غزة وإسرائيل.. المعادلة المستحيلة

أرادت إسرائيل، عبر فرض الحصار على غزة، منع الفصائل الفلسطينية من امتلاك أسلحة تهدد المدن الإسرائيلية، وتحديداً دول المركز داخل إسرائيل كـ "تل أبيب"، وعلى المقلب الآخر، كان أحد أهم الأهداف التي سعت إليها الفصائل الفلسطينية هو امتلاك أسلحة وصواريخ تهدد كل إسرائيل بما يُمَكِنُها من صنع معادلات جديدة. 

غزة وإسرائيل.. المعادلة المستحيلة
الأحد 7 آب, 2022   02:45
غزة - عمر موسى 

بدءاً من عام 2007 دخل قطاع غزة مرحلة مختلفة، بعد سيطرة حركة حماس على القطاع. بدأت الحركة إلى جانب الفصائل الفلسطينية وأبرزها حركة الجهاد الإسلامي، العمل على إنشاء بنية تحتية عسكرية منظمة، تُمكنها من المحافظة على وجودها والإضرار بأمن إسرائيل قدر الإمكان. فكيف تمكّن قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته الـ 365 كيلو متراً مربعاً من إرباك الجيش الإسرائيلي ومنظومة إسرائيل الأمنية؟ 

بدء الحصار.. كم سعرة حرارية يحتاج الفلسطيني في غزة كيلا يموت؟ 

في عام 2007 فرضت إسرائيل حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على قطاع غزة بعد أن صنفته كـ "كيان معادٍ" إثر سيطرة حركة حماس على حكم القطاع. كانت سياسة الحصار شديدة بغية منع الفصائل الفلسطينية وتحديداً حركة حماس من الحصول على أسلحة تهدد أمن إسرائيل. 

بدءاً من عام 2007 وصولاً إلى عام 2010، وصلت آثار الحصار في قطاع غزة إلى حدّ أن فرغت محال القطاع من المواد الغذائية بشكل كامل، وفرغت محطات الوقود، الأمر الذي دفع الكثير من السكان لاستبدال الوقود بزيت القلي في سياراتهم. 

وخلال هذه المرحلة وتحديداً بين عام (2008 - 2009) شنت إسرائيل حرباً غير مسبوقة على القطاع، خلفت دماراً هائلاً. كانت الخطة الإسرائيلية في الحصار، تجري وفق حسابات دقيقة. كُشف لاحقاً أن مكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، قد أجرى حساباً لعدد السعرات الحرارية التي يحتاجها الفلسطيني في غزة كي لا يموت. 

بناء على ما ورد في الوثيقة التي سُميت بـ "الخطوط الحمراء" فقد وجدت إسرائيل أن الفرد في غزة يحتاج إلى 2279 سعرة حرارية في اليوم، وهي موجودة في 1836 غراماً من المواد الغذائية، وبناء على ذلك، كان يسمح بدخول 170 شاحنة أسبوعياً إلى القطاع، ثم خفضتها لاحقاً إلى 101 شاحنة أسبوعياً، قائلة إن الفرق بين الكميتين يعوضه المنتجات الغذائية المصنعة محلياً في غزة. 

الأنفاق مع مصر.. شريان الحياة

شيئاً فشيئاً، بدأت تظهر الأنفاق بين مدينة رفح جنوب قطاع غزة مع مصر، وتحولت إلى شريان حياة جديد لغزة على كل المستويات: بدءاً من الحاجات المعيشية والمواد الخام، وصولاً إلى تهريب الفصائل الفلسطينية صواريخ وأسلحة عبرها. 

تاريخياً، كانت مدينة رفح بشقيها المصري والفلسطيني، مدينة واحدة، إلى أن عُقد اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل عام 1978، وما تلاه من انسحاب إسرائيلي من جزيرة سيناء عام 1982. قسم ذلك، مدينة رفح إلى قسمين: فلسطينية، ومصرية، بجذور عائلية وعشائرية مشتركة، وفي سبيل مواجهة التقسيم ظهرت الأنفاق بين المدينتين كمحاولة لاستمرار الوصل الاجتماعي بين العائلات واستمرار التجارة وغير ذلك. 

لكنها تحولت إثر تشديد الحصار الإسرائيلي على المعابر، إلى شريان نجاة لأهالي غزة، بعد أن اتجهت غزة إلى الجهة المصرية أمام المنع الإسرائيلي وتشديد المعابر. بات يُهرب عبر الأنفاق بدءاً من عام 2008 وصولاً إلى عام 2013 كل ما يحتاجه قطاع غزة من مقومات لمواجهة المنع والحصار الإسرائيلي بدءاً من البضاعة وصولاً إلى الأسلحة. 

عام التحول

قبل عام 2007، لم يكن للفصائل الفلسطينية الشكل التنظيمي الموجود حالياً، إذ كانت تعتمد على مجموعات منفردة، سواء في العمليات العسكرية أو في نشاطاتها. مع ذلك، كانت تحاول الفصائل منذ عام 2001 في صناعة القذائف الصاروخية بأدوات ومواد بدائية جداً. 

وحتى عام 2008، حين شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة على غزة، دمرت خلالها معظم المقار الحكومية بعد سيطرة حركة حماس على القطاع، وهاجمت مواقع تابعة لحركة حماس والفصائل الفلسطينية في مختلف مناطق القطاع، لم تكن الفصائل الفلسطينية تمتلك قدرة إدخال المستوطنات المحاذية لقطاع غزة في دائرة حقيقية من التهديد. كانت معظم المقذوفات الصاروخية، المعدودة والتي يجري تصنيعها ببدائية شديدة، ذات أثر معنوي أكثر من الأثر المادي. خلال هذه العملية، كان أداء الفصائل الفلسطينية العسكري ضعيفاً.

خرجت الفصائل الفلسطينية وتحديداً حركتا حماس والجهاد الإسلامي، من هذه العملية بخلاصة وحيدة: ضرورة إنشاء بنية عسكرية منظمة في قطاع غزة والعمل للحصول على أسلحة تهدد أهدافاً استراتيجية في إسرائيل ومدناً مهمة كورقة قوة، وإنشاء بنى تحتية وشبكة أنفاق بغية مجابهة سيطرة إسرائيل على السماء في قطاع غزة. وهي الخطة التي اعتمدت فيها على إيران بشكل رئيسي.

أتاحت سيطرة حركة حماس على القطاع مساحة غير مسبوقة للفصائل الفلسطينية في تطوير قدراتها العسكرية والتدريب، بعد أن كانت السلطة الفلسطينية تقيد هذه الأنشطة.  

في عام 2012، وخلال تصعيد عسكري واقع بعد اغتيال إسرائيل قائد عسكري في حركة حماس، استهدفت الأخيرة إلى جانب حركة "الجهاد الإسلامي" لأول مرة مدينة تل أبيب بصواريخ إيرانية معدودة، كان ذلك إعلاناً بتحول واقع المواجهة ونجاح الفصائل الفلسطينية بإدخال مدن المركز الإسرائيلية في دائرة التهديد بعد أن كانت في مأمن من نيران التصعيد في غزة. 

ما الذي حققته الفصائل الفلسطينية بامتلاك سلاح يهدد مراكز المدن الإسرائيلية؟ 

كان امتلاك الفصائل الفلسطينية القدرة على ضرب المدن المركزية في إسرائيل، أهم تحولٍ عاشته المعادلة التي حكمت إسرائيل وغزة، أُدخل على أثر ذلك أهم المدن الإسرائيلية، تل أبيب، التي تعد مركزاً تجارياً واقتصادياً محورياً في إسرائيل وتضم شركات تجارية واقتصادية مختلفة، باعتبارها العاصمة الإسرائيلية، ومقراً رئيساً لجميع المصارف الإسرائيلية، ويصنف اقتصادها على أنه أكبر ثاني اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، في دائرة التهديد المستمر.

كسرت الفصائل الفلسطينية، بتحقيقِ هذا التحول، معادلة الحرب الإسرائيلية التي كانت تستند إلى قاعدة أساسية: نقل المعركة إلى أرض الخصم/العدو. شكّل ذلك ضربة لشكل المعركة والحروب التي سعت إسرائيل إلى تثبيتها، وضربة حقيقية لجهود الحصار الذي أملت من خلفه منع الفصائل من امتلاك أسلحة تهدد عمقها. 

كانت تل أبيب رمزاً لمناعة الأمن القومي الإسرائيلي، لكنها صارت أكثر المدن تضرراً وثقلاً في أي تصعيد يمكن أن يندلع، إذ تتعطل الحياة الاقتصادية والتجارة والسياحة الداخلية، وبحسب تقارير إسرائيلية، فقد خُلقت حالة نزوح مؤقت من تل أبيب عند أي تصعيد. 

الأنفاق.. سبيل النجاة من سيطرة إسرائيل على السماء

إلى جانب القذائف الصاروخية، مثلت الأنفاق سلاحاً استراتيجياً للفصائل الفلسطينية، وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي. تعاظم اعتماد وتوسعة الأنفاق كبنى عسكرية تحتية، بدءاً من عام 2010، أمام سيطرة إسرائيل المطلقة على السماء. 

ظهرت لأول مرة نتائج هذا السلاح في حرب عام 2014، حين نفذت قوات من حركة حماس إنزالاً خلف الخطوط الإسرائيلية، وأسرت خلال هذه العمليات جنديين إسرائيليين، إلى جانب عمليات هجومية أخرى.  

في البداية، كانت الأنفاق سلاحاً هجومياً بالنسبة للفصائل، ثم تطور اعتمادها على الأنفاق لتصبح أماكن لتصنيع الأسلحة والصواريخ وغرف قيادة وسيطرة في أوقات التصعيد. حد ذلك من قدرة إسرائيل على تصفية كوادر الفصائل العسكرية، وإمكاناتها وأسلحتها.

الاحتيال على نقص المواد الأولية

كانت الصواريخ المستخدمة في أول استهداف من الفصائل الفلسطينية في غزة لمدينة تل أبيب عام 2012، إيرانية. تدرجت إمكانات الفصائل الفلسطينية وأهمها حركتا حماس والجهاد الإسلامي من القدرة على ضرب تل أبيب والمدن المركزية بعدد محدود من القذائف، إلى توجيه ضربات مكثفة. 

على سبيل المثال استهدفت حماس مدينة تل أبيب بـ 130 قذيفة صاروخية في الضربة الواحدة، خلال الحرب الأخيرة، فيما أعلنت حركة الجهاد الإسلامي أنها وجهت ضربات مكثفة نحو تل أبيب بالتزامن. كان ذلك تطوراً حقيقياً، وأدى دوراً مهماً في عملية تسريع الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار.

في السابق لم تكن الفصائل تمتلك هذه القدرات الصاروخية. ومع ذلك، عطّلت سياسة الحصار الإسرائيلي وملاحقة إسرائيل عمليات تهريب المواد الخام والمواد ثنائية الاستخدام (المدني/العسكري)، من قدرة الفصائل في بداية العقد الماضي من تطوير إمكاناتها. 

لكن في وقت سابق كشف تقرير إسرائيلي أن الإشراف الإيراني لا يتعلق فقط بمحاولة إيصال المواد الأولية والأسلحة، لكنه يسلك مساراً آخر لمساعدة الفصائل الفلسطينية في التغلب على نقص المواد الخام. بحسب التقرير، فإن المسؤولين الإيرانيين يسألون الفصائل عن المواد المتوفرة لديهم، ثم تبدأ رحلة صنع مواد ونماذج خاصة بهذه المواد المتوفرة.  

ساعد ذلك الفصائل الفلسطينية على تجاوز نقص الإمكانات والمواد، وتحقيق كثافة في إنتاج القذائف الصاروخية. على سبيل المثال، أطلقت الفصائل الفلسطينية في الحرب الأخيرة نحو 4400 قذيفة صاروخية على إسرائيل بمعدل 400 قذيفة في اليوم الواحد. فيما أطلقت خلال عام 2014 طوال 51 يوماً نحو 4594 قذيفة بمعدل 91 قذيفة صاروخية في اليوم، فيما أطلقتْ خلال حرب عام (2008-2009) ما يقارب أكثر من 900 وقذيفة على مدار 22 يوماً. تظهر الأرقام التحول الكبير في قدرات الفصائل.

هكذا، امتلكت الفصائل الفلسطينية في غزة، ورقة قوة في وجه إسرائيل، إذ صار التهديد بضرب تل أبيب ومدن مركزية إسرائيلية ومنشآت حساسة، ورقة قوة في يد الفصائل الفلسطينية. لم تتوقف عند ذلك، في نهاية الحرب الأخيرة هددت حركة حماس بضربة صاروخية تغطي كل إسرائيل. 

أدت هذه الإمكانات دوراً في تجنيب الفصائل الفلسطينية التصعيد في وقت لا تريده أو لا يخدمها. ودفع أيضاً بإسرائيل لأن تصبح أكثر مرونة مع وساطات وقف إطلاق النار خشية الخسائر المهولة التي يمكن أن يتكبدها الاقتصاد الإسرائيلي وإسرائيل عموماً من استمرار التهديد على المدن المركزية في إسرائيل. 

وجه الحصار الآخر.. ما فشلت به الفصائل

ما حققته الفصائل الفلسطينية من معادلات مع إسرائيل على الصعيد العسكري، فشلت في تحقيقه على المستوى الاجتماعي، إذ بعد نحو 16 عاماً من الحصار تضاعفت الأزمات المعيشية والإنسانية لسكان قطاع غزة. 

بحسب مكتب الأمم المتحدة، فإن 62 % من سكان قطاع غزة الذين يزيد عددهم عن 2.1 مليون نسمة، بحاجة إلى المساعدات الغذائية، فيما وصل معدل العاطلين عن العمل خلال الربع الأول من عام 2022 إلى 46.6 في المائة ووصل معدل البطالة بين الشباب إلى 62.5.

للكارثة الإنسانية في غزة، مُسبب رئيس، وهو الحصار الإسرائيلي، لكن حركة حماس باعتبارها من يدير القطاع، تتحمّل جزءاً مهماً من المسؤولية، إذ فشلت دون أن تحاول أصلاً في صناعة اقتصاد مقاوم للحصار، يوزع أعباء الحصار على الكل بالتساوي، واتجهت إلى الضرائب كمورد مالي لأنشطتها الحكومية، الأمر الذي أثقل الناس وعمق من أزماتهم، وخلق نقمة من طبيعة التوجهات في غزة.

(ي ح)

ANHA