غضب داخلي وإقليمي.. تركيا تشعل نيران الغاز في ليبيا والمتوسط

أُثارت حكومة ما تعرف بالوحدة الوطنية الليبية التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة غضباً داخلياً وإقليمياً خلال الأيام الماضية بعد توقيعها اتفاق مع دولة الاحتلال التركي بشأن التنقيب عن الطاقة في شرق البحر المتوسط.

غضب داخلي وإقليمي.. تركيا تشعل نيران الغاز في ليبيا والمتوسط
الخميس 13 تشرين الأول, 2022   01:44
القاهرة – محسن المصري

وأعلن رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، أن أي اتفاقية أو معاهدة أو مذكرة تفاهم يتم إبرامها من رئيس حكومة عبد الحميد الدبيبة، تعد "مرفوضة وغير قانونية"، فيما شككت مصر واليونان بشرعية توقيع حكومة الدبيبة اتفاقات طاقة مع تركيا، وتوافقتا على التنسيق للرد على الاتفاقات.

واعتبر رئيس البرلمان عقيلة صالح، أن هذه الاتفاقيات "غير قانونية وهي إجراءات منعدمة"، لانتهاء ولاية حكومة عبد الحميد الدبيبة في 24 كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي.

كما اعتبر وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في مؤتمر مع نظيره اليوناني نيكوس ديندياس، أن حكومة الوحدة المنتهية ولايتها في طرابلس لا تملك صلاحية إبرام أي اتفاقيات دولية أو مذكرات تفاهم، داعياً المجتمع الدولي لاتخاذ موقف من عدم شرعية الحكومة الليبية برئاسة الدبيبة.

وكان وزير خارجية دولة الاحتلال التركي، مولود تشاووش أوغلو، قد أعلن الأسبوع الماضي عن التوقيع على مذكرة تفاهم في التعاون البروتوكولي ومجال الهيدروكربونات والغاز والاستثمار النفطي مع الجانب الليبي.

واعتبر أوغلو في مؤتمر صحفي عقده مع نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية بحكومة الدبيبة أن مذكرة التفاهم الأمني والعسكري مهمة من أجل استقرار ليبيا، وقال إن المذكرة البحرية تضمن المصالح المشتركة، وتعهد بمواصلة الجهود التركية لوصول ليبيا إلى تكوين جيش نظامي، وأوضح أن مذكرة التفاهم تشمل التنقيب عن النفط والغاز بحراً وبراً عبر شركات ليبية تركية مشتركة، مشيراً إلى العمل على عودة رحلات الخطوط الجوية التركية إلى مطارات ليبيا.

وبالتزامن مع ذلك، تحدثت تقارير صحفية عن مساعي دولة الاحتلال التركي لاستغلال ليبيا في تمرير أنبوب الغاز النيجيري عبر ليبيا بدلاً من الجزائر أو المغرب وهو ما يجعل من تركيا وسيطاً ينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا مثلما تسعى لأن تكون حلقة وسطى في غاز المتوسط وكذلك غاز آسيا الوسطى.

من جانبهم، قلل خبراء من أهمية مذكرة التفاهم باعتبار أنها مجرد مناورة سياسية من دولة الاحتلال التركي ولن تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع.

كما اعتبر الخبراء أن محاولة تركيا نقل الغاز النيجيري لأوروبا عبر ليبيا محكومة عليها بالفشل في ظل الاضطرابات الأمنية والخلافات الداخلية بليبيا.

مناورة سياسية

/ar/uploads/files/2022/10/12/183119_kaml.webp

ويرى الباحث المصري في الشؤون الليبية، كامل عبد الله أن" التحركات التركية مجرد مناورات سياسية للضغط على دول مثل مصر واليونان في ملف الغاز".

وأوضح لوكالتنا أن "الاتفاقات المعلنة من جانب تركيا تنتظر الموقف الأميركي ولن تجد طريقها للتطبيق دون موافقة واشنطن".

وبحسب الباحث فإنه بالنسبة لليبيا يعتبر الاتفاق مقبول جداً، لافتاً إلى أن المعارضون له فقط احتجوا على توقيعه من قبل الدبيبة ليس أكثر من ذلك.

أما بالنسبة لتركيا فهي تضغط من أجل التفاوض مع مصر واليونان ولا علاقة بمسألة إبعاد غاز الجزائر عن أوروبا.

وشد على أنه "في كل الأحوال الموقف الأميركي حالياً هو الحاسم، ولن تعلن واشنطن أي موقف صريح أو معارض للاتفاق الجديد بين ليبيا وتركيا، كما لن تستعجل تسوية الخلاف بين الدول المشاطئة شرق البحر المتوسط على اعتبار أن ما يجري يخدم مصالحها خاصة أن الولايات المتحدة هي أكبر دولة منتجة للطاقة في الوقت الراهن وتريد استغلال طفرة الأسعار الحالية لتحسين وضعها الاقتصادي الذي تدهور بفعل حروبها في أفغانستان والعراق وسوريا".

وأشار إلى أن "الولايات المتحدة ستضغط على الجزائر لتقييد إمداداتها المرتقبة إلى أوروبا وكذلك ستدفع أي دولة تحاول نفس التوجه في الوقت الحالي".

ويرى الباحث أن" الأفكار المطروحة الآن لخطوط نقل الغاز لاتزال مجرد أفكار تحدياتها العملية كبيرة جداً وتنفيذها حال التوافق بشأنها يتطلب سنوات".

واعتبر أنه "من الصعب الحديث عن دعم تركيا لتمرير الغاز النيجيري لأوروبا عبر ليبيا، مؤكداً خطورة هذا التوجه في الوقت الراهن لأن خط الغاز المحتمل يواجه تحديات عملية كبيرة جداً خاصة أنه سيبدأ ويمر من مناطق غير مستقرة أمنياً وسياسياً".

دلالة التوقيت

/ar/uploads/files/2022/10/12/182935_qshwt.webp

الباحث السياسي الليبي، محمد قشوط أكد خلال حديث لوكالتنا أنه "من المعروف للجميع أن حكومة الدبيبة غير شرعية وهذا ما أكده حتى الاتحاد الاوروبي ووزارة الخارجية الأميركية وأشار له رئيس مجلس النواب الليبي في رسالته لأمين العام للأمم المتحدة بأن حكومة الدبيبة لم تعد لها ولاية بعدما سحبت منها الثقة".

وأضاف، كما أن "اتفاق جنيف الذي جاء بها يمنع عليها في مادته العاشرة توقيع أي اتفاقيات جديدة وترتب على ليبيا التزامات مستقبلية هذه من الناحية القانونية ما جرى".

وأشار الباحث الليبي إلى أن تركيا بخطوتها هذه الرامية لفرض أمر واقع هدفت لأمرين، أولهم: هو اختيار التاريخ الذي تم فيه توقيع اتفاقية مع الدبيبة الذي تزامن مع اقتراب ذكرى توقيع تركيا على اتفاقية لوزان وبموجبها قدمت ليبيا كهدية لإيطاليا، لافتاً إلى أن هذه الجزئيات والتوقيتات مهمة للاحتلال التركي ولا يختارونها صدفة حيث أرادت أنقرة القول "خرجنا آنذاك من إحدى ولاياتنا وها نحن اليوم نعيدها لسيرتها الأولى ونعود لها من جديد".

أما الهدف الثاني بحسب الباحث الليبي فإن "المتابع الجيد لتطورات المشهد إقليمياً ودولياً بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا يعرف أن هناك توتر متصاعد بين تركيا واليونان منذ شهر بلغ حدود التهديد بالحرب فيما بينهم، مضيفاً أنه بالنظر لتواطئ الاتحاد الأوروبي وسماحه لتركيا بأن تفعل ما تشاء في العراق وسوريا وأذربيجان شأنها شأن إيران والكيان الصهيوني طالما ينفذون مبدأ خلق توترات بنجاح اختار الأتراك الزج بليبيا كورقة ابتزاز ومساومة في صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل إذا تطور وتصاعد فقد نشهد مواجهة مسلحة داخـل المياه الإقليمية لليبيا".

حبر على ورق

/ar/uploads/files/2022/10/12/182920_shaban.webp

من جانبه توقع الكاتب والمحلل السياسي، إبراهيم شعبان، ألا تكتب الحياة ولا البقاء لمذكرة التفاهم التركية - الليبية في مجال الاستثمار النفطي.

وقال لوكالتنا إن "الاتفاقية لن تكون أكثر من حبر على ورق، بسبب المعارضة الداخلية الليبية الشديدة لها، والتحضير لتنظيم مظاهرات احتجاجية ضد الغزو التركي في ليبيا، علاوة على أن أي اتفاقية بحاجة إلى اعتماد المجلس التشريعي، مجلس النواب لها، وفي الحالة الليبية فإن مجلس النواب الليبي المنتخب رافض تماماً لمذكرة التفاهم التركية".

 ونوه شعبان إلى أن" الرسائل التي أرسلها رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة والجامعة العربية، يؤكد فيها رفض البرلمان الليبي لهذه الاتفاقية شكلاً ومضموناً، من جانب حكومة منتهية الولاية وهي حكومة الدبيبة".

وفي سياق متصل قال شعبان: "تركيا تسعى للتغلب على "انحصارها" وراء البحر المتوسط ومغالبة الطبيعة والجغرافيا، عبر استراتيجية الوطن الأزرق ومن خلالها، وعبر ليبيا تحاول أن تخرج وراء حدودها البحرية بشكل مغتصب ليس لها فيه أي حق".

مشيراً إلى" اصطدامها باليونان والاتحاد الأوروبي في مذكرة التفاهم الأخيرة في ليبيا، أما بخصوص الجزائر، ومحاولاتها الاستعانة بنفط نيجيريا فهذا يكشف عن خطة تركية خبيثة للعبث في شمال ووسط إفريقيا".

وحذر شعبان، من المخطط التركي في المتوسط وشمال إفريقيا وداخل القارة ذاتها، مشيراً إلى أن هناك تغلغل تحت ستار العثمانية الجديدة وعلى الجميع التصدي لها وكشف خطوطها أمام العالم.

وتوقع شعبان " أن تكون مذكرة التفاهم التركية الأخيرة مع حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا وبالاً على أنقرة وتفتح باباً جديداً للخلافات مع مصر وتبعد ظلال التقارب، بالإضافة إلى أن رفض البرلمان الليبي لها بكل قوة يؤكد إنه لن يكون لها مستقبل".

وختم الباحث المصري كامل عبد الله، حديثه بالتأكيد على أن "اتفاقية الاحتلال التركي مع ليبيا أشبه بطلقة تركية طائشة في الهواء ستخسر أنقرة بسببها الكثير".

(ي ح)

ANHA