​​​​​​​لبنان.. منتحر كل 60 ساعة! الأسباب والحلول

بلغ وجع اللبنانيين ذروته نتيجة تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وباتت البلاد على شفير كارثة نفسية تتفاقم فيها حالات الانتحار، تجسدت آثار ذلك بنوع آخر من المأساة، مع تسجيل حالات الانتحار ارتفاعاً ملحوظاً، وهو ما أكدته نتائج دراسة جديدة أجرتها الدولية للمعلومات.

​​​​​​​لبنان.. منتحر كل 60 ساعة! الأسباب والحلول
السبت 27 آب, 2022   03:44
بيروت – زياد أبو غزالة

يشكل الانتحار أحد الحالات التي تعبّر عن مشاكل وأزمات المجتمع والأفراد، التي قد تدفع ببعضهم إلى الإقدام على الانتحار هرباً وتخلصاً من واقع صعب (اجتماعي- اقتصادي- عاطفي- نفسي) لا يستطيعون تحمله. 

ويشهد اللبنانيون منذ أسابيع ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الانتحار المسجلة على مختلف الأراضي اللبنانية، مقارنة بتراجع كان قد سُجل في الفترة الممتدة من مطلع 2019 وحتى نيسان/ أبريل 2021، الأمر الذي دفع خبراء إلى التأكيد على أهمية تحرك الجهات والمؤسسات المختصة لتدارك هذه الإشكالية.

وأشارت الدولية للمعلومات (شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلّة في بيروت) إلى تزايد حالات الانتحار في لبنان بشكل لافت. وإذا كانت الضغوط الاقتصادية ليست بجديدة على الواقع اللبناني، حيث إن اللبناني تعايش مع الفقر منذ أربعين عاماً على الأقل، فما الجديد الذي دفع ببعض اللبنانيين إلى محاولة إنهاء حياتهم؟

وبحسب أرقام "الدولية للمعلومات"، فإن النسب تُظهر أن هناك ارتفاعاً بمعدل 7.8 في المائة في حالات الانتحار في لبنان، خلال أول 7 أشهر من العام الجاري، وذلك مع تسجيل 83 حالة انتحار، وهي نسبة "مقلقة" وليست بقليلة مقارنة مع عدد السكان، وبالتالي فإن حالات الانتحار في لبنان بلغت 128 حالة خلال العام 2021 بأكمله، وهي ستتخطى هذا الرقم بكثير إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه.

يأتي ذلك فيما احتل لبنان المرتبة الثانية عالمياً في قائمة الدول التعيسة، بعد أفغانستان التي حلّت في المرتبة الأولى، بحسب إحصاء أجرته شبكة CNBC.

أسباب الانتحار

عن أثر الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية، ومدى اعتبارها سبباً كافياً لتبرير الإقدام على الانتحار، تقول دكتورة علم النفس، ريما بجاني: إن "من يجد أبناءه أو أحد أفراد أسرته عاجزاً عن تأمين أبسط مقومات الحياة من المأكل والملبس والدواء، وتأمين الحياة شبه الكريمة، ربما كانت مبرراً لدى البعض، رغم أنني لا أجزم أن يكون ذلك مبرراً كافياً، ولكن صاحب العلاقة أدرى بواقع عائلته".

وتؤكد دكتورة ريما بجاني لوكالتنا أن "حالات الانتحار التي تأتي على شكل موجات، إن صح التعبير، هي مرتبطة بالوضع النفسي إلى حد كبير، فقد وصل اللبناني إلى درجة اليأس الكلي من كل مقومات الحياة، والخوف من الأعظم. بالإضافة إلى غياب بوادر الحل ومصادر الأمل المستقبلية".

أما العوامل التي تسهل قرار الانتحار، وهو من أخطر القرارات التي يمكن أن يتخذها الإنسان، فتلفت الدكتورة ريما بجاني بداية إلى أن قرار الانتحار، من الناحية النفسية، لا ينطوي على جبن، بل هو قرار قاسٍ وقوي جداً، ويتطلب شجاعة، إن لم يكن مرتبطاً بأزمة نفسية تصل إلى حد الاكتئاب. وعلى ما يبدو مؤخراً، فإن الاكتئاب بات جماعياً في لبنان. ولكن ربما كان هناك أشخاص قادرون على تنفيس هذا الاحتقان النفسي، في مقابل أشخاص عاجزين عن ذلك، وبالتالي ينتقلون إلى "الحل الأسهل" بالنسبة لهم.

ما الحل؟

وعن إمكانية حل هذه الظاهرة، تؤكد دكتورة علم النفس، "أنّنا في لبنان لسنا مهيئين للتعامل مع الأزمات، وبالتالي فإن الإنسان الذي قد يصل إلى الانتحار هو مَن يعتبر أن الأمور مقفلة أمامه ولم يعد هناك أي حلّ"، مشددةً على "وجوب العمل على تحسين أسلوب التفكير وإيجاد الحلول دوماً لأي مشكلة قد تعترضه، سواء كانت الحلول قريبة أو بعيدة المدى".

وتابعت: "بالإضافة الى هذا الأمر، فإننا في لبنان نتوارث الأزمات والأمراض النفسية"، مشيرةً إلى أن الطبقة السياسية هي التي تتحمّل كامل مسؤولية الوضع المتردي الذي وقعنا فيه، خصوصاً أن الشعب لم يعد لديه أي ثقة أن بإمكان هذه الطبقة من إيجاد حلول جذرية، ولو بعيدة الأمل للخروج من النفق الذي نحن فيه".

وأضافت أن "محاولة إيجاد الحلول هو هدف لدى الجميع، ولكن ما نشهده ليس مشجعاً على هذا الصعيد، فلا وجود لأشخاص قادرين على إعطاء مبرر للناس للاستمرار في حياتهم، أو حتى وعداً بحياة كريمة. وإذا وجد فلا يمكن أكثر من التزلم عنده أو التزلف له للوصول إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. بل يمكن أن يمارس بعض الناس أدواراً لم يحلموا يوماً بممارستها، وتكفل لهم العيش الكريم بالحد الأدنى".

وختمت بالقول: "للحد من هذه الظاهرة، يجب أن نبتدع حلولاً تكفل للإنسان المحافظة على كرامته، وتشعره بأنه إنسان، وأن هناك من يهتم به ولا يدير له ظهره ويكلمه فقط في مواسم الانتخابات. وإلا فهذه الظاهرة لن تضعف، بل على العكس، فإن المؤشرات تقول إنها ستقوى بمرور الزمن".

التسويق للانتحار

وفي ظل النتائج المأساوية للانهيار الاقتصادي، والتي يتناقل اللبنانيون تفاصيلها ومستجداتها بشكل يومي وبنظرة سوداوية وتشاؤمية، يلفت علماء النفس في لبنان النظر إلى أمر مهم يجب أخذه بعين الاعتبار على مواقع التواصل الافتراضي وفي الإعلام، ألا وهو تناول الانتحار كقضية بحد ذاته، وتحويله إلى قصة وربطها بالمعاناة والإيحاء، وكأن الانتحار أسلوب تعبير أو عمل بطولي أو تسجيل اعتراض بوجه الوضع أو الدولة، واستخدام واستثمار وصايا الضحايا أو منشوراتهم وتأويلها ووضعها في سياقات درامية، كل ذلك يشجع الغير على خيار الانتحار، لا سيما عندما نربط الانتحار بالوضع العام الذي يعاني منه الجميع، حين نقدمه كسبب للانتحار نقول للجميع لديكم الأسباب نفسها، وبالتالي هذا الأمر يشجع على تعميم الفكرة الخاطئة، وتطبيعها في أذهان الأشخاص الذين لديهم استعداد مسبق للقيام بالمقاربة السوداوية نفسها".

ويضيف العلماء "إن كان لا بد من تناول هذه الأحداث، فالأفضل تناولها في إطار التوعية وتوجيه الناس إلى سبل المساعدة والتحدث عما يشعرون به ومشاركة معاناتهم والحصول على الدعم اللازم. وعند تناول المشهد العام المحبط في البلاد، الأفضل معه تأمين حلول وبدائل للناس، كإرشادهم إلى الجمعيات التي تقدم الدعم النفسي والمادي والحاجات الرئيسة وغيرها من النوافذ التي قد تحمل أي واحدة منها أملاً لشخص يفكر بالانتحار بدلاً من تركه عالقاً في النظرة التشاؤمية للأمور".

(ي ح)

ANHA