لبنان.. بين "العتمة" أو العروض الإيرانية

على وقع التطورات التي تشهدها المنطقة، وبالتزامن مع المفاوضات الجارية بين إيران والغرب في فيينا حول الاتفاق النووي، يحضر لبنان في صلب اهتمامات إيران التي تحاول أن تلعب على خط أزماته لترسيخ حضورها فيه تحت غطاء إنقاذه من عتمته، إذ تعمد إلى تكثيف اتصالاتها مع المعنيين، وسط تساؤلات عن دوافع إصرارها لاستدراج لبنان إلى القبول بيد العون.

لبنان.. بين "العتمة" أو العروض الإيرانية
الأربعاء 14 يلول, 2022   03:07
بيروت – زياد أبو غزالة

مع الشح المتزامن مع أسعار جنونية لمادة المازوت، يبدو أن الهبة الإيرانية لتزويد لبنان بالفيول اللازم لمؤسسة كهرباء لبنان، بدأت تأخذ طريقها إلى القبول. إذ كلّف رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، وزير الطاقة، وليد فياض، إعداد وفد تقني سيتوجّه إلى طهران لمناقشة الأمر مع المسؤولين الإيرانيين، خصوصاً أن جواب السفير الإيراني في لبنان، مجتبى أماني، حول مواصفات الفيول لرئيس الحكومة كان إيجابياً، وقد تعهدت إيران تقديم هبة تتوافق تماماً مع المواصفات التي يطلبها لبنان.

يقول الصحافي اللبناني زياد عيتاني: "بعد أن وصل لبنان إلى صفر كهرباء، وقريباً صفر اتصالات، همّ ميقاتي الأوحد إرضاء أميركا التي تملك دفتر عقوبات تضيف إليه من تشاء وتستبعد منه من تشاء، حتى ولو ابتلعت العتمة كل شيء. وهو مستعد للانتظار إذن واشنطن الذي لن يأتي لاستجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية، على أن يشكّل وفداً يزور طهران للبحث في العرض الإيراني بتزويد لبنان بالفيول مجاناً".

هل يورط فيول إيران لبنان؟

ضج الشارع اللبناني وبعض السياسيين بالتحذير من العقوبات الأميركية، التي قد تطال البلاد التي تعيش أصلاً أسوأ الأزمات الاقتصادية منذ عقود، في حال مدت إيران بالفيول.

وزير الطاقة أكد أن الفيول الإيراني إذا ما أتى فهو هبة، ولا تخضع بالتالي للعقوبات، موضحاً أن الهبات المجانية لا يترتب عليها عقوبات، بحسب ما أبلغه مسؤولون أميركيون.

من جانبه عيتاني أكد لوكالتنا أن "قبول لبنان هبة الفيول الإيراني سيُرتّب عليه عقوبات، حتى لو كانت تحت إطار هبة إنسانية مجانية".

وأضاف أن "الفيول الإيراني غير مُطابق لمواصفات المعامل اللبنانية، لأنه غير مُكرر، كما أن الطلب عليه ضئيل جداً لأنه يتسبب بانبعاثات سامة، ومن هي الشركة التي ستتجرأ على تقديم طلب بمناقصة تكرير الفيول الإيراني".

وأوضح أن "مشكلتنا مع الغاز المصري أن الكونغرس يرفض حتى الآن إعفاء مصر من عقوبات قانون قيصر، فكيف بالحري مع الفيول الإيراني؟"، مشدداً على أنه "إذا كانت إيران جدية بمسألة الهبة، فعليها أن تُعطينا فيولاً يتطابق مع مواصفات معاملنا الكهربائية من دون الحاجة إلى استبداله بنوع آخر".

رسائل إيرانية من لبنان

وفيما تشهد جولات فيينا التفاوضية جموداً، ترفع طهران منسوب الضغط إلى أعلى مستوى، استناداً إلى مقتضيات اللحظة.

حذر وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن من "أن الفترة الزمنية التي تحتاجها إيران للحصول على المواد المطلوبة لتطوير ترسانة نووية تقلصت إلى بضعة أسابيع فقط"- أو بتسخين ساحاتها في منطقة الشرق الأوسط لا سيما باتجاه إسرائيل.

وفي هذا السياق، تبدي أوساط دبلوماسية عربية قلقها من أن يكون لبنان بات الساحة الوحيدة في يد إيران من خلال تحكم "حزب الله" به واستخدامه وفق أجندتها ومتطلبات مفاوضات فيينا السداسية والعراق الثنائية.

هذه الأحداث تعزز المخاوف من وجود خطة إيرانية للتصعيد في لبنان، كورقة ضغط للحصول على المطالب من أميركا. لذلك توضح مصادر صحفية أن واشنطن وأطرافاً دولية أخرى، ضغطت على تل أبيب لعدم الرد والاستدراج إلى التصعيد والمواجهة التي تريدها إيران خدمة لأجندتها، بحيث تستثمر فترة التصعيد، لو وقعت، للحصول على المواد المطلوبة لصنع القنبلة النووية في فترة قصيرة كما قال بلينكن.

عروض إيرانية للبنان

في العام 2006، رفضت الحكومة اللبنانية عرضاً إيرانياً للمساعدة في ملف الكهرباء، وفي العام 2009 وجهت إيران إلى وزارة الطاقة اللبنانيّة رسالة مكتوبة للتعاون في هذا الإطار.

وفي العام 2010، تجدّد العرض في زيارات رسميّة متبادلة بين البلدين، قام بها رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري ووزير الطاقة جبران باسيل، وجرى الحديث عن استعداد إيراني لبناء معملين لإنتاج الكهرباء بقدرة 1000 ميغاواط وبكلفة زهيدة، لكن الجانب اللبناني ردّ طالباً التريّث حتى إنجاز الصيغة القانونية. وبطبيعة الحال دخلت المناكفات السياسية لإيقاف عجلة العرض المغري.

وفي العام 2012، كرّر السفير الإيراني الراحل غضنفر ركن آبادي موقف بلاده بالاستعداد لبناء معامل كهرباء في لبنان. وقال حينها إنّ الشركات الإيرانيّة أنجزت كل الخطوات التمهيديّة، وهي مستعدة لإنتاج 500 ميغاواط خلال سنة، وإن أراد لبنان أكثر فطهران مستعدة وحاضرة. وكرّر خلفه السفير محمد فتحعلي عرض آبادي، إلا أنّ الرفض اللبناني كان سيّد الموقف مجدداً.

في العام 2017، جدّد معاون وزير الطاقة الإيراني للشؤون الدولية علي رضا دائمي، خلال لقائه وفداً إعلامياً لبنانياً زار وزارة الطاقة الإيرانية، العرض للتعاون مع لبنان وبناء معامل توليد الكهرباء، ومجدداً لا جواب.

وفي العام 2019، أكّد وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت، محمد جواد ظريف، خلال زيارته للبنان، أنّ عرض بلاده لإنقاذ لبنان من أزمة الكهرباء لا يزال قائماً.

العرض الأخير كان في العام 2020، وذلك خلال زيارة رسمية لرئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني للبنان، حيث جدّد في لقاءاته التي عقدها مع المسؤولين اللبنانيين، ولا سيّما مع الرؤساء الثلاثة، استعداد إيران لمدّ يد العون في مجالات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها إنشاء معامل إنتاج كهرباء بمواصفات مميزة واستثنائية تناسب الجغرافيا اللبنانية، وتزويد لبنان بالمشتقات النفطية المتنوعة بأسعار مدروسة وجودة عالية. لكن العرض الإيراني قوبل بالرفض، بحجة المخاوف من احتمال أن تقوم الولايات المتحدة بفرض عقوبات على قطاعات مصرفيّة واقتصاديّة لبنانيّة.

وأمام هذه العروض وما يقابلها من تخوف ورفض لبناني، يبقى المواطن في "نفق مظلم" لا كهرباء، لا اتصالات، وينتظر آخر هذا النفق، ليرى بصيص نور.

(ي ح)

ANHA