تحركات لحكومة دمشق في ريف درعا.. هل تكرر سيناريو "طفس" في "جاسم"؟

شهدت مدينة جاسم بريف درعا الشمالي تحركات نوعية لقوات حكومة دمشق، تمثلت في استقدامها لتعزيزات عسكرية جديدة لنقاطها في محيط المدينة، الأمر الذي أثار مخاوف الأهالي من عملية عسكرية وشيكة مشابهة لما جرى في مدينة طفس، وهو الأمر الذي لم يستبعده الكاتب والصحفي السوري حسن النيفي، معتبراً إياه "سيناريو متوقع جداً".

تحركات لحكومة دمشق في ريف درعا.. هل تكرر سيناريو "طفس" في "جاسم"؟
الخميس 8 يلول, 2022   02:04
مركز الأخبار- جودي إسماعيل

يبدو أن أنظار قوات حكومة دمشق تتجه اليوم إلى مدينة جاسم، بريف درعا الشمالي بعد أسبوعين من دخولها مدينة طفس، حيث استقدمت تعزيزات عسكرية إلى محيط المدينة وأنشأت نقطة عسكرية جديدة، في تحركات لافتة أثارت تكهنات مراقبين فيما إذا كانت جاسم على موعد مع سيناريو مشابه لما حدث في طفس؟

وانتشرت في 31 من شهر آب الماضي، مجموعات عسكرية تابعة لقوات حكومة دمشق في محيط مدينة جاسم بريف درعا، ومنعت المزارعين من التوجه إلى حقولهم ومغادرة المنطقة، كما نشرت قواتها على طريق جاسم – سملين، وأقامت حاجزاً للتفتيش، في الوقت الذي أخلى فيه مزارعون عدداً من المزارع على مفرق بلدة سملين.

وجاء ذلك بالتزامن مع استقدام قوات حكومة دمشق لأكثر من 200 عنصر توزعوا في كل من الخربة والمزرعة ومزرعة بيضاء ونقطة بمزرعة أبو عرب ونقطة بمزرعة الحمراء الكبيرة، ونقطة في نهاية طريق البحص، كما وصلت دبابتين وأسلحة ثقيلة إلى حاجز سهم في محيط المدينة.

ورغم عدم إفصاح قوات حكومة دمشق عن غايتها من هذه التحركات إلى الآن، إلا أن مصادر عدّة تحدثت عن سعي الأولى لمحاصرة مدينة جاسم وإنشاء حواجز عسكرية ثابتة تشرف على المدينة والمناطق المحيطة بها، تنفيذاً لتهديدها الذي أطلقتها منذ نحو شهر بشن عملية عسكرية وأمنية على أربع مناطق من درعا.

وكانت "اللجنة الأمنية" في درعا قد هددت في 25 تموز الفائت، وجهاء كل من مدينة طفس واليادودة وجاسم وأحياء درعا البلد، "بشن عمل أمني وعسكري، في حال لم يتم تسليم قوائم من المطلوبين" والذين تتهمهم حكومة دمشق بتصعيد عمليات الاغتيال والقتل التي تصاعدت بشكل لافت منذ أن أجرت الأخيرة لما تسمى "التسويات" برعاية روسية.

وجاء هذا التهديد ضمن سلسلة اجتماعات منفصلة جرت قبلها بيوم، جمعت رئيس "اللجنة الأمنية" في درعا، مفيد حسن، مع وجهاء كل منطقة على حدة.

'سيناريو طفس متوقع جداً'

وأثارت هذه التحركات مخاوف أهالي مدينة جاسم من شن قوات حكومة دمشق عملية عسكرية ضدهم على غرار ما حدث في طفس، التي شهدت حصاراً استمر لأسبوعين تخلله قصف مدفعي ونزوح للأهالي وانتهى باتفاق على إخراج عدد من المطلوبين خارج المدينة.

مخاوف لم يستبعدها مراقبون للشأن السوري، فخلافاً لما تدعيه قوات حكومة دمشق من غايتها لهذه التحركات بوجود أشخاص على "صلة بمرتزقة داعش"، سواء في طفس أو جاسم أو غيرها من المدن التي من الممكن أن تشهد ذات الرواية، فإن هذه التحركات تندرج ضمن استراتيجية أكبر وأكثر طموحاً في قراءة حكومة دمشق والتي تتمثل في تعزيز هيمنتها من خلال مزيج من القوة والمفاوضات في المناطق التي لا تسيطر عليها، بحسب المراقبين.

الكاتب والصحفي السوري، حسن النيفي، وخلال حديث لوكالتنا رأى أنه "من المتوقع جداً" أن تشهد مدينة جاسم ذات السيناريو الذي شهدته طفس، قائلاً في هذا الصدد: "يجسد تعزيز نظام دمشق لقواته على طريق جاسم – سلمين، إصراره على تكرار ما حصل في مدينة طفس، إذ يدرك النظام في قراءة نفسه أنه لن يلقى أي تعاون من جانب الأهالي كما يدرك مقدار النقمة التي يحملها سكان درعا عموماً على قواته التي لم تألُ جهداً في أن تقوم بالتنكيل بالسكان المدنيين".

ولفت الصحفي السوري إلى أن "قوات النظام أينما حلّت لا تحمل معها إلا الإجراءات الأمنية التي لا تحمل للمواطنين سوى الويلات والمآسي، وعلى ضوء ذلك يصبح من المتوقع جداً أن يتكرر سيناريو طفس ليس في جاسم فحسب، بل في كل البلدات التي يهدف النظام إلى إحكام قبضته عليها".

وحول سبب توجه قوات حكومة دمشق إلى مدينة جاسم تحديداً عن غيرها من مدن درعا يقول النيفي: "نظراً للموقع الحيوي والاستراتيجي لجاسم أولاً، فهو إن سيطر عليها (أي قوات حكومة دمشق) استطاع حينئذ التمدد إلى العديد مما حولها من بلدات ومدن، ثم لما تحوزه مدينة جاسم من رمزية بسبب كونها إحدى معاقل الثورة والثوار منذ بدايات الثورة".

'سياسة القضم'

مع توجه قواتها من مدينة طفس إلى مدينة جاسم، بات من الواضح أن حكومة دمشق تتبع سياسية "القضم" في إعادة المناطق السورية منطقة تلو أخرى إلى حكمها وسيطرتها السابقة التي خسرها عقب 2011، وبحسب الكاتب والصحفي السوري حسن النيفي فإنها سياسة قائمة منذ أكثر من خمس سنوات، موضحاً بالقول: "سياسة القضم هي النهج الذي يتبعه النظام منذ بداية عام 2017 ، وهي خطة روسية بالأصل، عادة ما تتم عبر تقدم تدريجي لقوات النظام عبر معارك خاطفة مع تأمين الدعم الجوي لها من جانب الروس، وذلك بعيداً عن أي اتفاقية أو تفاهمات مبرمة مع الأطراف الأخرى، ربما يجد نظام الأسد أن هذا المنهج هو الذي يمكّنه من إحداث اختراقات في صفوف الخصم ومباغتته على الدوام".

وعن السيناريوهات التي من الممكن أن تشهدها مدينة جاسم في قادم الأيام، استقرأ النيفي السيناريو الأقرب للمدينة، قائلاً: "ربما السيناريو الأقرب للمدينة هو محاولة قوات الأسد تصدير خطاب للأهالي يطلبون فيه التعاون مع السلطة لتسليم السلاح والثوار، ثم تليها خطوة إحكام الحصار على المدينة عسكرياً واقتصادياً وأمنياً واستنزاف الأهالي بالتدريج، ومن ثم اقتحام المدينة، هذا السيناريو كان الأكثر اعتماداً بالنسبة إلى قوات الأسد".

واستبعد الصحفي السوري أن تكون عملية اقتحام مدينة جاسم بهذه السهولة ذلك أنه وبحسب النيفي، فأن "سكان جاسم وثوارها لن يثقوا بقوات النظام بل ربما هم أعرف الناس بما يكيده الأسد لسكان درعا وجميع السوريين الذين ناهضوا حكمه".

'نظام عقيم'

وتأتي هذه المستجدات في وقت تشهد فيه مدينة درعا الخاضعة "للتسويات" فلتاناً أمنياً وارتفاعاً حاداً في عمليات القتل والاغتيالات، حيث بلغت حصيلة الاستهدافات في المنطقة منذ مطلع العام وفقاً لتوثيقات المرصد السوري، 369 استهدافاً تسببت بمقتل 311 شخصاً جلهم من المدنيين وعناصر تابعة لحكومة دمشق والمتعاونين مع "الأجهزة الأمنية" وعناصر "التسويات"، ما يثبت مدى هشاشة المصالحات التي فرضتها حكومة دمشق والتي لم تجلب سوى فوضى أمنية واحتقاناً شعبياً بسبب تمسك حكومة دمشق بعقلية السلطة والاستبداد وعدم قبول الآخر.

ويقول الكاتب والصحفي السوري عن ذلك: "بالأصل قوات النظام هي مصدر للفلتان الأمني والفوضى، وليست رادعة لها، وذلك بحكم تركيبتها الميليشياوية وعدم شعورها بالمسؤولية حيال أي مدينة أو مواطن سوري، لديها شيء واحد فقط هو الرغبة في الانتقام من السكان ثم بسط السيطرة".

ويضيف الكاتب والصحفي السوري، حسن النيفي: "منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 وحتى الآن أدرك العالم أجمع أن السلطة لا تملك سوى الحلول الأمنية التي تزداد عنفاً يوما بعد يوم، ولعل عدم تجاوب الأسد مع أي من القرارات الأممية إنما يثبت إثباتاً قاطعاً أن نظام الأسد هو عقيم تماماً وبنيته بالأصل لا تقبل الإصلاح".

وختم حديثه بالقول: "لا أعتقد أن أي مدينة سورية يمكن أن تنعم بالأمان والاستقرار طالما نظام الأسد موجود باعتباره جذر المشكلة وأصلها الحقيقي في سوريا، صحيح أن الأسد ليس وحده الخطر الداهم على السوريين، إلّا أن جميع الأخطار الأخرى هي تداعيات للمشكلة الأم، أي وجود سلطة الأسد، وبزوالها تبدأ الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح".

(ي ح)

ANHA