​​​​​​​الحرب تعود إلى أثيوبيا.. ماذا يحدث في أديس أبابا؟

شهدت الأيام القليلة الماضية عودة الحرب بين الحكومة الأثيوبية وجبهة "تحرير شعب تيجراي" وذلك بعد هدنة استمرت لشهور، فما هي أسباب عدم الاستقرار؟

​​​​​​​الحرب تعود إلى أثيوبيا.. ماذا يحدث في أديس أبابا؟
الجمعة 2 يلول, 2022   02:53
القاهرة - محسن المصري

وتحدثت تقارير دولية عن انتهاكات وجرائم يرتكبها الجيش الأثيوبي في إقليم تيجراي، واتهمت منظمة اليونيسف القوات الحكومية باستهداف الأطفال.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في بيان لها السبت، أن الغارة الجوية التي نفذها الجيش الأثيوبي الجمعة على إقليم تيجراي أصابت "دار حضانة" وقتلت وجرحت العديد من الأطفال.

من جانبها، أعلنت أديس أبابا أنها لا تقصف سوى "أهدافاً عسكرية". وتتبادل الحكومة الأثيوبية ومتمردو "جبهة تحرير شعب تيجراي" المسؤولية عن استئناف القتال على الحدود الجنوبية الشرقية للإقليم والتي أنهت هدنة استمرت خمسة أشهر.

وفى محاولة لفهم تطورات الأحداث وما يجري داخل أثيوبيا وحقيقة الصراع، التقت وكالتنا بعدد من الخبراء والمحللين المتخصصين في الشؤون الأفريقية.

ضعف الوسطاء

وقال الكاتب والمحلل السياسي الأثيوبي، أنور إبراهيم أن البلاد عادت مرة أخرى للحرب بعد هدنة لوقف إطلاق النار من الجانبين استمرت لخمسة أشهر.

وأوضح لوكالتنا "الأمر بدء بتصاعد الحرب الكلامية والإعلامية، حيث قامت جبهة تحرير تيجراي بإصدار بيان، اتهمت فيه الحكومة بشن حملات عسكرية على مدن في جنوب الإقليم صباح الأربعاء الماضي، وتطور الموقف لتقوم الحكومة باتهام الجبهة بشن هجوم على الجيش الأثيوبي وتبادل للاتهامات بين الطرفين، إلى أن تطور الموقف بشن الطيران الأثيوبي قصفاً على مدينة مغلي في إقليم تيجراي أدى إلى مقتل عدد من المواطنين، بينهم أطفال ونساء".

وأشار الخبير الأثيوبي إلى أن الحكومة في بيانها تقول إنها استهدفت مواقع عسكرية والجبهة في قنواتها تنشر فيديوهات تؤكد أن القوات الجوية الأثيوبية قصفت رياض أطفال ومؤسسات مدنية، لافتاً إلى استمرار وتواصل البيانات والحملات الإعلامية بين الطرفين.

وأرجع إبراهيم عودة الصراع مرة أخرى إلى فشل الجهود الدولية لإجبار الطرفين للجلوس إلى الحوار وعدم جدية العديد من الوسطاء.

أثيوبيا في خطر

من جانبها، شرحت الدكتورة فريدة البنداري، الخبيرة في الشؤون الأفريقية الأوضاع في أثيوبيا بقولها إنه في نوفمبر 2020 شهد إقليم تيجراي الأثيوبي نزاعاً دموياً مع الحكومة المركزية في أديس إبابا. وما تزال أزمة الإقليم مستمرة في وقت يشهد العالم كله تداعيات كوفيد ١٩ وتداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية.

وأضافت فريدة التي تشغل منصب نائب مدير المركز العراقي- الأفريقي للدراسات الاستراتيجية لوكالتنا، أن المعارك العسكرية تجددت بين الجيش الأثيوبي وجبهة تيجراي بعد هدنة دامت أكثر من أربعة أشهر، وسط حالة من إلقاء الجانبين باللوم على بعضهما البعض، واتسع نطاق المعركة ليشمل هذه المرة إقليم عفر والأمهرة.

وأشارت إلى أن اتساع نطاق المعركة هو سبب تجددها، حيث تقول بعض المصادر إن جبهة تيجراي قد توغلت بالفعل في بعض مناطق إقليم أمهرة وبعض المناطق الجبلية واتهمت الحكومة الجبهة بخرق وقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية المعلنة بينهم منذ آذار الماضي، وقالت إنها ستتخذ إجراءات ضد أهداف عسكرية في تيجراي.

في المقابل، قالت جبهة تيجراي إن الحكومة المركزية هي التي بدأت بشن غارات على منطقة سكنية، مما أوقع قتلى وجرحى مدنيين، بينهم أطفال روضة استهدفها الجيش الإثيوبي.

وبحسب الخبيرة في الشؤون الأفريقية، فإن رئيس الوزراء الأثيوبي، آبي أحمد، يبحث عن مبرر لحملته المستمرة ضد إقليم تيجراي المتمرد عليه.

وتساءلت الدكتورة حول قدرة تماسك ووجود الدولة الأثيوبية في شكلها الحالي مؤكدة أن غياب رؤية موحدة لكيفية إعادة بناء الدولة الأثيوبية يعني أن مستقبل أثيوبيا في خطر.

 واعتبرت أن التحدي أمام الدولة الأثيوبية يكمن في ضعف الحكومة المركزية بزعامة أبي أحمد التي لم تستطع حتى الآن السيطرة وضم جميع القوى المنقسمة في البلاد، حيث لا يزال هناك إضافة إلى تيجراي حركات تمرد أخرى، محذرة من أنه مع ازدياد التوترات العرقية والإقليمية، وانتشار خطاب الكراهية بين الجميع سوف تتجه الدولة إلى حرب أهلية لا محال.

سقوط النظام

من جانبه، يرى الباحث المصري في الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أن عودة الصراع إلى أثيوبيا كان متوقعاً، لافتاً إلى أن افتراض نهاية الصراع بين جبهة تحرير تيجراي والمتحالفة مع قوميات وجبهات أخرى ضد الحكومة المركزية ونظام حكم آبي أحمد غير منطقي.

وقال إن بقاء أبي أحمد في الحكم جاء عبر انتخابات ذات شرعية منقوصة، ولم تحظَ أبداً بثقة أطراف دولية وإقليمية ولم تكن تمثل صوت ورأي الشعب الأثيوبي لأنه على الأقل تم حجب المشاركة فيها عن كل من يحتمل معارضته للنظام أو التصويت ضده ومنهم والأبرز إقليم تيجراي الذي كان وما زال يعاني أوضاعاً إنسانية صعبة.

وأوضح لوكالتنا أن انسحاب مقاتلي التيجراي من حدود العاصمة الأثيوبية نهاية العام الماضي بعد أن كانوا أحكموا الصراع من ثلاثة جهات على أديس أبابا وبعد أن كان سقوط النظام أو على الأقل آبي أحمد أمراً وشيكاً، حدث آنذاك تحول استراتيجي بتدخل أطراف داعمة للنظام وشخص آبي أحمد واستطاعت هذه الأطراف مساعدته بدعم كان سبباً في حسم الصراع ميدانياً.

وأشار الباحث إلى أن الأمر سياسياً لم ولن يحسم بدعم الآخرين، ولم تشفع له محاولات التفاوض السياسي أو طرح ما يسمى حوار سياسي ومجتمعي، وسط تراجع اقتصادي رهيب، بسبب، أولاً؛ سوء إدارة النظام الحالي في أثيوبيا، ثانياً بسبب الصراعات الإقليمية التي وضع دولته فيها مع كل الجيران بدون أسباب منطقية غير استعداء الشعب الأثيوبي تجاه دول وشعوب أخرى بأهداف المكايدة السياسية وأهداف محاولة السيطرة على الداخل الأثيوبي، ثم السبب الثالث للانهيار الاقتصادي في أثيوبيا بسبب تبعات أزمة كورونا والحرب في أوروبا.

وأكد أن أسباب استمرار الصراع في أثيوبيا وعودته آجلاً أو عاجلاً، وبشكل ربما يكون أكثر حدة هو استمرار حكومة آبي أحمد في نهجها المتشدد بممارسة الإقصاء السياسي والمجتمعي والاقتصادي ضد قوميات متعددة أبرزها التيجراي، خاصة أن هذا يحدث بالتزامن مع وضع اقتصادي كان سيئاً والآن أسوأ وأوضاع إنسانية أليمة، وسط تراجع الأمن الغذائي وأمن الطاقة.

وأضاف "لا نغفل مشروع سد النهضة الذي تجاوز حتى الآن ثلاثة أضعاف المدى الزمني المعلن عنه لتوليد الكهرباء وهو لم يحدث حتى الآن، بل أن النظام الأثيوبي ما زال يغامر بمصالح الأثيوبيين ويتعمد إثارة نزاع يأمل أن يصل به إلى حرب مائية مع دولتي المصب مصر والسودان لأنه يطمع في استثمار ذلك داخلياً أكثر لمزيداً من السيطرة على الأمور داخل أثيوبيا.

ولفت الباحث إلى أن الأمر في أثيوبيا متعلق فقط بالوقت، معتبراً أن استمرار النظام الحاكم بهذه الصورة وبهذه الأوضاع لن يطول، لأن دائرة الصراع والانشقاق في المجتمع الأثيوبي تتسع أكثر وأكثر.

(ي ح)

ANHA