​​​​​​​زيارة ماكرون إلى الجزائر.. دلالات الزيارة والتوقيت

أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، زيارة رسمية إلى الجزائر في 25 آب الجاري، استمرت يومين، في وقت تعاني فيه أوروبا من أزمة نقص الغاز الروسي نتيجة التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، فما هي أهمية هذه الزيارة؟ وماذا سينتج عنها؟

​​​​​​​زيارة ماكرون إلى الجزائر.. دلالات الزيارة والتوقيت
الأحد 28 آب, 2022   04:01
محسن المصري

وتحدثت تقارير إعلامية عن رغبة باريس في الاستفادة من الغاز الجزائري لمواجهة أزمة الشتاء المقبل التي سيخلفها نقص الغاز الروسي، إذ تعد الجزائر أول مصدّر للغاز في أفريقيا وتمد أوروبا بنحو 11% من احتياجاتها.

وخلال مؤتمر صحفي عقده الرئيس الفرنسي الجمعة، أشاد ماكرون بمساهمة الجزائر في "تنويع" مصادر إمدادات الغاز لأوروبا من خلال زيادة صادراتها إلى إيطاليا.

ونفى ماكرون أن تكون فرنسا قد جاءت لتتسول الغاز من الجزائر، كما جاء في بعض التعليقات الإعلامية، لأن فرنسا تعتمد بنسبة قليلة على الغاز في احتياجاتها من الطاقة أي حوالي 20 بالمائة ويمثل الغاز الجزائري منه 8 إلى 9 بالمائة.

وحول أسباب زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر ودلالة توقيت الزيارة والأهداف الفرنسية الحقيقية منها، التقت وكالتنا بعدد من الخبراء والمحللين.

ملفات عديدة منها التقارب الجزائري - التركي

الباحث المصري في الشؤون المغاربية، كامل عبد الله، تحدث حول ذلك، قائلاً: "منذ وصول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى قصر المرداية في الجزائر العاصمة والعلاقات الفرنسية الجزائرية تمر بمرحلة اختناقات بسبب الملفات العالقة بين البلدين وفي مقدمتها ملفات الذاكرة الوطنية وتنازع الرؤى حول علاقات البلدين في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والبحر المتوسط".

وأوضح لوكالتنا "يحمّل الجزائريون فرنسا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في مالي وتوتر الوضع الأمني خاصة في شمال البلاد وتقارب الجزائر وروسيا التي عززت نفوذها في باماكو على حساب فرنسا بعد الانقلاب العسكري عام 2018 وفي ليبيا يعارض الجزائريون النهج الفرنسي الداعم لقائد الجيش الوطني خليفة حفتر الذي لا تفضله الجزائر وكذلك التقارب التركي - الجزائري خاصة في ليبيا ومنطقة الساحل والبحر المتوسط وهو ما تعتبره فرنسا يخصم من رصيدها الاستراتيجي في تلك المناطق".

ملف الطاقة

وأشار إلى أن "الرئيس الفرنسي يهدف من خلال زيارته إلى الجزائر العاصمة لإعادة بناء العلاقات مع الجزائر من جديد خاصة في ظل الاضطراب الدولي جراء الحرب الروسية في أوكرانيا وتفاقم أزمة الطاقة الأوروبية محاولاً الانضمام إلى منافسيه التقليديين في روما الذين عقدوا اتفاقات استراتيجية مع الجزائر في مجالات الطاقة والتعاون الاقتصادي، بالإضافة إلى استكشاف موقف الجزائر بشأن التطورات في ليبيا ومنطقة الساحل والمتوسط وهي مناطق تشهد تطورات كبيرة ومتسارعة تشير إلى عملية تغيير وترتيب جديدة للقوى الفاعلة فيها".

وحول استطاعة الجزائر توفير احتياجات فرنسا من الغاز كبديل عن روسيا، أكد الباحث المصري أنه بإمكان ليبيا والجزائر القيام بذلك في حالة تقديم القوى الأوروبية الدعم الكافي لتطوير قطاعي النفط والغاز في البلدين لزيادة قدرتهما الإنتاجية للإيفاء بالطلب الأوروبي، لافتاً إلى أن الإمكانات متاحة لكن القدرة الإنتاجية تحول دون ذلك لأنها تتطلب عمليات تطوير واسعة وشاملة في كل من ليبيا والجزائر رغم أن نتائجها ستكون أفضل وأسرع وأقرب لأوروبا وأقل تكلفة.

ويرى الباحث أن "الموقف الأوروبي الآن يبدو في اتجاه التباعد أكثر من التقارب، والمنافسة بين القوى الأوروبية الرئيسية وهي ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة آخذة في التصاعد منذ أن أطلق بوتين حملته العسكرية للسيطرة على أوكرانيا في أواخر فبراير الماضي".

وأشار إلى أن حالة التنافس الأوروبي قد تعرقل أي خطط لتطوير قطاعات الطاقة في أفريقيا والشرق الأوسط بسبب عودة المنافسة القوية بين القوى الغربية الرئيسة من جديد ونحن الآن نرى أن كل من فرنسا وألمانيا يسيران في اتجاه وبريطانيا والولايات المتحدة في اتجاه آخر مضاد فضلاً عن تباين وتعارض مواقف هذه الدول بشأن القضايا الدولية الاستراتيجية مثل الطاقة والمناخ والهجرة مع تراجع قضية الإرهاب حالياً في سلم الأولويات الدولية.

ملف الذاكرة

بدوره، مدير تحرير مجلة السياسة الدولية والمدير الأكاديمي لمركز "رع" للدراسات الاستراتيجية، الدكتور أبو الفضل الإسناوى، يرى أن زيارة ماكرون للجزائر في هذا التوقيت تهدف إلى إعادة بعث الشراكة الثنائية بين البلدين، وتعميق العلاقات الثنائية، والتحول نحو المستقبل وطي صفحة الخلافات، بما يعود بالفائدة على الشعبين.

واعتبر خلال حديث لوكالتنا، أن الزيارة فرصة للرئيس الفرنسي لتعزيز التعاون الفرنسي - الجزائري في مواجهة القضايا الإقليمية، ولتهدئة التوتر في ملف الذاكرة، بعد فترة توتر العلاقات.

وأضاف الإسناوى، أن "تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية ستفرض نفسها على الزيارة وعليه، ستكون الملفات الاقتصادية والقضايا الإقليمية وملف الذاكرة في صلب المحادثات بين الجانبين".

وأشار الإسناوى إلى أن "هناك عقبات وتحديات تحد من نجاح الزيارة أهمها، هو وجود أكبر حاخام يهودي ضمن الوفد الفرنسي المرافق لماكرون، والذي يتكون من 90 شخصية فرنسية. وهي خطوة رأى فيها مراقبون رغبة الجانب الفرنسي في جس نبض الجزائر تجاه القضية الفلسطينية، أو على الأقل دفعها إلى تعديل موقفها من هذه القضية في ضوء التحولات التي يشهدها الإقليم في هذا الجانب". 

وبحسب الإسناوى، إن موقف الرئيس الفرنسي من قضية الصحراء الغربية، وانحيازه للتحالف العسكري المغربي – الإسرائيلي، سينعكس سلبياً على نتائج الزيارة وربما يؤدى إلى عدمية النتائج، إذا لم تعلن فرنسا عن موقف جديد تجاه قضية الصحراء.

الصلح مع المغرب

من جانبها ترى الكاتبة الجزائرية، نسرين جعفر، أن زيارة ماكرون تأتي تلبية لدعوة الرئيس الجزائري وتهدف بالدرجة الأولي لطي صفحة الخلافات بين البلدين التي تصاعدت خلال الفترة الأخيرة ووصلت لحد استدعاء السفير الجزائري من باريس.

وأوضحت في حديث لوكالتنا، إن الزيارة ستكون بالدرجة الأولي لمناقشة المسائل الخلافية وأهمها ملف الذاكرة التي توليه الجزائر أهمية كبرى.

كما تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه فرنسا تراجع نفوذها في مالي ومنطقة الساحل بشكل عام لهذا تريد تحسين علاقاتها مع المنطقة معتبرة إن ذلك يبدو صعباً في الفترة الحالية.

وبحسب الكاتبة الجزائرية، فإن هناك ملف الطاقة من أهم الموضوعات المطروحة للحوار بين الرئيسين حيث خلفت الحرب بأوكرانيا أزمة طاقة عالمية تضررت منها أوروبا وفي القلب منها فرنسا بشكل عام حيث تبحث القارة العجوز عن مصادر بديلة للغاز الروسي ويمكن أن يكون ماكرون متكلم باسم أوروبا بشكل عام أو الدول الأكثر تضرراً من أزمة الطاقة وستكون هناك مناقشة واسعة حول هذا الملف.

وأوضحت إن الجزائر دولة قوية ولديها احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي وأثبتت أنها شريك موثوق حتى في ذروة الخلافات مع إسبانيا لم تخل باتفاقاتها معها والتزمت باستكمال توريد الطاقة، وبالتالي يمكن أن تساهم الجزائر في الحد من الأزمة التي تعيشها أوروبا بسبب نقص الغاز الروسي.

وحول إمكانية أن يقوم ماكرون بوساطة بين الجزائر والمغرب، أكدت الكاتبة الجزائرية أن الوساطات لا يمكن أن تحل أزمة قطع العلاقات بين المغرب والجزائر مشيرة إلى أن الجزائر قطعت علاقاتها لعدة أسباب أعلنتها وزارة الخارجية في بيان رسمي أهمها وجود أعمال عدائية من الرباط ضد الجزائر مشيرة إلى أن عودة العلاقات لن تكون إلا بتوقف ونهاية هذه الأعمال، معتبرة أنه في حال رغبة ماكرون التدخل والوساطة فجهوده لا يمكن أن تلقى القبول المطلوب أو تحظى بنجاح.

(ي ح)

ANHA