السعودية تزعج الولايات المتحدة عبر خفض إنتاج النفط.. الأسباب والتداعيات

خرجت الكثير من التصريحات الأميركية المنتقدة لإعلان تجمع "أوبك بلس" خفض الإنتاج اليومي بمقدار مليوني برميل، فما الذي دفع الرياض إلى مثل هذا القرار الذي يخالف ما كانت تريده واشنطن؟ وما هي تداعيات ذلك على العلاقات السعودية - الأميركية؟

السعودية تزعج الولايات المتحدة عبر خفض إنتاج النفط.. الأسباب والتداعيات
الخميس 13 تشرين الأول, 2022   03:08
مركز الأخبار - كيفارا شيخ نور

وافقت "أوبك +" التي تضم أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ومنتجين من خارجها بينهم روسيا، خلال أول اجتماع حضوري لها في فيينا منذ عام 2020 على قرار بخفض كبير في الإنتاج بمقدار مليوني برميل في اليوم اعتباراً من تشرين الثاني المقبل، وهو ما اعتبرته واشنطن قراراً صادماً والذي من المرجح أن يرفع الأسعار في الدول الغربية، كما اعتبرته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير قراراً "منحاز" لموسكو.

ومن جهته عبر الرئيس الأميركي، جو بايدن، عن شعوره بالخيبة تجاه قرار "أوبك +" بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يومياً، مشدداً على أهمية إمدادات الطاقة العالمية في ظل أزمة أوكرانيا.

وقال مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني بريان ديس، في بيان عقب القرار: "يشعر الرئيس بخيبة أمل بسبب القرار قصير النظر الذي اتخذته أوبك+ لخفض حصص الإنتاج بينما يتعامل الاقتصاد العالمي مع التأثير السلبي المستمر لغزو بوتين لأوكرانيا".

وأضاف البيان أن "الحفاظ على إمدادات الطاقة العالمية أمر بالغ الأهمية، سيكون لهذا القرار التأثير الأكثر سلبية على البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الطاقة".

دافع اقتصادي

الكاتب والمحلل السياسي السعودي، مبارك آل عاتي، اعتبر في حديث خاص لوكالتنا أن "الدافع والمحرك الرئيسي لقرار أوبك + بخفض الإنتاج، هو دافع اقتصادي بحت، فرضته ظروف سوق الطاقة العالمية، وأسعار الطاقة العالمية، والأسواق العالمية التي يتوجه إليها النفط، ونذر وجود ركود في الكثير من الاقتصادات المستهلكة للنفط، مما يوحي بأن الأسعار تتجه نحو الهبوط وقلة الطلب، وأعتقد أن هذا هو الدافع والمحرك الأساسي لأوبك + بأن تتخذ مثل هذا القرار الشجاع".

ولكن واشنطن لا تعتبر هذا القرار بأنه ذو بعد اقتصادي بحت، بل اعتبرته منحازاً لموسكو وخاصة مع اشتداد الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وتفاقم أزمة الطاقة في أوروبا، وارتفاع أسعار الوقود.

وفي هذا السياق قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الخميس الماضي، إن الولايات المتحدة "تدرس عدداً من خيارات الرد" بخصوص علاقاتها مع السعودية بعد اتفاق الرياض مع بقية الدول الأعضاء في مجموعة أوبك+ لمنتجي النفط هذا الأسبوع على تخفيضات أكبر في إنتاج النفط.

وأضاف بلينكن في مؤتمر صحفي "فيما يتعلق بمستقبل العلاقات مع الرياض ندرس عدداً من خيارات الرد، نتشاور عن كثب بهذا الشأن مع الكونغرس".

وطالب الديمقراطيون في الكونغرس الأميركي يوم الخميس، بخفض المبيعات العسكرية إلى السعودية، وشكك بعض أعضاء مجلس النواب في علاقات واشنطن الأمنية بالرياض، كما دعا السناتور الديمقراطي، بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، يوم الإثنين، إلى تجميد التعاون مع السعودية، بما في ذلك معظم مبيعات الأسلحة، واتهم المملكة بالمساعدة في تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا بعد أن أعلنت مجموعة "أوبك+" الأسبوع الماضي أنها ستخفض إنتاج النفط.

وقال مينينديز في بيان: "يجب على الولايات المتحدة أن تجمد على الفور جميع جوانب تعاوننا مع السعودية بما في ذلك أي مبيعات أسلحة وتعاون أمني يتجاوز ما هو ضروري للغاية للدفاع عن أفراد ومصالح الولايات المتحدة".

وأضاف قائلاً: "بصفتي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، لن أعطي الضوء الأخضر لأي تعاون مع الرياض حتى تعيد المملكة تقييم موقفها فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، طفح الكيل".

لا تأثيرات سلبية على العلاقة السعودية -الأميركية

وبخصوص تداعيات موافقة الرياض خفض إنتاج النفط على العلاقات الأميركية - السعودية، اعتبر آل عاتي أن "العلاقات الأميركية - السعودية علاقات متينة وقوية واستراتيجية وتاريخية بنيت منذ أكثر من ثمانية عقود، على مبدأ الصراحة والشفافية والندية، وهي قواعد أساسية ميزت العلاقات بين البلدين، لذلك استبعد تماماً بأن يكون لهذا القرار تأثير سلبي على العلاقات بينهما، نظراً لأن قادات البلدين تؤمن بأهمية كل منهما للآخر، ومدى تأثير كل منهما على الآخر، سواء اقتصادياً أم سياسياً أم أمنياً، وارتباطهما التاريخي".

واستبعد الكاتب والمحلل السياسي السعودي، حدوث تأثيرات سلبية قوية على العلاقات، حتى وإن صدرت تصريحات من هنا وهناك، لكن تظل الحكمة هي سيدة الموقف في علاقات البلدين، واستبعد حدوث تطورات سلبية غير متوقعة بين البلدين.

الاقتصاد السعودي لا يتأثر بالعقوبات.. بات أكثر حرية في التحرك

ويعتقد آل عاتي أن "واشنطن ربما تلوح ببعض المواقف"، ولكنه استبعد أن "ترتقي إلى عقوبات قوية أو عقوبات تؤثر على اقتصاد السعودية، بغض النظر عن تأثير الاقتصاد السعودي (أحد اقتصاديات دول مجموعة العشرين) على الاقتصاد الأميركي".

وأضاف "الاقتصاد السعودي القائم والقائد ليس للمنطقة فقط بل اقتصاديات العالم الإسلامي الذي يضم خمسين دولة إسلامية، ناهيك عن أن السعودية تمكنت من خلق علاقات متميزة مع القوى الدولية الكبرى (شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً)، وهو ما مكنها من اتخاذ قرارها السيادي بكل أريحية، ولذلك استبعد وجود تأثيرات قوية ولو لوحت واشنطن بعقوبات، واعتقد أن ما قاله الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بأنني لا أستطيع فرض عقوبات على الاقتصاد السعودي لأن الأخيرة ستتوجه إلى روسيا أو الصين وهي نقطة مهمة جداً، ولذلك أقول أن القرار السيادي السعودي اليوم هو أكثر حرية في التحرك".

واشنطن هي من فرطت بعلاقاتها مع منظومة دول الخليج

وأشار آل عاتي إلى أن واشنطن "قد فرطت كثيراً في علاقاتها التاريخية مع دول الخليج، واشنطن كانت لها كلمة مهمة مسموعة في حجم الإنتاج وحجم التصدير لدى دول مجلس التعاون الخليجي، بحكم التفاهمات التاريخية بينهما".

ويرى آل عاتي أن "السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي- بعد تغير القيادات مؤخراً - أصبحت تنتصر لقرارها الوطني ولمصلحتها الوطنية وقراراها السيادي، وهذا أصبح ذلك واضحاً وملموساً من خلال تمكن المنظومة الخليجية من مد جسور التواصل مع العديد من القوى الدولية والقوى الناشئة في جنوب آسيا، وفي شرق آسيا وفي الاقتصادات المؤثرة، وتمكنت هذه المنظومة أن تتدبر أمرها السياسي والأمني والاقتصادي مع كل القوى".

وأشار الكاتب والمحلل السياسي السعودي إلى أن السعودية "أصبحت في منأى من ضغوط الحليف الأوحد الذي كانت تمارسه واشنطن على المنظومة الخليجية، ولذلك فقد فرطت واشنطن في هذه العلاقات من خلال أيضاً انكفائها من معالجة قضايا المنطقة، وأيضاً هرولتها الفاضحة تجاه التفاوض مع النظام الإيراني، وتغاضيها عن البرنامج النووي الإيراني، تغاضيها عن معاقبة إيران، تجاه سلوكها المزعزع لأمن واستقرار الدول المنطقة، وأيضا تجاه هرولة الإدارة الأميركية إلى رفع تمرد الحوثي من قوائم الإرهاب، في خطوة استفزازية للمملكة العربية السعودية ومنظومة الدول الخليجية".

كما طالب الكاتب والمحلل السياسي السعودي مبارك آل عاتي في ختام حديثه واشنطن أن "تراجع علاقاتها مع المنظومة الخليجية طبقاً لمعطيات الواقع الجديد".

(ي ح)

ANHA