​​​​​​​جيان تولهلدان.. رمز المرأة الحرة وصانعة الانتصارات

تعددت ألقابها وتعاريفها، من صانعة للانتصارات إلى مثال يحتذى به في القيادة، من مناصرة لحقوق المرأة إلى إحدى أعمدة ثورتها، ومن ثائرة قررت السير على درب أخيها الشهيد إلى شهيدة، جيان تولهلدان الشهيدة الحية التي لن تموت، بل ستبقى في ذاكرة شعوب شمال وشرق سوريا.

​​​​​​​جيان تولهلدان.. رمز المرأة الحرة وصانعة الانتصارات
الأحد 31 تموز, 2022   20:32
حلب - محمد عبدو

لطالما تفجرت الثورات لتخرج كردّ فعل على الاضطهاد وللمطالبة بالحقوق والحريات، إلا أن ثورة 19 تموز كانت ثورة مدمجة، بخلاف سابقاتها، تطالب بالعيش بكرامة وحرية وديمقراطية من جهة، وبتغيير المفاهيم الخاطئة تجاه المرأة من جهة أخرى، لتصبح ثورة 19 تموز ثورة داخل ثورة أسهمت في إنتاج إدارة ذاتية كنموذج ديمقراطي أبهر العالم.

وتغيير مفاهيم المجتمعات ليست بالمهمة السهلة، إلا أن المرأة الحرة عبر إثبات ذاتها في كافة المجالات استطاعت بريادة أعمدة ثورتها قطع أشواط متقدمة على طريق هذا الهدف، وبذلت التضحيات للحفاظ على المكتسبات كالشهيدة جيان تولهلدان التي تحولت إلى أيقونة ورمز تحتذي به النساء في شمال وشرق سوريا، فمن هي جيان..؟

سارت على درب شقيقها الشهيد

ولدت جيان تولهدان الاسم الحقيقي (سلوى يوسف) في قرية مامولو التابعة لناحية راجو في مقاطعة عفرين المحتلة، وذلك عام 1980، ضمن أسرة وطنية عرفت بنضالها الطويل على أساس أفكار القائد عبد الله أوجلان وحركة حرية كردستان منذ الثمانينات.

جيان هي الشهيدة الثانية في الأسرة بعد أخيها الشهيد علي الذي استشهد ضمن صفوف حركة حرية كردستان عام 2005 وهي أكبر شقيقاتها والرابعة في أسرتها المكونة من 5 أشقاء و4 شقيقات وأم وأب.

تسكن أسرة الشهيدة جيان، الآن، في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، بعدما هُجّرت من قريتها مامولو في مقاطعة عفرين المحتلة على يد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته عام 2018.

تعرفت الشهيدة جيان على أفكار حركة الحرية عن طريق والدها الذي كان يعمل ضمن صفوف الحركة كجبهوي في الثمانينات، والذي فتح المجال أمام أبنائه للانخراط في صفوف الحركة، فكان أول المنضمين هو شقيق الشهيدة جيان الشهيد علي، عام 1996.

لبت نداء الواجب المقدس

لتنضم الشهيدة جيان بعده بـ 3 أعوام إلى صفوف حركة حرية كردستان، أي عام 1999، وذلك بعد اختطاف القائد عبد الله أوجلان إثر المؤامرة الدولية التي حيكت خيوطها عام 1998، لترد بذلك القرار على القوى الفاشية بحتمية استمرار النضال وعدم ترك طريق الشهداء.

يقول في هذا الصدد، والد الشهيدة جيان، حسين يوسف، إن تحرير الوطن واجب مقدس، يجب بذل الغالي والنفيس في سبيله، "على الرغم من أن الحزن يخيم على عوائل الشهداء، إلا أن العزيمة لا تنهار بل تقوى بالاستناد إلى ضرورة الانتقام والثأر".

ويضيف "عندما اخترت فتح باب بيتي أمام حركة حرية كردستان، لانضمام أولادي ولكي أعمل فيها جبهوياً، كان الدافع الأول لي هو تغيير واقع الشعب الكردي، لقد عانينا من الاضطهاد والاستعباد، والنضال الذي نبذله منذ الثمانينات إلى الآن، هدفه منع تكرار هذا الاستعباد على أولادنا وجيل المستقبل، وجيان ابنتي شهيدة انضمت إلى قافلة شهداء كردستان لهذا الهدف السامي".

جيان .. مناصرة المرأة منذ الطفولة

قبل انضمام الشهيدة جيان إلى صفوف حركة حرية كردستان وكونها الفتاة الكبرى في البيت، حملت على عاتقها مسؤولية أخوتها وأخواتها في وقت مبكر، بسبب مرض أصاب والدتها آسيا ومنعها من الحركة.

لتصبح جيان الأم والأخت في آن واحد، بالنسبة للأسرة المكونة من 11 شخصاً، تعمل على تأمين متطلباته وتسيير أموره إلى جانب إتمام دراستها في المرحلة الابتدائية، فكانت تتحلى بالمسؤولية تجاه واجباتها.

بدورها، تقول أخت الشهيدة جيان، فاطمة يوسف، وهي مرتدية بدلة شقيقتها "كنا صغاراً، كانت دائماً تنصحنا بألا نحني رؤوسنا لأحد، وأن نكون صاحبات إرادة وقوة في وجه الصعاب، كانت تهتم بنا نحن الفتيات أكثر من أخوتنا الباقين، كي لا يتسلطوا علينا، كانت مناصرة للمرأة منذ طفولتها".

وتشير فاطمة خلال حديثها، إلى أنه مع انضمام أخيها علي إلى صفوف حركة حرية كردستان، بدأت جيان بجلب كتب ومرافعات القائد أوجلان وقراءتها في المنزل مع صديقتها نورشين، وأغلب مواضيع الكتب كانت عن دور النساء في ثورة الشعب الكردي المعلنة في الجبال، وهو ما انعكس على شخصية جيان في منع اضطهاد أخوتها في البيت تحت مسمى العادات والتقاليد.

معلمة للغة الكردية في صغرها

رغم صعوبة تأمين كتب ومراجع للغة الكردية في التسعينات، نتيجة عمليات الاعتقال التي كانت تتم من قبل السلطات البعثية، إلا أن الشهيدة جيان تمكنت في عمر الـ 16 عاماً، من الحصول على بعض الأوراق حول الأحرف الكردية وطريقة نطقها وبعض قواعد اللغة، لتعمل على جمع أطفال قريتها وتعليمهم وفق ما تملكه من أوراق بين يديها.

وتتابع فاطمة حديثها بهذا الخصوص "لم تكن عزيمتها تخف أو تضعف، على الرغم من أن مسؤوليتها كانت ضخمة بالنسبة لعمرها، من خدمة البيت وخدمة والدتي المريضة وأخواتي الصغار، كانت تخصص وقتاً أيضاً لأطفال القرية، لقد وجدت أن مسؤوليتها أكبر من الأسرة، لتنضم إلى الحركة وتقع على عاتقها مسؤولية شعب بأكمله".

يعلق والد الشهيد جيان على ذلك، مشيراً إلى أن ابنته كانت محبوبة من قبل أهالي القرية وأطفالها؛ لأنها كانت مثالاً يحتذى به في كل شيء "جيان كانت فتاة مثالية وقادرة على صنع المستحيل" في وصف والدها.

يومها الأخير بين الأسرة قبل الانضمام

تصف فاطمة الليلة التي سبقت انضمام أختها الشهيدة جيان، بأنها كانت أسعد أيام طفولتها، وتسرد "قبل انضمامها بيوم لم تخبرنا أنها ستنضم، لكنها منعتنا من النوم، وطلبت ألا ننام، سردت لنا القصص، وطلبت من أخوتنا الصغار تقديم الشاي لنا بدلاً من أن نقدمه نحن إليهم وفق المعتاد، وفي آخر المساء وضعتنا في فراشنا وذهبت".

وذكرت أسرتها، أن الشهيدة جيان كانت قد أقسمت في مراسم أحد شهداء حركة حرية كردستان، والذي حمل اسم جوان عام 1999 هي والعديد من شابات وشبان مقاطعة عفرين، وذلك بعد إعلان المؤامرة الدولية ضد الشعب الكردي والقائد أوجلان، والتي أدت في نهاية المطاف إلى اختطاف القائد أوجلان.

بقيت الشهيدة جيان في جبال كردستان قرابة 13 عاماً، تناضل ضد الدولة الفاشية التركية التي أرادت إبادة الشعب الكردي، وبعد إعلان ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال وشرق سوريا سارعت الشهيدة جيان للانضمام إلى الثورة، والمشاركة في أولى معارك الدفاع عن سري كانيه ضد مرتزقة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) التابعة لجيش الاحتلال التركي.

إحدى مؤسسات وحدات حماية المرأة

بعد البدء بثورة 19 تموز والإعلان عن مبادئها التي كان للمرأة دور كبير في وضعها، عملت الشهيدة جيان إلى جانب رفاقها ورفيقاتها على تأسيس وحدات حماية المرأة في 4 من نيسان من عام 2013، لتصبح أول قوة نسائية فاعلة تحمي المرأة وتدافع عن قيّم المجتمع.

ونظراً لما كانت تتحلى به من خبرات قتالية، عينت الشهيدة جيان كقيادية لإدارة معارك التحرير المهمة ضمن وحدات حماية الشعب والمرأة لتشارك في معارك الدفاع عن سري كانيه 2012 -2013 وتحرير كوباني 2014- 2015 إلى جانب المشاركة في حملة تحرير منبج عام 2016، والإشراف على القوات العسكرية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية 2017 - 2018، والمشاركة في حملات تحرير الباغوز وتنظيف مخيم الهول من خلايا مرتزقة داعش 2019 والعديد من المهام الأخرى التي أوكلت لها آخرها، القائدة العامة لقوات مكافحة الإرهاب (YAT).

تقول شقيقتها إن الشهيدة جيان كانت تحب التحدي وتسعى إلى الانتصار دائماً، "صاحبة مبادئ، لها شخصية خاصة بها في امتهان كل شيء تقريباً".

مسؤولية استشهادها تقع على عاتق المجتمع الدولي

بعد مشاركتها في الملتقى الأول لثورة المرأة، توجهت الشهيدة جيان مع رفيقتي دربها روج وبارين لزيارة مكان إقامة إحدى جريحات الحرب للاطمئنان عليها، لتُستهدف إحدى الطائرات المسيّرة التابعة لجيش الاحتلال التركي السيارة التي كانت تقلّها ورفيقتيها، وتتسبب في استشهاد كل من (جيان تولهلدان قائدة وحدات مكافحة الإرهاب، وروج خابور القيادية في وحدات حماية المرأة، بارين بوتان المقاتلة في وحدات مكافحة الإرهاب).

تعليقاً على استشهادها تقول بيريفان يوسف شقيقة الشهيدة جيان، إننا نحمّل التحالف الدولي "مسؤولية استشهاد شقيقتها التي حاربت الإرهاب في شمال وشرق سوريا"، وأضافت "إن بيانات التعزية التي صدرت عن القيادة الأميركية هي مجرد حبر على ورق، فهي لا تتحرك لمحاسبة تركيا على جرائمها".

كما طالبت بيريفان بفرض حظر جوي على شمال وشرق سوريا، لمنع جرائم دولة الاحتلال التركي ومرتزقته من داعش، وبمتابعة مسيرة الشهيدة جيان لمكافحة مرتزقة داعش.

وضعت الشهيدة جيان تولهلدان، الاسم الحقيقي (سلوى يوسف) بصمتها في كتب التاريخ، كامرأة حرة حاربت داعش، صنعت الانتصار وشاركت في ثورة غيّرت المفاهيم المعتمدة تجاه المرأة.

وتستهدف دولة الاحتلال التركي النساء اللواتي حاربن مرتزقة داعش، وتقوم بإتمام العمل الذي لم يستطع داعش إتمامه بطائراتها المسيّرة وبموافقة من التحالف الدولي، ففي الذكرى العاشرة لثورة 19 تموز، تم استهداف النساء المناضلات اللواتي حمين شعب المنطقة من الإرهاب بهجوم جبان.

 (ي م)

ANHA