من هفرين خلف إلى زينب محمد.. مسيرة نضالية لشهيدات حاربن الاستعباد بأيديولوجية تحرر المرأة

تستهدف دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها بمختلف مسمياتهم، رائدات ثورة 19 تموز، فمن صانعة السلام الشهيدة هفرين خلف، إلى الرائدة في مكتب شؤون العدل والإصلاح زينب محمد، مسيرة نضالية لشهيدات نقش أسمائهن على صفحات التاريخ بحروف من ذهب حاربن بأيديولوجية تحرر المرأة كافة أشكال العبودية.

من هفرين خلف إلى زينب محمد.. مسيرة نضالية لشهيدات حاربن الاستعباد بأيديولوجية تحرر المرأة
الثلاثاء 11 تشرين الأول, 2022   20:33
قامشلو- سلافا عبد الرحمن

حققت المرأة في شمال وشرق سوريا إنجازات ومكتسبات، تكاد دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها من هول ذلك أن تنهار، حيث بدأت بشن هجمات احتلالية على مقاطعة عفرين أولاً في عام 2018، ثم شن هجوماً احتلالياً في 9 تشرين الأول عام 2019 واحتل كل من منطقة سري كانيه ومقاطعة كري سبي، والهدف الرئيس للمحتل التركي هو المرأة، في سعي منه لكسر إرادتها وثنيها عن نضالها ومطالبها بتحقيق الحرية.

دولة الاحتلال التركي تهاجم رائدات ثورة 19 تموز

سلسلة من الجرائم والاغتيالات والهجمات التي استهدفت الرموز الوطنية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، تقدم عليها دولة الاحتلال التركي، في صورة تبرهن وحشيتها، وتخطى حدود العقل والتصور، فتستغل كافة إمكاناتها لاستهداف الشخصيات التي كانت لها اليد الطولى في القضاء على مرتزقة داعش، لذلك تسعى بكل الطرق النيل من هذه الرموز والانتقام لعميلتها داعش.

خلال الهجمات الاحتلالية لدولة الاحتلال التركي على مقاطعة عفرين مطلع العام 2018 تم توثيق استشهاد 56 امرأة بالإضافة إلى جرح 104 نساء أخريات.

فقد تناقلت وسائل التواصل الافتراضي، مقطع فيديو يوثق التمثيل بجثمان المقاتلة في وحدات حماية المرأة (YPJ) بارين كوباني التي استشهدت في الأول من شباط/ فبراير 2018 خلال دفاعها عن عفرين، واستشهدت مع ثلاث من رفيقاتها في قرية "قرنة" في ناحية بلبلة.

وفي الـ 12 تشرين الأول من العام 2019، اغتيلت الأمينة العامة السابقة لحزب سوريا المستقبل على طريق M4 مع سائقها فرهاد رمضان وتم التمثيل بجثتها، من قبل مرتزقة الاحتلال التركي إبان الهجوم الاحتلالي لدولة الاحتلال التركي على منطقة سري كانيه ومقاطعة كري سبي في الـ9 من الشهر نفسه.

وفي 13 من الشهر نفسه أيضاً، استشهدت الأم عقيدة والتي تعرف بـ "يادي عقيدة" جراء القصف التركي الذي استهدف المدنيين المشاركين في القافلة المتوجهة صوب سري كانيه لدعم الأهالي والقوات العسكرية المرابطة على جبهات القتال.

لم يرق للاحتلال التركي ما حققته المرأة في شمال وشرق سوريا من إنجازات ومكتسبات ما خولها لتصبح مثالاً تحتذي به النساء في العالم، ومخافة على عرشه وسلطته الذكورية، انتهج أسلوب جديد لاستهداف رياديات ثورة المرأة (ثورة 19 تموز)، في 23 حزيران 2020 استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال التركي أحد منازل المدنيين في قرية حلنج الواقعة جنوب شرق مدينة كوباني مما أسفر عن استشهاد عضوتي مؤتمر ستار، زهرة بركل وهبون ملا خليل، بالإضافة إلى صاحبة المنزل الأم أمينة ويسي.

وفي أواخر شهر أيار 2020، كشف عن تعرض عشرات من النساء الكرديات لانتهاكات جسدية وجنسية في معتقلات مرتزقة ما تسمى "فرقة الحمزات" التابعين لدولة الاحتلال التركي في مقاطعة عفرين المحتلة.

وفي 25 حزيران عام 2021، قصف الطيران المسيّر التركي، مركز حركة الشبيبة الثورية السورية في مدينة كوباني، مما أسفر عن استشهاد 6 أعضاء وعضوات من اتحاد المرأة الشابة وحركة الشبيبة الثورية، (نوجيان أوجلان، وفيان كوباني، وروجين أحمد عيسى، ومرهف خليل إبراهيم، وليد محمد منلا حسين ومسعود إبراهيم).

بينما اغتيلت الرئيسة المشتركة لمجلس بلدة تل الشاير في ريف الحسكة سعدة الهرماس ونائبتها هند الخضير، في 22 كانون الثاني 2021، من قبل مرتزقة داعش بدعم وغطاء تركي.

19 آب 2021، قصف الطيران المسيّر التركي مركز العلاقات العامة لمجلس تل تمر العسكري، مما أسفر عن استشهاد عضوة المجلس العسكري لوحدات حماية المرأة وعضوة المجلس العسكري لقوات سوريا الديمقراطية؛ سوسن بيرهات.

في 30 أيار 2022، استهدفت الدولة التركية المحتلة سيارة في مدينة قامشلو بطائرة مسيّرة مسلحة، مما أسفر عن استشهاد المقاتلة في وحدات حماية المرأة (YPJ)، مزكين بوتان، والوطني الكردي كسرى ملك وإصابة المقاتلتين في الوحدات دجلة جودي وهيفيدار درباسيه بجروحٍ بليغة.

2 تموز 2022، استهدفت مسيّرة تركية سيارة في قرية تل سمن التابعة لمدينة الرقة، مما أسفر عن استشهاد القيادية في وحدات حماية المرأة، مزكين كوباني، وفي 22 و 28 من الشهر نفسه استهدفت سيارة على الطريق الواصل بين قامشلو وتربه سبيه، مما أسفر عن استشهاد القيادية في قوات مكافحة الإرهاب، جيان تولهلدان، والقيادية في وحدات حماية المرأة روج خابور، والعضوة في قوات مكافحة الإرهاب بارين بوتان، كما استهدفت سيارة لقوى الأمن الداخلي في عين عيسى، أسفر عن استشهاد أعضاء 4 أعضاء من قوى الأمن الداخلي، وهم (بشار محمد علي بوزان، وجيهان محمد مصطفى، وسارة محمد الحسين، وسلمى علي مصطفى). 

وفي 27 أيلول 2022، استهدفت مسيّرة للاحتلال التركي، سيارة الرئاسة المشتركة لمكتب شؤون العدل والإصلاح في الإدارة الذاتية لإقليم الجزيرة، وذلك في مفرق قرية تل جمال التابعة لناحية ديرك، مما أدى إلى استشهادهما (زينب محمد ويلماز شرو).

هفرين خلف.. أيقونة السلام

المرأة في شمال وشرق سوريا برزت بين ثناياها النضال، ومن بينهن الشهيدة هفرين خلف، الأمينة العامة السابقة لحزب سوريا المستقبل، اعتبرت أيقونة السلام والمقاومة في وجه جرائم المحتل التركي، كانت تهدف إلى بناء جسر سلام والتوفيق بين التشكيلات العرقية المختلفة والعمل من أجل بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، فقد كانت تحمل رسالة سلام وتنادي بمشروع إخوة الشعوب، والعيش المشترك، وكانت صوت المرأة الحرة، فعملت من أجل إرساء السلام وإنهاء الدمار، والحفاظ على سوريا أرضاً وشعباً.

ومع بدء الهجوم الاحتلالي لدولة الاحتلال التركي على منطقة سري كانيه ومقاطعة كري سبي في 9 تشرين الأول من عام 2019 ، بدأت معها مرتزقة الاحتلال التركي بالتحرك من أجل ضرب استقرار المنطقة، وفي يوم الجمعة 11 تشرين الأول، وأثناء توجهها على الطريق الدولي إلى مدينة قامشلو في مهمة عمل، تم استهدافها بوحشية من قبل مرتزقة الاحتلال التركي وارتقت إلى مرتبة الشهادة، وتم الإعلان عن استشهادها بشكل رسمي من قبل مجلس عوائل الشهداء في الـ 12 من تشرين الأول.

من هفرين خلف ؟

الشهيدة هفرين خلف تنحدر من عائلة وطنية، من ناحية ديرك التابعة لمقاطعة قامشلو، مواليد 15 تشرين الثاني 1984، درست في مدارس ديرك والتحقت بجامعة حلب لتدرس الهندسة المدنية، وفي بداية الأزمة السورية، نشطت في المؤسسات الإنسانية والحقوقية والمدنية قبل أن تتفرغ للعمل السياسي.

انتخبت من قبل أعضاء الحزب وأصبحت الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل، فلم تكن هفرين تدافع فقط عن حقوق الكرد، فقد أراد حزب "سوريا المستقبل"، الذي ساهمت في تأسيسه، أن يعمل المسيحيون والكرد والعرب جنباً إلى جنب في مواجهة تحديات إعادة بناء المنطقة من جديد بعد أن خلف مرتزقة داعش والاحتلال التركي دماراً في كل مكان.

وساهمت في تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم الجزيرة عام 2014 من خلال انخراطها في العمل المجتمعي والسياسي في المنطقة، حيث نشطت في مؤسسات الإدارة وقامت بدور فعّال، وعملت على تأسيس مؤسسة العلم والفكر الحر عام 2012، كما كانت من مؤسسي مكتب التدريب الاجتماعي والأكاديمي.

وتولت مهمة نائبة الرئاسة المشتركة لهيئة الطاقة صيف عام 2014، قبل أن تصبح الرئيسة المشتركة لهيئة الاقتصاد في مقاطعة الجزيرة، لتُنتخب في ربيع 2018 أمينةً عامة لحزب سوريا المستقبل، الذي تأسس حديثاً بهدف إبراز الهوية الوطنية السورية.

مشروع هفرين خلف السياسي كان متمحوراً حول السلم الأهلي، لذلك لقبت بصانعة السلام، وكانت تقول باستمرار إنها تتوجه في خطابها إلى المكونات الأثنية والدينية جميعها في سوريا من كرد، وعرب، وسريان، وأشور، وأرمن، وكلدان، وشركس، وتركمان، وظلت تطالب ببناء سوريا لا مركزية ووطناً للجميع، على أساس وحدة الشعب السوري تكمن في ثراء تنوعه. 

وبعد أن استشهدت على أيدي من تسمى مرتزقة "أحرار الشرقية"، أطلقت العديد من العائلات اسم هفرين على بناتها تخليداً لذكراها وإحياءً لنضالها، وتم تشكيل لجنة للتحقيق في قضية اغتيال الشهيدة هفرين، وتحويل الجناة إلى المحاكم الدولية، على ارتكابهم جرائم حرب في شمال وشرق سوريا وخاصة بحق النساء. 

كما ضمت رابطة حقوق السيدات في التنمية (AWID)، أسماء العديد من النساء العربيات والأمازيغيات والكرديات ضمن "أرشيف الأمل النسوي" وذلك تكريماً وإحياءً لذكرى "نساء غيّرن عالمنا"، ورحلن وتركن أرشيفاً حيّاً من الأمل"، وكانت من بين المناضلات النسويات الراحلات، الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل، هفرين خلف.

كما أطلقت بلدية باريستو (Barcetoyê) التابعة لمدينة بارما الإيطالية اسم هفرين خلف، على جسر فوق النهر البارد (ريو ريفو فريدي)، وعُلّق على جانبي الجسر صورها، التي كتب عليها "ناضلت من أجل حقوق المرأة، توفت بسبب الخيانة"، إلى جانب تسمية حدائق ومرافق عامة وأكاديميات في شمال وشرق سوريا باسمها.

ياسمينة السلام

/ar/uploads/files/2022/10/11/182040_brwyn.webp

تركت الشهيدة هفرين خلف، بصمة المرأة الجسورة القوية والمناضلة الجميلة في نفس كل من عرفها ولقبت بالياسمين التي تشبهها في النعومة والجمال والرقة، بهذا الكلمات بدأت صديقتها في النضال والعمل، بروين يوسف الرئيسة المشتركة لمجلس مقاطعة قامشلو، حديثها عن الشهيدة هفرين خلف في الذكرى الثالثة لاستشهادها.

بروين يوسف استهلت حديثها بالإشارة إلى الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد الشهيدة هفرين خلف، قائلةً: "نستذكر اليوم ياسمينة السلام والحرية والإرادة، لأنها بذلت كل ما تملك من أجل النهوض بواقع المرأة".

وأضافت: "هفرين من الرفيقات اللواتي لا نستطيع نسيانهن وذكراها ما تزال حية كل يوم، فقد كانت تحتل حيزاً كبيراً في حياتنا وكل مهمة كانت تقع على عاتقها تنفذها دون مبالاة للمصاعب والضغوطات، وخاصة في ظل الهجمات التي تتعرض لها مناطق شمال وشرق سوريا".

'عاهدنا على بناء سوريا ديمقراطية لا مركزية تعددية بطليعة المرأة'

وعن شخصية الشهيدة هفرين خلف، بيّنت بروين في حديثها "كانت الشهيدة هفرين تعمل بشغف وحب، وكانت تحفز كل من حولها على العمل وبشكل خاص في المجالات المتعلقة بالمرأة، بالإضافة إلى ذلك أولت أهمية كبيرة بأعمال المرأة، وكانت تطمح لتطوير شخصية المرأة، وأهمية دورها وقيادتها المثالية"، مشيرة إلى أنها "كانت تطمح لتحقيق مشروع الأمة الديمقراطية وأن تحتل المرأة مكاناً في كافة المجالات والسباقة في ذلك".

كما بينت أن الشهيدة هفرين خلف، كانت من أهم مؤسسي حزب سوريا المستقبل، بوضع البذرة الأولى لرسم مسار الحزب، وقدمت نضالاً مستمراً لتمكين المرأة وحل الأزمة السورية، وبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية".

بروين يوسف، أكدت أيضاً بأن المرأة في الإدارة الذاتية تعمل بعزيمة وإصرار، غير آبهة لأي عمل إجرامي يقدم عليه الاحتلال التركي ومرتزقته الذين يهدفون للنيل من عزيمة وإرادة المرأة، مشددةً "عاهدنا ورفيقاتنا اللواتي وصلن الآن إلى مرتبة الشهادة، بأننا سنعمل من أجل تحقيق حرية المرأة ولن نتخلى عن الطريق الذي سلكناه ومصممين على المقاومة والعمل لتطوير مشروع الإدارة الذاتية لبناء سوريا ديمقراطية لا مركزية تعددية بطليعة المرأة".

ولفتت الانتباه إلى انتصارات ثورة روج آفا والتي تحققت بطليعة المرأة، الأمر الذي لم يرق للدول المهيمنة السلطوية وعلى رأسها دولة الاحتلال التركي التي تعمل من كل حدب وصوب من أجل سد الطريق أمام تطور المرأة وتطلعاتها نحو الحرية ومطالبتها بحقوقها.

وقالت بروين يوسف، "المرأة في مناطق شمال وشرق سوريا شكلت كيان خاص بها، ونفضت عن نفسها غبار العادات والتقاليد، ورفضت الذهنية السلطوية التعصبية التي لا تنبذ التعددية والمساواة بين الجنسين، لذلك نرى اليوم كيف تتعرض المرأة للقتل والاغتيالات بكافة الطرق والوسائل، فالذهنية التي اغتالت هفرين خلف نفسها التي اغتالت هند وسعدة، وجينا أميني في شرق كردستان، وناكهان أكارسال في جنوب كردستان".

وطالبت بروين المنظمات الدولية والعالمية بمحاسبة مرتكبي قتلة الشهيدة هفرين خلف الذين لا يزالون يرتكبون المجازر بحق المواطنين في المناطق المحتلة في سري كانيه وكري سبي وعفرين وجرابلس وإعزاز والباب.

وشددت "سنواصل المطالبة بمحاكمة قاتلي الشهيدة هفرين خلف وجميع النساء اللواتي قتلن على يد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، ولن نتنازل عن نضالنا ومقاومتنا مهما فعل وعمل عدونا".

وفي ختام حديثها قالت بروين يوسف، إن اغتيال الشخصيات الطليعيات "لن يثنينا عن مواكبة نضالنا والاستمرار بعملنا ، كما إن إجرامهم لن يخيفنا بل يزيدناً إصراراً على مواصلة درب أصدقاءنا الشهداء، فمن تذوق طعم الحرية يستحيل أن يرضخ لأي أعمال إجرامية".

(ي م)

ANHA