منبج... من أكثر المراحل خطراً وحتى اليوم

مرّت المدينة منذ عصور ما قبل الميلاد وحتّى الآن بأصعب المراحل؛ مثل غزو الملك شالمانصر الثالث، غزو المغول، الاحتلال العثماني، سلطة نظام البعث، احتلال داعش، إلى أنّ وصلت أخيراً إلى الإدارة الذاتية. ويسعى أحفاد العثمانيين اليوم إلى زجّ المدينة المقاوِمة في مرحلةٍ جديدةٍ من الخطر ولكن مثلما سطر التاريخ هزيمتهم سيسطّر هذا الآن أيضاً.

منبج... من أكثر المراحل خطراً وحتى اليوم
الأحد 14 آب, 2022   20:35
مركز الأخبار- جيهان بيلكين/ أكرم بركات

لم تكن منبج مدينةً معروفةً عالمياً لهذه الدرجة قبل الهجمات التي شنّتها داعش عليها. لكنّ هذه مدينة أشهر آلهةٍ سورية، آلهة البركة وحامية الفرات آتراغاتيس. وعلى الرغم من سعيهم للقضاء على ثقافة الآلهة في المدينة عبر المحو والهجوم والاحتلال لكنّ هذه الروح ظهرت بعد حملة التحرير بالزغاريد وحرق العباءات السوداء. لقد مرّت هذه المدينة بأخطر المراحل. لكن المهم أنّها قاومت جميع المهيمنيين والكوارث الطبيعية.

"التاريخ مخفيٌّ في يومنا هذا، ونحن أيضاً مخفيون في بداية التاريخ" بهذه الكلمات قيّم القائد عبدالله أوجلان أهمية التاريخ والحاضر. لفهم المخططات والهجمات التي شنّت على منبج والتي تعدّ إلى الآن علينا أن نلقي نظرةً على تاريخ هذه المدينة.

الاستراتيجية الجغرافية

لاشكّ أنّ لهذه المدينة أهميةً من جميع النواحي. لاسيما أنّها مدينةً استراتيجيةً على الصعيد السياسي، الجغرافي والعسكري. منبج هي إحدى المدن الاقتصادية في سوريا. تربط مدينة منبج الواقعة على طريق M4 بين مدن عفرين، الشهباء، حلب، الرقة، كوباني، الطبقة، جرابلس والباب. وهي تقع على بعد 25 كم غرب نهر الفرات، 75 كم من مدينة حلب، 40 كم جنوب جرابلس، 65 كم شرق كوباني، 45 كم غرب الباب و40 كم عن الحدود التركية. وهي قريبةٌ من نهر الساجور شمالاً، وقريبةٌ من نهر أبو قلقل جنوباً وكلا هذين النهرين يصبّان في نهر الفرات. تبلغ مساحة منبج مع القرى المحيطة بها حوالي ألف و295 كم مربع. وكانت سابقاً تابعة إداريّاً لمحافظة حلب ومركزها مدينة منبج. هناك 554 قريةً تابعةً للمدينة التي تضمّ نواحي خبصة، مسكنة، أبو قلقل وأبو كهف.

يعتمد سكّان منبج وقراها بشكلٍ رئيسي على العمل في الزراعة، مثل زراعة الخضار والأشجار. كما يعمل بعضهم في المؤسسات والتجارة. هناك معبرين تجاريين تربطان بين منبج وجرابلس أحدهما باسم أم جلود (هيمران) والآخر باسم عون الدادات. وتتحكّم الدولة التركية ومرتزقتها بفتح هذين المعبرين وإغلاقهما.

متى بُنيت؟

كان يطلق على منبج سابقاً اسم عاصمة الفرات السورية. وهي إحدى أقدم المدن في الشرق الأوسط والعالم، إذ يُتوقّع أنّها بُنيت في القرن الـ 12 قبل الميلاد من قبل مؤمني الآلهة آتارغاتيس. وبحسب بعض الوثائق، فإنّ تاريخ المدينة يعود إلى خمسة آلاف عام. وقد حكمت هذه المدينة العريقة قوى عديدة مثل الرومان، الساسانيين، المماليك، المقدونيين، العباسيين، الفاطميين، الأيوبيين، المغول والعثمانيين والفرنسيين. وقد غيّرت كل قوة حكمتها اسم المدينة وفقاً لها. والأسماء التي أطلقت عليها هي؛ هيرابوليس (المدينة المقدّسة)، أبروقيش أو أبروقليس (مدينة الكهنة)، مدينة ليتا آشور، أديسة، العواصم، مدينة منبه، سرياس، مابوغ، نامبيجي، نابيجو، مابوغ، بامبيكة وآخر هذه الأسماء منبج (التي تعني باللغة السريانية النبع الجاري". وكانت منبج في القرن الثالث عاصمة مقاطعة الفرات وإحدى أكبر المدن في سوريا. وقد وصفها المؤرخ بروكوبيوس بـ "أعظم مدينة في هذا الجزء من العالم".

بماذا تُعرف؟

نتيجة خصائص المدينة العالمية عُرفت مدينة منبج بمدينة الثقافة في سوريا. وعلى هذا الأساس افتتحت فيها أول سينما في عام 1952. وأُنشئ فيها عام 1961 أول مركز ثقافي باسم "المركز الثقافي العربي في منبج". كما تعرف هذه المدينة بمدينة الشعراء والكتّاب أيضاً. ومن أشهر شعرائها، الشاعر العبّاسي المعروف "البحتري"، أبو فراس الحمداني، دوقلة المنبجي، عمر أبو ريشة وهو أحد أشهر شعراء العصر الحديث. كما أنّ الأديب، المفكّر والشاعر الإسلامي الكبير محمد بن منلا غزيّل هو أيضاً من مدينة منبج. تتميّز هذه المدينة بطابعٍ عشائري إذ يعيش فيها حوالي ثلاثون عشيرة عربية وكردية مع أفرعها. كما تم تأسيس أول دار سينما في منبج عام 1952.

ومن علماء العصور الوسطى المعروفين الذين يعود أصلهم إلى مدينة منبج؛ المحدّث محمد بن سلام المنبجي، المحدّث ضحاك بن حجوة المنبجي، المحدّث حاجب بن سليمان، المحدّث عمر بن سعيد بن سنان، الفقيه أبو علي حسن بن سلامة، المؤرّخ آغابيوس، محمد بن محمد الحنبلي.

منبج قبل الميلاد وبعدها

كانت منبج نتيجةً لأهميتها هدفاً للعديد من القوى والإمبراطوريات على مرّ التاريخ. وقد تعرّضت للتدمير كليّاً أو جزئيّاً عدة مراتٍ عبر التاريخ. كانت منبج في البداية مدينةً تابعة للملكة الآرامية. لكنّها تعرّضت لغزو الآشوريين عام 856 ق. م على يد شالمانصر الثالث. انتفض سكّان منبج على الآشوريين نتيجة ضغطهم الشديد عليهم وأخرجوهم من منبج. لكنّهم أعادوا السيطرة عليها عام 738 ق.م. وبعد سقوط الحكم الآشوري في مزوبوتاميا حكمت الإمبراطورية الأخمينية منبج. واستمر الحكم الأخميني لمنبج حتّى غزو الإسكندر الأكبر للشرق الأوسط. حيث وقعت منبج بيده. بعد هذا خضعت منبج للغزو الروماني. وأصبحت منبج خلال الحكم الروماني عاصمةً لإيالة الفرات. استمرت الهيمنة الرومانية حتّى عصور ما بعد الميلاد. وخضعت منبج لغزو الإمبراطورية الساسانية عام 400 بعد الميلاد. وإلى ذلك الوقت كانت لا تزال ثقافة الآلهة آتارغاتيس سائدة في منبج.      

الانقطاع عن ثقافة الآلهة آتارغاتيس جرى في العصر الإسلامي

في القرن الثامن قام العباسيون بخلافة هارون الرشيد ببناء مدينة منبج من جديد، وأصبحت منبج نقطةً التقاءٍ للإمبراطورية العربية، البيزنطية، والقبائل التركمانية التي جاءت من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط. في عام 1022 استولى المرداسيون الشيعة على منبج. وأعلنوا بهذا تأسيس الإمارة المرداسية في شمال سوريا. وقد كان المرداسيون مجموعة من القبائل العربية الشيعية. وقد أعاد البيزنطيون غزو منبج عام 1068. حيث ارتكبوا فيها مجرزةً كبيرة ونفّذت عملية تهجيرٍ كبيرة منها باتجاه المناطق المختلفة. خلال القرنين الحادي والثاني عشر حاول الصليبيون احتلالها لكنهّم فشلوا. في العام 1152 بعد الميلاد استولت الأسرة الزنكية على مدينة منبج. واستمروا في سوريا، العراق (1127-1174) وفي الموصل. وأصبحت عاصمتهم دمشق من عام 1154 وحتّى 1262 بعد أن كانت سابقاً حلب. وبعد هزيمة الزنكيين أمام الأيوبيين وقعت منبج هذه المرّة بيد الآيوبيين عام 1175. وقد شنّ المغول عام 1260 هجوماً كبيراً على الشرق الأوسط. مما أدّى إلى دمار مدينة منبج بجميع ثقافاتها ومكوناتها في هذا الهجوم.  

كان هذا حال منبج بعد الميلاد أيضاً وليس فقط قبل الميلاد. فقد تعرّضت هذه المدينة للغزو والاحتلال والهجوم على الدوام. وقد فُرض عليهم الحكم في العهدين العثماني والبعثي أيضاً، إذ حاولوا تغيير ديمغرافية المنطقة.

في العهد العثماني

وقعت منبج تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية عام 1516 واستمر وجودها كمدينة صغيرةٍ حلب. بعد الهجمات المغولية، تعود الوثائق الأولى المتعلّقة بمنبج إلى عام 1699. في عام 1879 وبعد الحرب بين روسيا والأتراك أصبحت منبج مستعمرةً تابعة لروسيا تحت حكم الشركس. وقد جاء أغلب الشركس إلى منبج من مدينة ودين البلغارية.

وفي المراحل أخرى، جاءت إليها مجموعات أخرى مثل الأرمن الذين هجّروا إليها من قبل الإمبراطورية العثمانية أيام ارتكابها للإبادة الجماعية بحقّهم. تم إرسال 350 عائلة شركسية إلى منبج عام 1879 بهدف القيام بعملية تغيير ديمغرافي. هذا عدا الوجود التركماني في منبج.  

كما قامت الدولة العثمانية عام 1904؛ ببناء حماماتٍ عامة في مدينة منبج كُتب عليها "السلطان يرحّب بكم" بغية إضفاء طابعٍ عثمانيٍ على المدينة. بعد الحرب العالمية الأولى 1914-1918 أعلنت الدولة العثمانية النفير العام وسلّحت كل من قادر على حمل السلاح واقتادتهم إلى جبهات القتال. وكانت منبج من هذه المدن التي سلّح أبناؤها وأُقتيدوا للحرب.  

ومن أهم نتائج الحرب العالمية الأولى؛ انهيار الإمبراطورية العثمانية، تقسييم الدول العربية بحسب اتفاقية سايكس –بيكو، إذ خضعت سوريا ولبنان والموصل للنفوذ الفرنسي، والأردن وفلسطين للنفوذ البريطاني. وبقي حال منبج كما هو.

تحاول الدولة العثمانية إعادة ما فعلته في منبج مرّةً أخرى، وهي تسعى الآن لاحتلالها من جديد لتحقيق أحلامها في العثمانية الجديدة. ما فعله العثمانيون في منبج يتكرّر الآن في المناطق الخاضعة للاحتلال التركي ومرتزقته. إذ أصبح كل شيءٍ هناك باللغة التركية فهي تقوم بإجراء عملية تغيير ديغرافيٍ في القرن الحادي والعشرين وأمام أنظار العالم أجمع.

سياسات حكومة دمشق في منبج

مع انتهاء الانتداب الفرنسي في سوريا عام 1946، شهدت منبج لفترة حالةً من الديمقراطية. فقد بدأ الأهالي يناقشون الديمقراطية وينضمّون للأحزاب المختلفة. لكن هذه الوضع لم يستمر سوى بضع سنوات، حيث تولّى حزب البعث السلطة في سوريا وقام بتغيير الوضع السياسي في جميع أنحاء المنطقة. فقد انتهج البعث سياسة أحادية وسياسة الحزب الواحد لطمس هويات الشعوب الأخرى في سوريا.  

بعد تولّي نظام البعث السلطة في سوريا، تم إهمال مدينة منبج ورغم أنّها مدينةٌ استراتيجية إلّا أنّهم لم يحدثوا فيها أي تطور. وبدأت الخطوة الأولى التي اتّخذها نظام البعث لتفكيك النسيج الاجتماعي السوري عام 1974. حينها تم تهجير آلاف العائلات من منبج إلى مناطق الجزيرة. وجرى ذلك وفق سياسية مشروع محمد طلب هلال، وذلك بذريعة أنّ القرى الواقعة جنوب منبج ستصبح مغمورةً بمياه سد الفرات. وتم توطين السكّان المهجرين في 43 مستوطنة على طول الشريط الحدودي الممتد من مدينة سري كانيه المحتلّة إلى قرية عين ديوار التابعة لمدينة ديرك، وأُطلق عليهم اسم "المخموريين". وقد كان الهدف من هذه الخطوة تدمير النسيج الاجتماعي، وبناء المستوطنات بين القرى الكردية وبدء حرب بين الكرد والعرب. 

مرحلة الخوف وحكم البعث

في عام 1982 حاصرت دبابات النظام مدينة منبج وبعض قراها بسبب مشاركتهم في الحركة التي قامت ضد حكومة البعث. وعرفت تلك المرحلة بمرحلة الخوف، فقد نشر النظام الخوف في كل مكان.

وقامت حكومة البعث عام 1999 بعملية تهجير ثانية حيث قام فيها بتهجير سكان قرى منبج الواقعة مقابل نهر الفرات إلى مسكنه. وكانت الذريعة أنّ أراضيهم وقراهم ستصبح مغمورة بمياه سد تشرين. هناك العديد من العشائر العربية والكردية في منبج. فالشعب الكردي في منبج من أقدم الشعوب وأكثرها أصالةً هناك. وأقدم العشائر الكردية في منبج هي، عائلة بتران وعائلة مصطفى معمو. وفيها أيضاً أكثر من 30 عشيرةٍ عربية مع أفرعها. وفي مطلع العام 2000 حاول نظام البعث تقسيم العشائر وذلك عبر خلق الصراعات وزرع الخلافات بينهم.  

قبل الحرب الأهلية السورية، كان التعداد السكاني لمنبج يبلغ، 90 ألف نسمة. وقبل الحزام العربي كانت نسبة الشركس هناك أكبر. ولكن نتيجةً لسياسات المحو والتغيير الديمغرافي حوّلوا منبج أيضاً لمدينة عربية كحال كل المدن الكردية. وقبل اندلاع الحرب عام 2011 كان 68 بالمئة من سكّان هذه المدينة عرباً و25 بالمئة منهم كرداً و5 بالمئة تركماناً و2 بالمئة شركساً.  

أخرجوا الثورة عن مسارها ووقعت المدينة تحت عباءة الظلام

في عام 2011 انتفضت شعوب الشرق الأوسط بوجه الحكومات وثاروا وأطاحوا بالعديد من الطغاة. وامتدّت الشرارة التي اشتعلت في تونس إلى كلّ من الجزائر، مصر، ليبيا، اليمن والبحرين. وقد وصلت هذه الشرارة إلى سوريا في 15 آذار 2011. لم تعد الشعوب السورية تطيق نظام البعث، لذا ثار وطالب بالحرية. ولكن خلال فترةٍ قصيرة قامت مجموعات المرتزقة بإخراج الثورة الشعبية عن مسارها. وحوّلوا الثورة التي تقدّمت بمطالب ديمقراطية إلى حربٍ أهلية. وسيطرت مجموعات المعارضة التي استسلمت فيما بعد للدولة التركية على منبج في 20 تموز عام 2012 وأخرجت نظام البعث منها باسم كتائب الجيش الحر. بعد ذلك في الواحد والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2014 هاجم مرتزقة داعش منبج واحتلّوها. وهكذا وقعت مدينة الآلهة في يد أعداء المرأة والوحوش.

انطلاق حملة التحرير

بقيت منبج تحت قبضة المرتزقة لأكثر من عامين ونص. واُرتكب في مدينة آتارغاتيس هذه جميع أنواع الجرائم من قتلٍ، تعذيبٍ، ظلم، اغتصاب، ضرب، اختطاف، بيع، ذبح ورجم. فناشد الأهالي الواقعون في قبضة وحوش هذا العصر مجلس منبج العسكري ودعوهم لنجدتهم. وبالطبع لم يكن ليتجاهل أبناء الثورة هذه المناشدة. لذا أطلقت قوات سوريا الديمقراطية ومجلس منبج العسكري عملية التحرير. وفي الأساس بدأ الاستعداد لتحرير مدينة منبج بعد انتصار كوباني، لكنّ هذا كان يجري بشكلٍ سرّي. وفي الأول من حزيران، أعلن مجلس منبج العسكري في تشرين عن حملة تحرير منبج وقراها عبر بيانٍ أصدره آنذاك. وبعد البيان انطلقت الحملة بمشاركة 12 ألف مقاتل.

توحّدت القوات

في الثاني من نيسان عام 2016 تم اتّخاذ أول خطوةٍ ملموسة، إذ تم في البداية تحرير قرية مصطفى حمدان (محشية الشيخ عبيد). وأدلت كتائب شمس الشمال، ثوّار منبج، تحالف كتائب الفرات، لواء جند الحرمين، كتائب شهداء الفرات، لواء القوصي، كتيبة تركمان منبج ببيانٍ مشترك على فوق سد تشرين ووحّدوا قواتهم تحت اسم مجلس منبج العسكري.

أُصيب قائد كتائب شمس الشمال؛ أبو ليلى على جبهة تشرين في الثالث من حزيران. فقد أسفر انفجار قذيفة هاون عن إصابته بجروحٍ خطيرة في الرأس، وعلى إثر هذه الإصابات استشهد أبو ليلى في الخامس من حزيران. ومع استشهاد أبو ليلى تغيّر اسم العملية إلى "حملة الشهيد القائد أبو ليلى". وانعقد اجتماعٌ بمشاركة 43 ممثلاً عن العشائر وشخصيات من منطقة منبج لجميع المقاتلين من أجل تحقيق أحلام أوب ليلى والانتقام له. وأسفر هذا الاجتماع الذي استمر لثلاث ساعات عن تأسيس "مجلس منبج المدني".

لماذا منبج مهمةٌ بالنسبة للمرتزقة؟

بذل المرتزقة كل ما في وسعهم لمنع تحرير المدينة. واستخدموا الأهالي كدرعٍ بشري وفخّخوا كل مكان. لأنّ منبج كانت ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمرتزقة. فـ 95 بالمئة من المرتزقة الذي كانوا يقاتلون كانوا من الأجانب والعقول القتالية لداعش. بعد تحرير كري سبي استمرت جميع العلاقات بين داعش والدولة التركية عبر منبج. فاحتياجات داعش كانت تأتي من جرابلس إلى من منبج وتُرسل منها إلى حلب، الرقة وحتّى الموصل. وتمركز غالبية المرتزقة الأجانب القادمين عبر تركيا في منبج، كما كانت منبج المتنفس لداعش وطريق الوصول إلى تركيا وأوروبا. لذا لعبت دور المقرّ العسكري لداعش في شمال حلب والتي أطلق عليها المرتزقة اسم "جنة المهاجرين".

ومثلما كانت منبج ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمرتزقة، فهي أيضاً ذات أهميةٍ كبيرة بالنسبة لثورة 19 تموز والمنطقة بأسرها. ومع تحرير المدينة كان سيفتح الطريق الواصل بين مقاطعتي كوباني وعفرين ويتم بهذا كسر الحصار المفروض على عفرين.

انتعشت الحياة بعد 73 يوماً

جاءت البشارة التي انتظرها الجميع بعد مقاومة المقاتلين لـ 73 يوماً في عملية تحرير منبج. بجهود خالدي الثورة تم تطهير المدينة من المرتزقة بالكامل في الساعة 17:05 من يوم 12 آب عام 2016. وتأخّر إعلان بشارة التحرير للرأي العام يومين بسبب إزالة المتفجّرات وأُعلن للعالم عن تحرير منبج وتحقيق انتصارٍ آخر للشهداء عبر بيانٍ تم إصداره في الخامس عشر من آب عام 2016. وقد كانت الصور الأولى التي ألتقطها الصحفيون، صور النساء وهنّ يحرقن العباءات السوداء ويزغردن وعودتهن لأرتداء الملابس الملونة.

حصيلة التحرير

أسفرت العملية عن تحرير حوالي 300 قرية وبلدة. ومقتل 4 آلاف و180 مرتزق، وإلقاء القبض على 112 مرتزق آخر. وجاء في بيان القيادة أنّ 264 مقاتلاً كردياً وعربياً وأممياً قد استشهدوا في العملية برمّتها، بينهم القيادي البارز أبو ليلى، المقاتل الإيزيدي هور حسين علو (بروسك كاركر)، المقاتلين الأممين إيلَم آتاش (جمري هفال)، ديان كارل إيفانس (غيفارا روج آفا)، مارتن جرودن (رودي جكدار) والعديد من المقاتلين الآجانب الآخرين. ومنذ بداية العملية وحتّى نهايتها تم تحرير أكثر من 170 مدنيّاً.

وانسحبت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة من منبج في الـ 23 من آب عام 2016 بعد تعزيز المواقع الدفاعية. وبدأ مجلس منبج المدني وأهلها معاً ببناء حياةٍ جديدةٍ.

قاموا أولاً بتنظيم أنفسهم وتأسيس المؤسسات

مع بشارة التحرير، بدأ أهالي المدينة بتنظيم أنفسهم وإصلاح الدمار الذي خلّفه داعش. وقام أهالي منبج أولاً بتأسيس المجلس المدني العام، مجالس الشعب في القرى والأحياء، كومين، أكاديميات التدريب، منظمات الشبيبة، بيت المرأة، البلديات، المؤسسات الخدمية والمحكمة الشعبية.

بعد التحرير؛ أصبحت هذه المدينة أيضاً ملجأً للعديد من النازحين. يبلغ التعداد السكاني للمدينة مع النازحين المتواجدين فيها حالياً حوالي مليون و150 ألف شخص. كما تحتضن المدينة أعداد كبيرة من النازحين الذين لجأوا إليها من المناطق التي تحتلها الدولة التركية ومرتزقتها والمناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق. يوجد في المدينة مخيّمَين، أحدهما باسم مخيم الشرقي الجديد والآخر باسم مخيم الشرقي القديم في قرية رسم الأخضر التابعة لمدينة منبج. وقد تأسس هذان المخيمان عام 2017. ويحتوي مخيم الشرقي الجديد 649 خيمةً تأوي 649 عائلة و3796 نازحاً سورياً. فيما يحتوي مخيم الشرقي القديم، 430 خيمة تأوي 430 عائلة و2179 نازحاً سوريّا. وهناك 150 عائلة و7500 نازح سوري يعيشون في المخيمات المختلفة خارج هذين المخيمين الرئيسيين.

حصيلة الهجمات منذ التحرير وحتّى الآن

لم تتوقّف تهديدات وهجمات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على منبج منذ 15 آب وحتّى الآن. خاصةً بعد أن عقدت دولة الاحتلال التركي اتفاقيّةً مع داعش في الـ 24 من آب عام 2016 واحتلّت على إثرها جرابلس، الباب وإعزاز وهاجمت من المناطق المحتلة. وأُسست في المناطق المحتلة عدداً من القواعد العسكرية ومئات النقاط للمرتزقة. فقد أسسوا في جرابلس المحتلة فقط 13 قاعدة عسكرية وعشرات النقاط للمرتزقة.

يعدّ نهر الساجور بمثابة حدود طبيعية تفصل بين مجلس منبج العسكري ومرتزقة ما تسمّى "درع الفرات. وتتمركز القوات الروسية وقوات حكومة دمشق في بعض القرى الواقعة على خطوط الجبهة لكنّ لم يصدر عنهما أي رد على الهجمات حتّى الأن.

شنّت دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها من القواعد العسكرية التركية 1423 هجوماً منذ التحرير وحتّى الآن. إذ تم قصفها بـ 5673 قذيفة. واُستهدفت فيها 181 قرية. فيما أسفرت هذه الهجمات عن استشهاد 35 شخصاً وإصابة 58 شخصاً آخر، إضافةً إلى تدمير 18 منزلاً.

ذلك الشعب لم يعد كما كان في السابق

رغم أنّ هذه الجرائم ماثلة أمام أنظار العالم، تهدّد دولة الاحتلال التركي بشكلٍ علني وواضح وبدون أي خوف، من جديد باحتلال منبج. بين عام 2014 ومنتصف عام 2016، تمركز مرتزقة داعش بأعدادٍ كبيرة على الحدود بين منبج وتركيا وكانت منبج بأسرها تحت سيطرة داعش. في ذلك الوقت لم يتّخذ الأتراك أي موقف تجاه منبج. لم يكن أولئك المرتزقة يشكّلون خطراً على الدولة التركية لكن سكان منبج الأصليين هؤلاء يشكّلون خطراً عليها! هذا في حدّ ذاته مدعاةٌ للسخرية، فأولئك المرتزقة الذين شكّلوا خطراً كبيراً على العالم لم يشكّلوا خطراً على الدولة التركية، بينما الإدارة الذاتية الآن تشكّل خطراً عليها. يثق الشعب أنّهم مثلما دحروا داعش في منبج سيدحرون أي هجوم تركي محتمل أيضاً. وفي هذا السياق بدأ الشعب الذي واجه ظلم مرتزقة داعش فجأة وبدون تنظيم بتعزيز قوّتهم بشكلٍ عاجل مع جميع القوات.   

ANHA