عام على انتخابات العراق والصراع لا يزال مستمراً على السلطة

زادت مشاكل الشعب العراقي على كافة الأصعدة، وذلك بعد مرور عام على الانتخابات العراقية من دون أي تغيير في ملف تشكيل الحكومة ورئاسة الجمهورية وهو رقم قياسي في حقبة ما بعد صدام حسين، فمن المسؤول عن الكارثة التي يمر بها الشعب العراقي؟ وما هي الحلول اللازمة بغية خروج العراق من المحنة التي يعيشها؟

عام على انتخابات العراق والصراع لا يزال مستمراً على السلطة
الإثنين 10 تشرين الأول, 2022   04:05
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

لم يستطع رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين تحقيق أماني الشعب العراقي في الحرية والديمقراطية والرخاء، وكذلك لم يستطع الغزو الأميركي بعد الإطاحة بصدام حسين، تحقيق أي شيء من هذا القبيل، كما لم تستطع الطبقة السياسية في العراق وبعد الخروج الأميركي من هذا البلد تحقيق ما يصبو إليه هذا الشعب.

وزادت بدورها حدة الخلاف داخل البيت "الشيعي" بين رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وخصومه الشيعة المدعومين من إيران في "الإطار التنسيقي"، كما زادت حدة الخلاف أيضاً داخل البيت "الكردي" في ظل الصراع المحتدم على السلطة في العراق، وكذلك داخل البيت "السني"، ولذلك لم يعد تغيير الحكومات وأعضاء مجلس النواب مخرجاً أو جزءاً من حل هذه المشاكل، بل بات استمراراً للدوران في حلقة مفرغة، وما دامت طريقة الحل لم تتغير، فمن الطبيعي جداً أن تكون النتائج مخيبة.

الباحث في حل النزاعات وبناء السلام، خضر الدوملي، تحدث لوكالتنا عن الأسباب الجوهرية لما يمر به العراق من أزمات متلاحقة متصاعدة حيث قال: "العراق يمر بمرحلة حرجة جداً في تاريخه المعاصر، بالطبع في فترة حزب البعث التي استمرت 35 عاماً، استطاع بناء دولة ذات مؤسسات، لكن الأيديولوجية الشوفينية للبعث هي التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه الآن، صدام حسين لم يؤمن بالتعددية السياسية ولم يؤمن بالتنوع، ولم يؤمن بحقوق الآخرين، ومارس عمليات البطش والإبادة الجماعية والأنفال، واستخدم الأسلحة المحظورة دولياً، وجرائم الإبادة التي مارسها في الانتفاضة الشعبانية، كل هذه الجرائم وهذه الممارسات والسياسات، غيّرت من سياق إدارة الدولة، فأصبحت الدولة بكل مؤسساتها ديكتاتورية، تمارس الشوفينية والتمييز، ولذلك لم يستطع حزب البعث متمثلاً بصدام حسين، تحقيق أية أهداف ترنو إلى الديمقراطية وتحقيق الاستقرار والتنمية، بل كانت الحروب والثورات وجرائم الحرب هي الأساس".

ويرى الباحث في حل النزاعات وبناء السلام بأنه "بعد 2003 تغير الواقع كثيراً، في الكثير من المحطات، وكان نحو الأفضل، حيث أصبحت هناك تعددية سياسية ودستور تم إقراره من قبل غالبية الشعب العراقي، وكانت هناك انتخابات دورية تجري، وهناك تداول للسلطة".

ويستدرك قائلاً: "ولدت طبقة سياسية سيئة جداً، لم تكن لديها رؤية سياسية لإدارة البلد، ولم تكن لديها خطة استراتيجية لانتشال العراق من الويلات والحروب التي مر بها، لم يستطيعوا تحقيق الاستقرار، خاصة فيما يخص تحقيق النظام الفيدرالي بجميع أركانه ومساراته، ولذلك توجه البلد إلى التمييز والاستهداف والتسقيط، حيث تمت إدارة البلاد عبر منظومة أمنية محصورة برئيس الوزراء لأكثر من ثماني سنوات، والتي شهدت حرباً طاحنة من الصراع العنصري والطائفي بين الشيعة والسنة، وأدت إلى تفريغ البلاد وخاصة جنوب ووسط البلاد من الأقليات من المسيحيين والصابئة المندائيين".

وأضاف الدوملي "استمرت الجرائم والانتهاكات وخرق الدستور، فأصبح كل فصيل يعمل لنفسه، وتحولت الحرب الطائفية إلى حرب كانتونات، وبرزت قوة متنفذة في العديد من المجالات، سيطرت على موارد البلد الاقتصادية بشكل خاص، ولذلك لم تكن هناك خطة لتحقيق الاستقرار، وخاصة تفعيل الأزمات بين فترة وأخرى، إلى أن ظهر داعش الذي ألحق ضرراً كبيراً بهيكلية الدولة العراقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تم ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين أمام أنظار العالم، وأمام أنظار الحكومة الفيدرالية".

ويقول الدوملي إن "الانسحاب الأميركي خلق فراغاً كبيراً، سيطرت قوة سياسية تمتلك ذراعاً عسكرياً وأمنياً ومالياً كبيراً، وحاولت رسم مسارات السلطة بحسب توجهاتها وحسب أهدافها، ولذلك لم تستطع هذه الحكومات المتعاقبة تحقيق الاستقرار وتلبية مطالب الشعب العراقي، في التنمية وتعزيز التنوع والديمقراطية والعدالة والحرية، وهو ما يحصل الآن بعدم القدرة على تشكيل حكومة تلاقي الإقبال والموافقة، من قبل غالبية الأطراف السياسية، ووصل الأمر الآن إلى وقوف الجماعات المتنفذة وجهاً لوجه، بسبب السلطة التي كانت بالأمس تشكل تحالفاً، وبات الحديث عن الكرد وحدهم وعن الشيعة وحدهم وعن السنة وحدهم، يجري بشكل واسع".

كما أنه وبحلول العاشر من تشرين الأول 2021، يكون قد مرّ عام كامل على الانتخابات البرلمانية المبكرة في العراق، والتي كانت مغايرة من ناحية الشكل ولكنها كانت مشابهة لغيرها من ناحية المضمون، حيث لن تجلب معها سوى الفوضى والتدهور الاقتصادي والتوتر السياسي، مع العلم أن هذه الانتخابات كان يراد منها حل المشاكل آنفة الذكر، إلا أن ما ذكرناه ليس وليد اليوم، بل جذوره ممتدة منذ بدايات حكم البعث في العراق وإلى الآن مروراً بالغزو الأخير وما جلبه من صراع طائفي وقومي، حيث تغيرت أشكال السلطة، ولكن الذهنية السلطوية للذين تناوبوا عليها لم تتغير.

ويعتقد الدوملي أن "هناك عدة أسباب تقف وراء الأمر، أولاً الطريقة التي أجريت بها الانتخابات، والتي أدت إلى الانتخابات، ثانياً، توظيف المصالح السياسية الضيقة على أساس الانتماءات القومية والمذهبية، قبل مصلحة الدولة وإدارة الدولة، ثالثاً، تضارب توجهات المرشحين والمنافسين مع المصالح الدولية والإقليمية وإيران وتركيا والسعودية والأردن والكويت والولايات المتحدة، فكل دولة من هذه الدول لديها مستوى مؤثر للتدخل، فعندما يتضارب تشكيل حكومة مع هذه الدول، سيقفون ضد الأمر، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي".

وأضاف: "هناك أمر آخر ساهم في عدم تشكيل الحكومة، وهو فقدان الثقة بين الكتل السياسية العراقية، ووضع الاشتراطات قبل الدخول في أي عملية لتشكيل الحكومة، إلا أن سبباً آخر أنه لا توجد قوى أخذت النسبة الأكبر من الأصوات، على الرغم من حصد التيار الصدري الغالبية الكبرى من الأصوات إلا أنه لم يكن بأمن في الدخول في العملية السياسية، لتشكيل الحكومة، وهناك جانب آخر جداً مهم، ونتائجه لا تزال مستمرة، حيث هناك صراعات داخل الكتل نفسها، ما بين أنفسهم ما بين الشيعة أنفسهم ما بين السنة أنفسهم، وهذا التضارب في المصالح والصراعات ينعكس بشكل كبير في عدم الوصول إلى اتفاقات".

وتابع: "النقطة الأخيرة، هو عدم وجود بنود حاسمة في الدستور العراقي لمثل هذه الصراعات، وعدم وجود محكمة اتحادية عليا، تمشي سلطاتها على جميع السلطات، لحسم الصراع ولحسم التأويلات والتي حالت دون تشكيل الحكومة".

والحل الجوهري، لهذه المسألة، بحسب الباحث في حل النزاعات وبناء السلام خضر الدوملي "هو تعزيز نظام الديمقراطية، ونشر نمط الأقاليم ليشمل وسط وجنوب العراق، وتشكيل حكومة تدير الدولة بشكل مؤقت، مع تحقيق نظام مالي لضمان حقوق الأقليات، ووقف الجرائم والانتهاكات الخطيرة، بالإضافة إلى نظام أمني متماسك، وإداري مالي قوي، يتم من خلاله السيطرة على موارد البلاد، لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي".

(ي ح)

ANHA