المناطق السورية المحتلة تركياً.. بؤر للإرهاب والحل مرهون بإنهاء الاحتلال

تثبت عمليات استهداف أبرز متزعمي داعش والجماعات الإرهابية ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي في سوريا، مدى الارتباط الوثيق بين داعش وتركيا، إذ يرهن باحث في الجماعات الإسلامية عملية القضاء على داعش بإنهاء الاحتلال التركي في سوريا، مطالباً القوى الدولية بوضع استراتيجية شاملة بدلاً من اعتمادهم على استراتيجية قطع الرؤوس.

المناطق السورية المحتلة تركياً.. بؤر للإرهاب والحل مرهون بإنهاء الاحتلال
السبت 23 تموز, 2022   02:29
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

في حدث ليس بجديد على المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته، أعلنت القيادة المركزية للولايات المتحدة الأميركية خلال بيان له، عن مقتل زعيم داعش ماهر العكال في غارة جوية بالقرب من ناحية جندريسه التابعة لعفرين في الـ 12 من شهر تموز الجاري.

وأكد البيان أن العكال، قُتل أثناء ركوبه دراجة نارية بالقرب من ناحية جندريسه، شمال غرب حلب، كما قُتل مساعده متأثراً بجراحه بعد استهدافهما بطائرة مسيّرة أميركية.

من هو ماهر العكال؟

ينحدر ماهر العكال وهو أحد كبار زعماء داعش الخمسة في سوريا، من قرية سلوك التابعة لكري سبي الخاضعة الآن للاحتلال التركي ومرتزقته. وقد احتلّ الزعيم العكال الذي كان والياً لداعش في دمشق المرتبة الرابعة بين أهم زعماء داعش. وعائلته أيضاً داعشية. فقد شاركت عائلته في الهجوم على كوباني عام 2014. ويعيش أفرادها حالياً في منطقتي الباب وعفرين المحتلتين من قبل تركيا بالوثائق والإمكانات التي قدّمتها لهم الدولة التركية.

وبدأ العكال مشواره مع التنظيمات الإرهابية بعد خروجه من سجون حكومة دمشق، حيث كان معتقلاً في سجن صيدنايا مع مجموعة من أفراد عائلته، بسبب مهاجمتهم لمقر أمني تابع لحكومة دمشق في منطقة سلوك بريف الرقة، بحسب تقارير.

وخلال فترة احتجاز العكال في "صيدنايا"، التقى مع مجموعات من "تنظيم القاعدة"، وخططوا معاً للعودة إلى النشاط الإرهابي، إذ بدأت رحلته الجديدة بعد خروجه من "صيدنايا"، حيث انضم إلى "جبهة النصرة"، ومن ثم إلى "داعش" منتصف عام 2013.

"مرتكب المجازر"

ماهر العكال مسجّلٌ أيضاً كإرهابي في قائمة الإرهاب الدولية. ويذكر في سجلات المحاكم التركية بصفة "مرتكب المجازر". لكنّه عاش بكل سهولة لسنوات، في المناطق التي تحتلها الدولة التركية ومرتزقتها بالوثائق المزورة الصادرة عن الدولة التركية. 

العكال هو الذي أمر بتنفيذ مجزرة برسوس وخطّط لها ونقل القنبلة عبر الحدود لتنفيذها، وهذا مسجل في محاضر المحاكم التركية.

فقد قال سليمان العكال وهو أحد مرتكبي المجزرة عن ابن عمّه ماهر العكال: "أعلم أنّه أثناء تفجير برسوس كان أميراً للحدود. وهو من أمر بتنفيذ التفجير وأمّن القنبلة وعبر بها الحدود".

وصرّحت وزارة الداخلية التركية في الـ 12 من كانون الثاني عام 2021 بأنّ سليمان العكال تحرّك مع "أبو براء" أو ماهر العكال، للتخطيط للعديد من التفجيرات الانتحارية مثل برسوس و"السلطان أحمد".

وقبل مقتل ماهر العكال، تم استهداف أخيه فايز العكال في عملية نفذها التحالف في الباب الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي في حزيران/ يونيو عام 2020، وكان هو الآخر له ثقله في إدارة بعض الشؤون في "داعش".

"المناطق الآمنة" ملاذ آمن لداعش والإرهاب

واللافت للانتباه أن جميع زعماء داعش وأغلب قيادات التنظيمات الإرهابية يتم استهدافهم ضمن المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته، ما يثير التساؤل حول أسباب وجودهم في تلك المناطق، وعلى وجه التحديد في الشمال السوري وشمال غربها.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان مؤخراً، أن تعداد مرتزقة داعش والجماعات الإرهابية الذين قتلوا بضربات جوية في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته منذ مقتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي خريف عام 2019، بلغ 48 مرتزقاً من جنسيات سورية وغير سورية، بعضهم قيادات في داعش و"تنظيم حراس الدين" وكذلك "تنظيم القاعدة".

وفي هذا السياق، يبيّن الباحث في الجماعات الإسلامية مصطفى أمين، أن استهداف ماهر العكال والعديد من زعماء داعش ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته يحمل العديد من الدلائل المهمة التي تثبت أن المنطقة باتت ملاذاً آمناً لعناصر داعش بسبب الفوضى والتطرف السائد في تلك المناطق بفعل المرتزقة الداعمين من قبل الاحتلال التركي الذي تعمّد غض البصر وعدم التدخل، ما يسمح لمرتزقة داعش بتنشيط خلاياهم النائمة وجذب مرتزقين جدد.

ونوّه أمين إلى أن سبب تنشيط داعش في تلك المناطق هو وجود الاحتلال التركي، وقال: "تلك المناطق خارجة عن سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام السوري، القوتان اللتان تشكلان نوعاً من أنواع السيطرة الأمنية بسبب وجود مراجعات وعمليات أمنية مستمرة داخل مناطقها، وهو ما ليس موجوداً في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي، فالنظام التركي حريص على بقاء المنطقة في حالة شبه فوضى لحفظ وجوده هناك".

علاقة تركيا مع داعش

وأثار الانتشار السريع لمرتزقة داعش في كل من سوريا والعراق عام 2014 تساؤلات عدة حول الجهة الداعمة والراعية لهم، ومع مرور الوقت بدأت العلاقة القوية لداعش بتركيا تظهر، إذ بدأت تنشأ بين الجانبين علاقات اقتصادية ضخمة، وتعاون تجاري وثيق خاصة في مجال النفط، لدرجة أن وسائل الإعلام العالمية أطلقت على بلال نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقب وزير نفط داعش، نظراً للدور الكبير الذي لعبه في تسويق النفط الذي استولى عليه داعش من المناطق التي احتلها في سوريا.

ونشر موقع نورديك مونيتور، السويدي المتخصص في الشؤون المخابراتية، تقريرين أشار فيهما إلى أنّ وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية ذكرت في تقرير سري، بتاريخ حزيران/ يونيو 2016، أن تركيا وقطر دعمتا جبهة النصرة وداعش.

وكشفت الوثيقة التنسيق المتبادل بين المخابرات التركية والجماعات المتطرفة في سوريا، خاصة داعش، وجبهة النصرة، واحتوت الوثيقة على سرد مفصل لحالة المرتزقة الرئيسيين في سوريا مع جبهة النصرة التي تضم ما يصل إلى 10400 مرتزقاً.

وتؤكد هذه الوثيقة ما جاء في تقرير سابق لأجهزة الاستخبارات الهولندية، كشف عن استخدام داعش الأراضي التركية كقاعدة استراتيجية لتدريب المرتزقة، بالإضافة إلى عبور الآلاف من التابعين لداعش إلى سوريا وأوروبا.

ومن بين التفاصيل المذكورة أن عناصر من جهاز المخابرات التركية كانوا يجتمعون مع داعش بشكل دوري، ويتم خلال اللقاء نقل توصيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى داعش، وأكدت تقارير عديدة هذه التفاصيل.

كما نشر موقع "نورديك مونيتور" السويدي في أيار/ مايو 2019، كشفت عن وثائق استخباراتية سرية تضمنت إفراج السلطات التركية عن غالبية العناصر الأجانب الذين ألقي القبض عليهم في تركيا، بين عامي 2014 و2016، للاشتباه في نشاطهم "الإرهابي".

واشتملت الوثائق على بيانات إحصائية سرية، احتفظ بها قسم الاستخبارات في قوات الدرك التركي، بدءاً من الأول من كانون الثاني/ يناير 2014 إلى الثلاثين من حزيران/ يونيو 2016.

وأشارت تلك البيانات إلى أن المحاكم التركية لم تدِن سوى 224 شخصاً، بنسبة 37% من إجمالي 607 معتقلين حسب ما نقل مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا.

ونشرت مجلة دير شبيجل الألمانية وثائق رسمية تثبت أن تركيا كانت دولة العبور للمنتسبين إلى مرتزقة داعش.

وكشف مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا في خريف 2020، عن قائمة بأسماء 132 مرتزقاً سابقاً لدى داعش يعملون الآن ضمن صفوف مرتزقة ما يسمى "الجيش الوطني السوري" المدعوم من قبل الاحتلال التركي.

ويعلق مصطفى أمين على ذلك، قائلاً: "علاقة تركيا بداعش هي علاقة قامت على البراغماتية منذ البداية، ففي صراع الموصل عام 2014 عقدت مع التنظيم صفقة لإخراج ممثلين أتراك من الموصل، وبعد ذلك تطورت العلاقة بشكل كبير على اعتبار أن الحدود التركية شكلت مناطق عبور ومرور لعناصر داعش من تركيا التي كانت تشكل حظيرة خلفية لوجود كل الراغبين في الانضمام إلى التنظيم ومرورهم عبر الحدود السورية للتوغل في الداخل السوري والعراقي".

وأضاف: "تركيا كانت تعتبر وجود داعش جزءاً من الصراع السني - الشيعي، أي أن تنظيم داعش بالنسبة له هو تنظيم سني يواجه التمدد الشيعي سواء في العراق أو في المناطق الأخرى، وبالتالي دعم هذا التنظيم أو التغاضي عن أفعاله أمر يفيد الدولة التركية في هذا التوقيت".

ورأى أنه "عندما بدأ داعش يوجّه عمليات داخل تركيا ومنها عملية إسطنبول وتقوم بعمليات ثأرية نتيجة الضغط التركي على دخول مقاتلين إلى داخل سوريا والعراق بدأت مرحلة المواجهة ما بين الطرفين ولكن بعد سقوط التنظيم عادت الأمور لما يشبه وضعها القديم من التعاطي مع الأمر على أنه علاقة براغماتية ربما فيها مصلحة للجانب التركي".

القضاء على الإرهاب مرهون بإنهاء الاحتلال

وعن تأثير الغطاء التركي للجماعات الإرهابية ومرتزقة داعش على عملية مكافحة الإرهاب، ينوه أمين "الغطاء هذا وبلا شك يشكل أهمية خاصة للتنظيم على اعتبار أن التنظيم يجد المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ملاذاً آمناً له، فالتنظيم يتحرك وينشط خلاياه ويخطط من داخل هذه المناطق وذلك تحت ضغط قليل، وأيضاً يجعل من عملية استهدافه داخل المناطق التي تحتلها تركيا بحاجة إلى صفقة مع تركيا والأتراك غير متفاعلين وإيجابيين مع هذا الأمر بالشكل المطلوب، وبدا هذا واضحاً في حجم صفقاتهم مع الروس أو الدول الغربية الأخرى الموجودة في سوريا، وبالتالي الغطاء التركي يشكل حاجزاً أمام عمليات مكافحة الإرهاب في تلك المناطق".

ورهن أمين عملية القضاء على داعش بإنهاء وجود الاحتلال التركي على الأراضي السورية، وقال: "طبعاً وبلا شك وجود الاحتلال التركي على الأراضي السورية يعد عنصراً مهماً في منع القضاء على التنظيم على اعتبار أن الأتراك لا يسمحون بتفعيل عمليات المكافحة بشكل جيد، وأيضاً يتعمدون إرساء الفوضى وعدم الاستقرار في هذه المناطق لتبرير وجودهم".

وجوب وجود استراتيجية شاملة للقضاء على داعش

وحول أسباب عدم وجود استراتيجية جمعاء إلى الآن للتحالف الدولي ضد داعش في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته (الشمال السوري وشمال غربها)، يوضح أمين "لا توجد استراتيجية لأن المجتمع الدولي ينظر للأمر على أنه لا يمسهم بشكل مباشر وإنما يعدها أزمات داخلية موجودة في المناطق السورية أو العراقية وأن مواجهتها بشكل فعلي أو حقيقي يحتاج إلى كلفة مالية هائلة، وهذا الأمر المجتمع الدولي يتجنبه أو يحاول أن يقلل كلفته، لذلك لا نرى استراتيجية واضحة للقضاء على التنظيم وفلوله بشكل نهائي، وفي المقابل نجد نمو واضح للتنظيم واستمرار لوجوده نتيجة عدم فاعلية هذه الرؤية الدولية في مكافحة تنظيم داعش".

وفي ختام حديثه، طالب الباحث في الجماعات الإسلامية مصطفى أمين، القوى الدولية بوضع استراتيجية عامة وشاملة تتضمن مواجهة فكرية وتنظيمية وأمنية على الأرض، والتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من القوى المحلية للقضاء على داعش وإعادة تأهيل أسرهم الموجودة داخل المخيمات، وإيجاد آلية قانونية دولية لإعادة محاكمة مرتزقة داعش الموجودين في المعتقلات، إما داخل بلادهم أو في الداخل السوري ومن ثم ترحيلهم لبلادهم، مؤكداً "كل هذا مهم أن يحصل في المرحلة القادمة، ولكن ما نراه في الوقت الحالي من قبل المجتمع الدولي هو عدم اهتمام واعتماد على استراتيجية قطع الرؤوس لمنع داعش من استهداف الغرب ومصالحهم".

(ي ح)

ANHA