كيف اتفقت أجهزة الاستخبارات الدولية على اختطاف القائد أوجلان؟

اتفقت أجهزة استخبارات دولية وإقليمية كثيرة رغم وجود خلافات سياسية بين دولهم، لإتمام أكبر عملية اختطاف عرفها جهاز الناتو واستهدفت القائد عبد الله أوجلان إرضاءً لتركيا، فلجوء القائد إلى أوروبا ورفض استقباله كشف زيف ورياء ديمقراطية أوروبا وادعاءاتها بحماية حقوق الإنسان.

كيف اتفقت أجهزة الاستخبارات الدولية على اختطاف القائد أوجلان؟
الجمعة 7 تشرين الأول, 2022   20:43
مركز الأخبار ـ أحمد سمير

بعد خروج القائد أوجلان من سوريا اتضح أن هناك اتفاقية ومؤامرة تلوح في الأفق، لا سيما بعد سلسلة من التهديدات التركية باجتياح سوريا عسكرياً، حملت هذه المؤامرة بصمات استخبارات دولية وإقليمية منها؛ (إسرائيل، أميركا، إنكلترا، كينيا، اليونان، تركيا).

هذه المؤامرة المعقدة أعدت في الغرف المظلمة الأميركية إرضاءً لتركيا، إذ مارست ضغوطاً دبلوماسية وسياسية وأمنية منعت من خلالها الدول الأوروبية والغربية من استقبال القائد أوجلان، بغية عدم توفير أي ملاذ آمن له.

بالنظر إلى مجريات التنسيق والتحضير لهذه المؤامرة يتبين وكأن خطراً ما يحدق بالعالم ويتوجب القضاء عليه، فانطلاقاً من أميركا إلى روسيا الاتحادية وصولاً للاتحاد الأوروبي، ومن تركيا إلى اليونان، ومن كينيا إلى طاجكستان تم نسج خيوط هذه المؤامرة بمشاركة كل هذه الدول التي كانت تلهث وراء المنافع الليبرالية للحداثة الرأسمالية، ورأت في القائد أوجلان خطراً يهدد مصالحها.

بين ليلة وضحاها اتحد العدوان اللدودان التاريخيان (تركيا واليونان)، وعقدوا التحالفات والصفقات على حساب قائد غيّر مجرى تاريخهم المرير الملطخ بالدماء.

أما إنكلترا سيدة المال والجاه في العالم كانت الأكثر خبرة من بين كل تلك القوى المتآمرة، كونها تتوجس من مفاهيم القائد أوجلان وترى فيها خطراً على فرض هيمنتها الرأسمالية على العالم، لذلك أطلقت الإنذار لعدم السماح له بمزاولة السياسة ضمن أوروبا، وما إن وطئت قدماه هناك حتى سارعت لإعلانه الشخص المنبوذ.

أما إسرائيل التي تريد فرض هيمنتها على الشرق الأوسط لعبت دوراً كبيراً في اختطاف القائد أوجلان من خلال تتبع الموساد لاتصالاته ومعرفة مكان توجهه في كل مرة، فإسرائيل كانت بحاجة ماسة لتكوين علاقات قوية مع تركيا خدمة لاستراتيجيتها في المنطقة، لذا وعدت تركيا وأوعز رئيس الموساد أفرايم هاليفي بأن يجد القائد أوجلان بأي ثمن وتم تسمية عملية اختطافه بـ "العملية السوداء".

كيف بدأت المؤامرة

في عام 1988 أقيمت في مدينة نيويورك مناورة تحت اسم "إخماد انتفاضة شرق تركيا بواسطة الجيش التركي والولايات المتحدة الأميركية"، وهناك بدأ التعاون الأميركي ـ التركي واضحاً وعلنياً في سبيل توجيه ضربة للإرادة الكردية.

لم تهدأ دولة الاحتلال التركي في تنظيم حملات دولية بهدف إخراج القائد أوجلان من سوريا منذ أعوام 1989، وهددت مراراً بإعلان الحرب عليها مستغلة الظروف المشتتة التي كانت تعيشها منطقة الشرق الأوسط.

لقد أشعلوا لنا الضوء الأخضر للقضاء على PKK

حظيت دولة الاحتلال التركي بالدعم المطلق من قبل القوى المهيمنة عالمياً ودفعتها إلى عقد علاقات شراكة استراتيجية عسكرياً مع إسرائيل عام 1996، تبدت هذه الحقائق من خلال ما صرح به دوغان غوريش الذي تسلم منصب رئاسة هيئة الأركان التركية العامة فور عودته من أول زيارة له إلى إنكلترا، حيث قال: "لقد أشعلوا لنا الضوء الأخضر للقضاء على حزب العمال الكردستاني".

محاولة اغتيال القائد أوجلان

نجحت الاستخبارات التركية في الـ 6 من أيار/ مايو عام1996 باختراق سوريا أمنياً، وحاولت اغتيال القائد أوجلان في دمشق عن طريق تفجير سيارة مفخخة لكنها فشلت ولم يصب هو بأي أذى، إلا أن هذه العملية مهدت الطريق إلى المؤامرة الدولية.

وبدأت خيوط المؤامرة تنسج مع اللقاء الذي جرى بين الرئيس الأميركي كلينتون والرئيس السوري حافظ الأسد حول إشكالية خروج القائد أوجلان من سوريا، اللقاء الأول جرى في دمشق والثاني في سويسرا.

ابتزاز سوريا

استخدمت تركيا سياساتها القائمة على الابتزاز ضد سوريا في عدة ملفات لإخراج القائد أوجلان، منها الصراع العربي الإسرائيلي الذي كان قد تطور في حرب 6 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973 ليشتد الدعم التركي لإسرائيل أكثر وتهديد سوريا، أيضاً هددتها تركيا بملف لواء إسكندرون المحتل وقطع المياه والتحكم في جريان نهر الفرات كورقة ضغط.

أضنة والاتفاقية المذلة

تواصلت الضغوط التركية على نظام الأسد، حيث نقلت مصر رسائل تحذيرية تركية إلى سوريا، إذ هدد سليمان دميرل في خريف عام 1998 سوريا بإشعال الحرب إن لم يخرج القائد أوجلان منها، وأخذ يحشد جنوده قبالة الحدود السورية التركية.

بعد بدء خيوط المؤامرة الدولية على القائد أوجلان قفزت تركيا على جميع الملفات والمواضيع الشائكة، واشترطت حلها مع سوريا شرط تنفيذ شروطها، وبالفعل فرضت تركيا اتفاقاً مذلاً تحت عنوان "اتفاقية أضنة" التي أعادت تنظيم العلاقات بين الطرفين في الجانب الأمني والاستخباراتي بغية محاربة حزب العمال الكردستاني، كما نص الاتفاق أيضاً على وقف المطالبة بلواء إسكندرون الذي كانت تعتبره سوريا (أراض محتلة) ووافقت سوريا على جميع المطالب التركية التي تنتهك احترام السيادة السورية وأراضيها.

خروج القائد أوجلان من سوريا

بعد الضغوط التركية على سوريا والتهديد بشن هجوم عسكري خرج القائد أوجلان من سوريا، متوجهاً إلى أوروبا التي تزعم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، لحل القضية الكردية سياسياً.

اليونان لعبت دورها في سيناريو لجوء القائد أوجلان إليها

حطت أول طائرة للقائد أوجلان في أثينا، ومع وصوله في اليوم الـ 9 من شهر تشرين الأول بدأت خيوط المؤامرة تنكشف، والاستخبارات اليونانية كان لها دور كبير في حبك هذه المؤامرة، ولعبت دورها في سيناريو الخروج واللجوء إلى أثينا.

يحتمل أن تكون أميركا قد قطعت عهوداً لليونان بحل مشاكلها مع تركيا حول بحر إيجة وقبرص، أما تركيا قد سلكت موقفاً تنازلياً مغايراً بلا حدود حيال هذه القضية.

الاستخبارات رفضت وجود القائد على الأراضي اليونانية ولو مؤقتاً

استقبل القائد أوجلان من قبل كالندريديس (يعتقد أنه كان تابعاً لغلاديو اليونان)، وكان قد مكث طويلاً في تركيا كضابط مسؤول في الناتو، كان يتظاهر بالصداقة مع القائد أوجلان، وعندما هبطت الطائرة في مطار أثينا رفض الضابط الجوي ورئيس الاستخبارات ستافراكاكيس بغطرسة وعناد، دخول القائد أوجلان إلى الأراضي اليونانية ولو مؤقتاً.

وكان ذلك عاراً كبيراً لحق باليونان، ولربما كان الأكبر في تاريخها، بهذا القدر من الخيانة، لم تكن اليونان قد ارتكبتها أبداً، بحيث لم يشهد التاريخ لمثل هذه الخيانة حديثاً.

التوجه إلى موسكو التي تعاني من أزمة اقتصادية

غيّر القائد وجهته صوب موسكو التي كانت تعاني من أزمة اقتصادية على متن طائرة يونانية، وهناك أوقف رئيس الاستخبارات الداخلية الروسية العنيد والمتعجرف بسلوكه القائد أوجلان، لذلك لم يكن بوسعه البقاء هناك ومكث فيها لـ 33 يوماً بشكل سري عند ساسة من أصول يهودية.

المال والمشاريع لقاء المشاركة في المؤامرة

على صعيد البُعد الاقتصادي للمؤامرة، أرسلت كل من إسرائيل وأميركا وفداً إلى روسيا، وفي نهاية المطاف اتفقوا على خروج القائد أوجلان من روسيا التي كانت تعيش في ظروف اقتصادية صعبة جداً، إذ حصلت على مبلغ من المال ومشروع التيار الأزرق، مقابل مشاركتها في المؤامرة.

ومشروع التيار الأزرق هو خط أنابيب الغاز الرئيس عبر البحر الأسود الذي يحمل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا. وأنشئ خط الأنابيب بواسطة شركة خط أنابيب التيار الأزرق، ومقرها هولندا، وهي شركة محاصصة بين غاز بروم الروسية وإني الإيطالية، ليس هذا فحسب، بل حصلت روسيا على قرض مالي من صندوق النقد الدولي بلغت قيمته 10 مليار دولار.

الشح المعنوي أمام الرأسمالية الليبرالية

كان القائد أوجلان قد اختار التوجه صوب موسكو إيماناً منه بأنهم قد عاشوا تجربة اشتراكية دامت سبعة عقود، لم يتوقع أن يكونوا مصابين بهذا القدر من الشح المعنوي أمام الرأسمالية الليبرالية.

التوجه إلى إيطاليا

عقد القائد أوجلان عزمه وهذه المرة توجه صوب روما في مغامرة أخرى محفوفة بالمخاطر، كان موقف رئيس الوزراء الإيطالي ماسيمو داليما حميماً لكنه عجز عن إعطاء أي ضمان سياسي تام.

أثار وجود القائد في إيطاليا أزمة دبلوماسية بين أنقرة وروما التي رفضت تسليمه نظراً لأن تركيا كانت لا تزال تصدر أحكاماً بالإعدام، فقرر القائد الخروج في أول فرصة تسنح له بذلك.

خطأ وخداع

اتجه القائد أوجلان ثانية إلى روسيا، اعتبر القائد ذهابه إلى هناك خطأً وخداعاً بسبب سلوك الوسيط الذي كان في موسكو نومان أوجار الذي كان قد لعب دوره في ذلك، حيث انطلق القائد إلى موسكو وكله ثقة بموقف ذاك الشخص عندما خرج من روما.

عندما هبطت طائرة القائد أوجلان في موسكو أخذت الاستخبارات الروسية الداخلية القائد إلى المطار بعدما أقنعوه بأن ذهابه سيكون صوب أرمينيا وفق السيناريو الذي أعد مسبقاً، لكن فيما بعد قالوا إن الذهاب إلى أرمينيا قد تأجل، وأنه بمقدوره الذهاب إلى طاجكستان لمدة أسبوع.

التوجه صوب طاجكستان

أقلت طائرة الحمولات القائد أوجلان وحطت به في دوشنبه عاصمة طاجكستان، انتظر هناك مدة أسبوع في غرفة لم يغادرها قط، ثم عاد أدراجه إلى موسكو، ومن ثم انعطف صوب أثينا ثانية، عقب يومين مليئين بالمغامرات والبرد القارس والمثلج.

إعاقة توجه القائد صوب جنوب إفريقيا

كان من المقرر وفق مزاعم أثينا أن يتوجه القائد صوب جنوب إفريقيا ليعقد علاقات دبلوماسية متينة وليحظى بجواز سفر رسمي ساري المفعول، لكن زيف ورياء الدولة اليونانية قد نجح في هذه اللعبة أيضاً.

أطلقوا إنذاراً بألا تحط طائرة القائد أوجلان في أي مطار أوروبي

أطلقت القوى المتآمرة الإنذار بألا تحط الطائرة التي كانت تقل القائد أوجلان في أي مطار أوروبي لمدة 24 ساعة، ما فهم من ذلك أنها لم تترك أي مطار يقبل بهبوط الطائرة عدا مطار مينسك في روسيا البيضاء.

الإيقاع بالقائد أوجلان وتواطؤ كينيا واليونان

أثناء تواجد القائد أوجلان في العاصمة الكينية نيروبي بقي لعدة أيام في منزل السفير اليوناني في نيروبي، كانت الوحدات الخاصة اليونانية ترصد الفرصة المواتية لإخراج القائد أوجلان رغماً عنه، كذلك كانت الشرطة الكينية متأهبة لفعل الشيء عينه، فالإجراءات الأمنية داخل وخارج المنزل كانت كافية لإيضاح خطورة الوضع واتخاذهم تدابير استثنائية بخصوص الأسر.

ظل القائد أوجلان في القنصلية اليونانية في نيروبي لمدة أسبوعين تم خلالها وضع الترتيبات لكيفية الإيقاع به، وبعد تواطؤ السلطات الكينية واليونانية ودعوتهم للقائد أوجلان إلى مغادرة القنصلية والتوجه إلى المطار كي يغادر إلى هولندا، ركب القائد سيارة يقودها ضباط أمن كيني، وبحجة التوجه إلى المطار توجه الضابط إلى مكان تواجد فريق استخباراتي تركي كان بانتظاره على متن الطائرة.

وشارك في هذه المؤامرة الدولية وعملية الاختطاف والاعتقال؛ الاستخبارات اليونانية والكينية والأميركية والتركية والإسرائيلية، ثم نقل القائد أوجلان إلى تركيا.

هذه المؤامرة التي طالت القائد أوجلان وكبلته في إمرالي مشابهة للاتفاقات التي عقدت ضد الشعب الكردي وشعوب المنطقة، بداية من اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916، التي شاركت فيها قوى دولية غيّرت ملامح جغرافية شعوب ظلت دون حقوق ضائعة بين الجغرافيات المقسمة.

من الإعدام إلى المؤبد

ومنذ اعتقاله يواجه القائد عبد الله أوجلان عزلة مشددة في سجن انفرادي بجزيرة إمرالي في بحر مرمرة بتركيا، في البداية صدر حكم الإعدام بحقه، ليتحول إلى السجن مدى الحياة بعدما ألغيت عقوبة الإعدام في عام 2002، إلا أن النظام المشيد في إمرالي وظروفه السيئة تجعل الإنسان يعيش صراعاً مع الموت ويعدم يومياً.

نظامها أقرب إلى تحطيم بنية الإنسان جسدياً

إمرالي ذائعة الصيت بكونها جزيرة تطبق فيها الأحكام الصادرة بحق مسؤولي الدولة رفيعي المستوى، مناخها رطب وقاس للغاية، وأقرب إلى تحطيم بنية الإنسان جسدياً، يزداد تأثيرها المهلك على بنية جسد الإنسان بكونها عزلة داخل حجرة انفرادية مغلقة.

حياة الكرد لا تختلف عن سجن مفتوح حالك السواد

عن سجن إمرالي يقول القائد أوجلان: "إن حياة الكرد لا تختلف سجن مفتوح حالك السواد، وبما أن حياة الإنسان لا تثمن إلا عندما تكون حرة فأينما كان العيش المجرد من الحرية فإن ذاك المكان يشكل سجناً معتماً في جميع الأوقات. فإذا استوعب الناس دوافع حياتهم بصورة صحيحة فأينما كان مكان عيشهم فلن يشكل ذلك مشكلة جدية بالنسبة إليهم".

حولت سجن إمرالي إلى ميدان الحرب

ويقول القائد أوجلان "لقد تحول سجن إمرالي بالنسبة لي إلى ميدان لحرب الحقيقة بكل ما للكلمة من معنى، اني أفضل العيش في حجرتي على أن أعيش مع الناس الذين أخرجتهم الحداثة الرأسمالية عن الطريق أي طريق الحقيقة فلا يمكن عيش الحياة البشرية إلا بنحو مجتمعي حر وديمقراطي مفعم بالمساواة تتضمن الاختلاف سواء أكان المرء طليقاً أم سجيناً".

إمرالي باتت قبلة كل الأحرار في العالم

وحوّل القائد عبدالله أوجلان سجنه إلى منبر ومدرسة تاريخية للعلم وتقديم الحلول ليس من أجل الكرد فحسب إنما لتقديم الحلول الناجعة لكافة المشاكل التي تعاني منها البشرية وأفرزتها الرأسمالية، لذلك إمرالي باتت قبلة لكل الأحرار في العالم.

كل حسابات الحداثة الليبرالية الرأسمالية في تحجيم الأفكار التي طرحها القائد أوجلان من خلال أسره أظهرت أنها خاطئة، فثورة حزب العمال الكردستاني مختلفة عن الانتفاضات التي سبقتها، فاليوم الكرد ومعهم شعوب المنطقة أقوى سوياً.

لا شك أن العاصفة المندلعة اليوم خنقت تركيا اقتصادياً وسياسياً لم يعد بإمكانها الخروج مع مآزقها الاقتصادية والعيش معها، كذلك تتلقى استنزاف وخسائر عسكرية كبيرة على جبهات مختلفة، فحل القضية الكردية بالقوة واستخدام السلاح لن يجدي نفعاً، فإذا أرادت تركيا الخلاص من دوامات الأزمات هذه فإن مفاتيح الحل تكمن في إمرالي.

(ك)

ANHA