47 سنة من الأزمات في لبنان.. بين حرب أهلية وحرب اقتصادية

يعيش لبنان أزمات اقتصادية وسياسية منذ عقود، لكن اليوم يعيش مرحلة جديدة، في أزمة مالية واقتصادية، تعتبر أكبر تهديد لاستقرار البلاد منذ الحرب الأهلية، التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990.

47 سنة من الأزمات في لبنان.. بين حرب أهلية وحرب اقتصادية
الأحد 14 آب, 2022   03:23
بيروت – زياد أبو غزالة

اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975، واستمرت نحو 15 عاماً، وأسفرت عن مقتل ما يقدر بـ120 ألف شخص، وتشريد مئات الآلاف، ووقع اتفاق الطائف عام 1989 ليضع نهاية لتلك الحرب التي مزقت البلاد.

وانتهت الحرب اللبنانية الأهلية، وشكل إلياس الهراوي حكومة لبنانية جديدة. وفي العام 1991 أصدر البرلمان اللبناني قانون العفو عن كل الجرائم التي حدثت خلال الحرب الأهلية منذ 1975. وفي العام نفسه حُلت جميع الميليشيات باستثناء "حزب الله" وبدأت عملية بناء الجيش اللبناني.

هذه الحرب وهذا التاريخ كان مفصلياً للبلد وشعبه، إذ انقلبت الموازين، وكانت أول ضربة للاقتصاد اللبناني الذي كان أول المتأثرين من تلك الحرب.

أبعاد اقتصادية للحرب الأهلية

ساعدت طبيعة الاقتصاد اللبناني كثيراً على الجمود السياسي، الذي عاشه لبنان لفترة طويلة، من دون تطور أو تغيير في البنية الاقتصادية، إذ استند هذا الاقتصاد، إلى الخدمات التي مثلت نحو 70 في المئة من الدخل القومي، وهي من أعلى النسب في العالم. وجوهر هذا القطاع هو العمل المصرفي، ولعل أكثر ما ميز السوق المالية في لبنان، أن ثلثي نشاطها، كان في أيدي المصارف، الأجنبية والمختلطة، كما أن الثلث الباقي، افتقد التنوع، إذ لم توجد مصارف متخصصة، باستثناء مصرف التسليف الزراعي والصناعي.

وأكدت الإحصائيات، أن خطر المصارف الأجنبية في لبنان، ينبع من أنها تسحب قسماً مهماً من القروض، التي كان يمكن الاقتصاد اللبناني أن يستفيد منها، وذلك باستثمارها في الخارج. فهي تنقل إلى المصارف ما يزيد على نصف الأموال، التي كان يمكن أن توظف في لبنان والشرق الأوسط. وبلغت هذه الأموال 3980 مليون ليرة، عام 1974، أي ما يراوح بين 50 و60 في المئة من الناتج المحلي.

2005.. اغتيال الحريري

لم يهدأ لبنان رغم انتهاء الحرب الأهلية، وشهد أزمات اقتصادية، وأخرى سياسية بين الطوائف المتصارعة. ففي 14 شباط/ فبراير عام 2005، قتل رفيق الحريري إثر انفجار شاحنة محملة بنحو 2.5 طن من المتفجرات في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، أثناء مرور موكبه، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً، ليشعل اغتياله، فتيل الأزمات بين الطوائف المتصارعة مرة أخرى.

واندلعت تظاهرات حاشدة ألقت بمسؤولية الاغتيال على حكومة دمشق، ودعت التظاهرات لسحب دمشق قواتها من البلاد التي نشرتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأبقتها بعد نهايتها في العام 1990. 

ونظم "الشيعة" من حلفاء دمشق في لبنان، بمن فيهم جماعة "حزب الله" المدعومة من إيران، مسيرات كبيرة لدعم حكومة دمشق، لكن الضغط الدولي أجبر قوات دمشق على الانسحاب. واغتيل ثلاثة معارضين لدمشق هم سمير قيصر وجبران تويني وجورج حاوي.

تداعيات الاغتيال

رغم أن أولويات اللبنانيين تغيرت، وباتوا اليوم منشغلين بأوضاعهم الاقتصادية أكثر من أي وقت آخر، إلا أنهم ما زالوا يتذكرون تفاصيل ذلك اليوم الحزين الذي غيّر مسار هذا البلد الصغير إلى بؤرة انقسام حاد.

كانت الصدمة كبيرة، إزاء العملية التي قتلت رفيق الحريري. رجل ارتبط اسمه بشكل وثيق بلبنان وبمرحلة إعادة الإعمار ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990) وبشبكة علاقات دولية نسجها ووظفها لصالح بلده.

شكّل اغتيال الحريري ضربة كبيرة للبلد الصغير الذي تنخره الانقسامات الطائفية والسياسية، وغالباً ما ترتبط قواه السياسية بدول خارجية. والذي انقسم بعد ذلك لسنوات طويلة بين "قوى 14 آذار" المناهضة لـ"حزب الله" و"قوى 8 آذار" المؤيدة له.

لعب الحريري نتيجة دبلوماسيته دوراً في صياغة اتفاق الطائف عام 1990، الذي أنهى 16 عاما من الحرب الأهلية اللبنانية، ليصبح عام 1992 أول رئيس لحكومة لبنانية بعد الحرب، إلا أن هذا الاتفاق بني على التقاسم المذهبي والطائفي وتوزيع مؤسسات البلاد وثرواته كحصص على أطراف الطبقة السياسية التي تحكم لبنان

واستطاع الحريري خلال رئاسة الحكومة الثانية، في العام 2000، حث مجلس الأمن الدولي على إصدار القرار 1559، الذي دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان.

أما على المستوى الاقتصادي، فساهمت سياسته في تحقيق انتعاش اقتصادي بإقراره السندات الأوروبية التي حافظت على قيمة العملة اللبنانية، كما مكنته من اقتراض الأموال اللازمة لإعادة الإعمار.

وأسس الحريري مناخاً استثمارياً جاذباً للاستثمار الأجنبي، فعمل على بناء هيكل ضريبي مبسط، وقدم العديد من الإعفاءات الضريبية، إضافة إلى القروض منخفضة الفائدة التي كان يقترضها لبنان.

خص الحريري الصناعة اللبنانية كجزءٍ من سياسته الاقتصادية، وكنتيجة لذلك فاز لبنان بالعديد من العقود لصالح قطاعات كبيرة كالطاقة والاتصالات والسياحة.

انتهت حكومة الحريري الثانية في 20 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2004، بعد أن استقال من منصب رئاسة الحكومة، وخلفه عمر كرامي.

بعد الاغتيال.. حرب إسرائيلية

بعد اغتيال الحريري بعام، وتحديداً في تموز/ يوليو 2006، خطف "حزب الله" جنديين إسرائيليين من داخل إسرائيل، وقتل آخرين، ما أدى لنشوب حرب استمرت خمسة أسابيع، وقُتل فيها ما لا يقل عن 1200 شخص في لبنان و158 إسرائيليا، وتصاعد التوتر إزاء ترسانة "حزب الله" القوية بعد الحرب.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، انسحب "حزب الله" وحلفاؤه من الحكومة التي كان يقودها رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة، ثم نظم احتجاجات مناوئة للحكومة.

وواصل "حزب الله" وحلفاؤه في 2007 اعتصاماً ضد حكومة السنيورة استمر لنحو عام كامل، وكانت مطالبهم المعلنة هي الحصول على الحق في نقض قرارات الحكومة.

بين 2008 و2019

قُتل ضابط المخابرات في قوى الأمن الداخلي، وسام عيد، الذي كان يحقق في اغتيال الحريري في انفجار سيارة مفخخة في كانون الثاني/ يناير العام 2008. وفي أيار/ مايو من العام نفسه، حظرت الحكومة شبكة اتصالات "حزب الله". الذي وصف تحرك الحكومة بأنه إعلان حرب، وسيطر على غرب بيروت الذي تقطنه أغلبية مسلمة في تحرك انتقامي. وبعد وساطة، وقع الزعماء المتناحرون اتفاقاً في قطر لإنهاء 18 شهراً من الصراع السياسي.

عام 2012 انتشر مقاتلو "حزب الله" في سوريا، لمساعدة حكومة دمشق. وفي تشرين الأول/ أكتوبر، أدى انفجار سيارة مفخخة إلى مقتل المسؤول الأمني الكبير، وسام الحسن، الذي اعتقل جهازه الأمني ميشال سماحة، وهو وزير سابق متحالف مع حكومة دمشق ومتهم بنقل قنابل تم تجميعها في سوريا لشن هجمات في لبنان. وبعدها بعام قُتل محمد شطح، الوزير السابق ومستشار الحريري، في انفجار قنبلة.

واجهت السعودية، الغاضبة من دور "حزب الله" المتنامي في لبنان، اتهامات باحتجاز سعد الحريري في الرياض وإجباره على الاستقالة. وكان الحريري قد أصبح رئيساً للوزراء مرة أخرى في العام 2016 في صفقة أصبح فيها ميشال عون؛ حليفُ "حزب الله"، رئيساً للبنان.

وفي العام 2018 فاز حزب الله وحلفاؤه بالأغلبية في أول انتخابات برلمانية بلبنان منذ العام 2009.

17 أكتوبر.. الحراك الشعبي

وصولاً إلى 2019 التي شهدت ركوداً اقتصادياً غير مسبوق مع تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال، حيث واجهت الحكومة ضغوطاً للحد من العجز الهائل في الميزانية، وواجهت مقترحات لتقليص أجور العاملين في الدولة ومشروع قانون بشأن معاشات التقاعد معارضة شديدة. وتعهدت الحكومة بتنفيذ إصلاحات طال انتظارها لكنها لم تحرز تقدماً يسمح بوصول الدعم الأجنبي.

في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، أدى تحرك الحكومة لفرض رسوم على الاتصالات عبر الإنترنت، لتخرج احتجاجات كبيرة ضد النخبة الحاكمة، وشارك اللبنانيون من مختلف الطوائف في الاحتجاجات متهمين الزعماء بالفساد وسوء إدارة الاقتصاد.

وفي 29 من الشهر ذاته، قدم سعد الحريري استقالته رغم عدم رغبة "حزب الله" بذلك. أصبح لبنان دون قيادة فيما تفاقمت الأزمة. ودفع شح العملة الصعبة البنوك لفرض قيود صارمة على سحب الأموال والتحويلات إلى الخارج.

بداية 2020 لم تكن على اللبنانيين كذلك، وبعد وصول محادثات استمرت شهرين لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة بقيادة الحريري إلى طريق مسدود، دعم "حزب الله" وحلفاؤه حسان دياب، وهو وزير سابق للتعليم، لتولي منصب رئيس الوزراء. أعلن دياب في السابع من آذار/ مارس أن لبنان غير قادر على دفع سندات مستحقة ودعا إلى مفاوضات لإعادة هيكلة ديونه.

وفي الرابع من آب/ أغسطس، انفجرت كمية كبيرة من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، ما أسفر عن مقتل 215 شخصاً وإصابة ستة آلاف وتدمير مساحات شاسعة من بيروت.

واستقالت حكومة دياب وتم تكليف الحريري بتشكيل حكومة جديدة، لكن الخلاف استمر حول الحقائب الوزارية.

تفاقمت حالة الفقر بالبلاد. وتخلى الحريري عن جهوده لتشكيل حكومة وتبادل مع الرئيس ميشال عون الاتهامات بالمسؤولية عن الفشل. وفي آب/ أغسطس، أعلن البنك المركزي أنه لم يعد بإمكانه تمويل دعم واردات الوقود، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وتسبب في أعمال عنف متفرقة في محطات الوقود.

وفي أيلول/ سبتمبر، بعد أكثر من عام من الخلافات حول الحقائب الوزارية، تم الاتفاق أخيراً على حكومة جديدة بقيادة نجيب ميقاتي. وسرعان ما حادت الحكومة عن مسارها بسبب التوتر بشأن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت. وطالب "حزب الله" وحليفته "حركة أمل" بإقالة قاضي التحقيق طارق بيطار بعد أن وجه اتهامات إلى بعض حلفائهما.

ودعت الأحزاب الشيعية إلى الاحتجاج على القاضي. وقتل ستة من مؤيديهم بالرصاص عندما اندلعت أعمال عنف، وألقى "حزب الله" بالمسؤولية على حزب القوات اللبنانية الذي نفى بدوره التهمة.

وتوقف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت بسبب تدفق الشكاوى القانونية ضد القاضي من قبل مسؤولين اتهمهم بالضلوع في الكارثة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر، استدعت دول الخليج سفراءها وحظرت السعودية جميع الواردات اللبنانية احتجاجاً على تصريحات الوزير جورج قرداحي، المتحالف مع "حزب الله" إثر انتقاده المملكة بسبب الحرب في اليمن.

في كانون الثاني/ يناير 2022، انخفضت الليرة اللبنانية إلى 34 ألفاً مقابل الدولار لتفقد أكثر من 90 في المئة من قيمتها منذ العام 2019. ووجه البنك الدولي انتقادات حادة للنخبة الحاكمة لدورها في واحدة من أسوأ الانكماشات في الاقتصادات الوطنية في العالم بسبب سيطرتها على الموارد.

وأعلن الحريري أنه لن يخوض الانتخابات البرلمانية. وخسر "حزب الله" وحلفاؤه أغلبيتهم البرلمانية في الانتخابات في أيار/ مايو. لكن الأحزاب المهيمنة منذ فترة طويلة ما زالت تحتفظ بقبضتها، حيث أعادت تعيين نبيه بري رئيساً لمجلس النواب، وعينت ميقاتي لتشكيل حكومة جديدة.

الخلاصة:

أسهم نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية في لبنان كما في العراق أيضاً في تكريس حالة عدم الاستقرار والفوضى، وتحولت مؤسسات البلاد وثرواته كأدوات تستخدمها الطبقات الحاكمة في الصراع فيما بينها عوضاً عن تكريسها لخدمة الشعوب.

فشلت كل المساعي الدولية والمحلية في حل مشكلات هذه البلدان في ظل وجود نظام المحاصصة، فيما أثبتت التجارب ومنها شمال وشرق سوريا بأن الحل يكمن في تطبيق نظام ديمقراطي يعتمد على أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية.

(ي ح)

ANHA