحقيقية في كل سوريا، إضافة إلى محاربة الفساد في أجهزة الدولة، وكف يد الأفرع الأمنية، وزوال المخاطر من الجماعات الإرهابية المتشددة".

وأشار إلى "أن المسؤولية في حل ملفات المحافظة لا يعتمد عليها بمركز للتسويات وتسليم السلاح دون زوال مفرزات الحرب والمخاطر في المنطقة".

وبدوره رفض حزب اللواء السوري أيضاً هذه المقترحات، وقال خلال بيان "تطالبون المواطنين بتسليم سلاحهم، في حين لم ينسى أهالي السويداء كيف قامت السلطة السورية بالتعاون مع شخصيات إيرانية بنقل الدواعش من مخيم اليرموك الى بادية السويداء، ومن ثم قامت بسحب السلاح من أهالي القرى الشرقية وتآمرت مع الدواعش وسهلت هجومهم وقتل بسبب هذا الهجوم عشرات المدنيين وخطف الأطفال والنساء".

وأضاف: "طلبكم اليوم بتسليم أهالي السويداء لسلاحهم أمر يثير الريبة والشكوك وخاصة أنه لا يشمل العصابات الأمنية التابعة لكم، أو عصابات تهريب المخدرات التي تحمل أيضاً بطاقات أمنية، هذا الطلب ليس سوى التمهيد لمكيدة جديدة ضد أهالي السويداء وهجوم جديد من عناصر داعش الذي مازال الإمداد يقدم لهم بواسطة عصابات داخل السويداء تحمل بطاقات أمنية".

مؤكداً "مازالت المؤن والذخيرة لليوم تصل إلى عناصر داعش عبر ضباط فاسدين في جيش السلطة يقبضون آلاف الدولارات مقابل تقديم الطعام والذخيرة للدواعش في بادية السويداء".

تسويات منفصلة عن واقع الشعب

وعد مراقبون تطبيق حكومة دمشق لنموذج ما تسمى "التسويات" في السويداء بأنه إصرار من قبل حكومة دمشق على إخضاع أبناء المحافظة المتمتعة بحكم شبه ذاتي، لسلطتها بغية التحكم في المشهد السياسي والعسكري، وليس هدفه حل الملفات الأمنية والاقتصادية العالقة فيها.

وفي حديث خاص لوكالتنا، قال مدير المكتب الإعلامي لحزب اللواء السوري، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، "إن الاجتماع الذي جرى بين حكومة دمشق وشيوخ السويداء لا يرقى لمطالب أهالي السويداء، فحكومة دمشق فرضت من خلاله المزيد من الحلول الأمنية المنفصلة عن الواقع المتدهور والسيء الذي تشهده المحافظة".

وعن افتتاح حكومة دمشق مركز ما تسمى "التسوية"، نوه: "نشاهد اليوم الإقبال الضعيف من قبل أبناء السويداء على المركز الذي أطلقت عليه السلطة بالتسوية، فأبناء السويداء ليسوا مجرمين، ولم يضروا بالمؤسسات بل على العكس حافظوا عليها واعتبروها ملك لهم، ولكن مسؤولي السلطة هم من أذاقوا الشعب السوري الويلات".

سياسات قمعية لخلق تغيير ديمغرافي

وعن سياسات حكومة دمشق التي تمارسها حيال أبناء السويداء، يقول: "تتعمد السلطة تعطيش وتجويع وإذلال أبناء السويداء، عقاباً لهم على عدم مشاركتهم في حرب السلطة وقتل إخوتهم السوريين، كما تقمع أي حركة احتجاجية حتى التي تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، بغية تهجيرهم وخلق تغيير ديمغرافي، فالسلطة تدرك أنها في حال أرفقت مع التسوية أي تحرك عسكري فإنها ستخسر أهم ورقة أمام المجتمع الدولي ألا وهي ورقة حماية الأقليات - ونحن لا نعتبر أنفسنا أقلية فنحن جزء لا يتجزأ من الشعب السوري- لذلك تلجأ إلى هذه السياسات".

واتخذت محافظة السويداء موقفاً حيادياً تجاه الأزمة السورية، حيث اختارت الخط الثالث في الصراع عبر تنظيم وإدارة شؤونها بنفسها، وتشكلت عدة قوى سياسية وعسكرية أبرزها حركة "رجال الكرامة"، التي تأسست في عام 2013 على يد الشيخ وحيد البلعوس لمنع أجهزة دمشق الأمنية من اعتقال الشبان الرافضين تأدية الخدمة الإلزامية في قواتها، وحزب اللواء السوري الذي شكلته مجموعة من المعارضين السياسيين في السويداء في مسعى لاستعادة الدور الحقيقي للدروز في المشهد السياسي ولإقامة دولة ديمقراطية تحت ظل الدستور.

ولم تستطع حكومة دمشق أن تنسب المجتمع الدرزي إلى الجماعات الإسلاميّة المعارضة له، كونه من طائفة غير سنية، لكنها عمدت إلى تفتيت المجتمع من الداخل، فساهمت في انتشار السلاح العشوائي بين أفراد مجتمع السويداء، إلى جانب تشكيل العديد من الفصائل المسلّحة ومنها فصائل دينية، وبالتعاون مع الأمن العسكري المركزي وفرعه في المنطقة، نشطت تلك الفصائل ضد الأهالي، فتقتل وتخطف وتسرق كل من يشير إليه فرع الأمن العسكري، كما جندت في صفوفها المطلوبين للخدمة العسكرية مستغلة الوضع الاقتصادي المتدهور، أبرزها فصيل "راجي فلحوط"، الذي قضي عليه من قبل حركة رجال الكرامة في 27 تموز الماضي.

وفي سياق ذلك، يبيّن مدير المكتب الإعلامي لحزب اللواء السوري، "بعد انتفاضة السويداء ضد ممارسات وانتهاكات شعبة المخابرات العسكرية، والقضاء على أخطر عصاباتها وهي عصابة راجي فلحوط، لقد شعرت السلطة ومن خلفها إيران التي تعتبر حليفة لها - وقرارات السلطة اليوم بيدها- بفقدان السيطرة على محافظة السويداء، فالسلطة شعرت بالخوف على خسارة أهم خط لتهريب المخدرات التي تقوم بصناعتها وزراعتها، وبالتالي خسارة ملايين الدولارات التي تجنيها كل عام".

تمهيد المشهد السياسي لأذرع تابعة لها

وكشفت مصادر مقربة لوسائل إعلام، أن حكومة دمشق تجهد لتحييد حركة "رجال الكرامة" المحلية عن المشهد في محافظة السويداء، وأن الحكومة رافضة التعامل والتعاون معها، مضيفة أن الأجهزة الأمنية التابعة لها تعتبر الحركة "عدواً يجب القضاء عليه أو على الأقل تحييده عن المشهد".

وأشارت المصادر إلى أن حكومة دمشق "تمهد الطريق أمام زعامات محلية معروفة في السويداء، أبرزها لؤي الأطرش (المقرب من حكومة دمشق) لوضعها في واجهة المشهد السياسي والشعبي في المحافظة لنزع الكثير من الأوراق من حركة رجال الكرامة التي تحظى بدعم شعبي واسع".

ولم يستبعد مدير المكتب الإعلامي لحزب اللواء السوري ذلك قائلاً: "تستغل السلطة في السويداء الزعامات لفرض سيطرتها، كما أنها تستغل بعض أبناء المحافظة لإنشاء عصابات تتبع لها وإعطاء كل الأحقية لهم في فرض سلطتهم على أبناء المحافظة، وبالتالي فرض أوامر وسلطة حكومة دمشق عليهم".

ونوه إلى أن حكومة دمشق جعلت من تلك الزعامات والعصابات خط الدفاع الأول كونها لا تستطيع فرض سلطتها على السويداء عبر جيشها بشكل مباشر.

ستفشل كسابقاتها

وتشمل ما تسمى "التسوية" التي طرحتها حكومة دمشق تسوية "أوضاع المطلوبين والفارين والمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية"، في خطوة عدها مراقبون بأنها ستفشل كسابقاتها، حيث سبق لروسيا وافتتحت مركز تسوية في السويداء قبل نحو شهرين للغرض ذاته، إلا أن أبناء المحافظة لم يستجيبوا ما أدى إلى إقفاله. 

ومنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، رفض عشرات آلاف الشبان من محافظة السويداء الالتحاق بالخدمة العسكرية في صفوف قوات حكومة دمشق.

وفي هذا الإطار، يوضح مدير المكتب الإعلامي لحزب اللواء السوري، "معظم الذين يقومون بإجراء التسوية لأوضاعهم في السويداء يكون الهدف الهجرة والسفر، بعد أن أصبحت الحياة في السويداء غير صالحة للعيش، وليس للالتحاق في الخدمة العسكرية".

وأكد أن المستفيد الأكبر مما تسمى "التسوية" هي حكومة دمشق، قائلاً: "السلطة تريد من البداية تهجير أبناء السويداء لفرض تغيير ديمغرافي كالذي حصل في مناطق عديدة من سوريا، وأبرزها القصير في ريف حمص، فالتسوية لن تجلب معها شيء لصالح أبناء المحافظة، فالسلطة معروف عنها تأخذ من السوريين دون أن تقدم أي شيء لصالحهم".

الحل الأمثل تطبيق القرار 2254

ويرى مراقبون أن هدف حكومة دمشق من افتتاح مركز ما تسمى "التسوية" في السويداء هو "فرض السطوة الأمنية والعسكرية على المحافظة من جديد وبأدوات جديدة".

ونوه مدير المكتب الإعلامي لحزب اللواء السوري في ختام حديثه، إلى أن تعنت حكومة دمشق وعدم تلبيتها لمطالب السوريين هي التي تسببت بتعميق الأزمة في سوريا، ورأى أن الحل الأمثل لإنهاء هذه الأزمة هو تطبيق القرار الأممي 2254، مؤكداً "معظم السوريين في الداخل والخارج وفي المخيمات لن يقبلوا ببقاء السلطة الموجودة حالياً".

(ي ح)

ANHA