ثورة 19 تموز.. عودة الروح لثقافة المكونات السورية

أنقذت ثورة التاسع عشر من تموز ثقافات مكونات شمال وشرق سوريا من الضياع والاندثار، في وقت كانت فيه ثقافة هذه المكونات تعيش حالة من النسيان والإهمال والطمس المتعمد.

ثورة 19 تموز.. عودة الروح لثقافة المكونات السورية
الأربعاء 20 تموز, 2022   20:37
مركز الأخبار- جمعة محمد

يعتبر الـ 19 من تموز عام 2012 بداية جديدة لمكونات الشعب السوري القاطنة في شمال وشرق سوريا، وهو اليوم الأول لانطلاقة ثورة شعبية غيّرت واقع الحال في منطقة تعيش فيها مكونات عدة وأطياف ومذاهب وديانات عدة.

انطلقت الثورة من مدينة كوباني لتعم شمال وشرق سوريا، وكان من ثمارها بناء قوات عسكرية تحمي مناطق شمال وشرق سوريا، وبناء إدارات ذاتية تديرها وتنظم شعبها وتقدم الخدمات لها، كما أحدثت قفزة فكرية وثقافية وتعليمية في منطقة تشارَك فيها السوريون على اختلاف أعراقهم ودياناتهم ومذاهبهم بإدارة وحماية أنفسهم وتعايشوا معاً كأخوة على مبدأ الأمة الديمقراطية.

نهضة ثقافية

تميّزت ثورة الـ 19 من تموز بأنها ثورة شاملة لجميع النواحي الحياتية، وقد جاءت لتغيير الواقع المعاش في المنطقة من جميع جوانبه، لذلك كانت النهضة الثقافية والفنية إحدى منجزات هذه الثورة إلى جانب المنجزات التي تحققت على الصعد والمجالات الأخرى.

هذه النهضة لم تقتصر على مكون بحد ذاته، بل كانت نهضة لجميع المكونات. فقد أعيد إحياء الثقافة الكردية والعربية والشركسية والسريانية والآشورية والتركمانية والأرمنية، بعد أن كانت معرّضة لخطر الضياع؛ نتيجة الإهمال والطمس المتعمد من قبل سلطات حكومة دمشق.

فقبل انطلاق الثورة، كانت المراكز الثقافية موجودة في كل مدينة من شمال وشرق سوريا، لكنها كانت توسم بالطابع العربي، مع تهميش وإهمال وطمس متعمد لباقي المكونات، لكن بعد الثورة، أعيد افتتاح المراكز الثقافية التي استقبلت جميع المكونات، وعمل كل مكون تحت سقف هذه المراكز على إحياء ثقافته وفنه.

المكونات تعيد إحياء ثقافتها

يقول سامر حبّاق، رئيس الجمعية الشركسية في منبج، إن المكون الشركسي كان منسياً، منذ بدء الأزمة السورية وحتى وصول داعش، "كان أطفالنا في عمر الـ (10 أعوام) وأصبحوا فيما بعد في الـ (20 عاماً) وهم لا يعلمون شيئاً عن المكون الشركسي الذي ينتمون إليه، ولكن بعد التحرير ومساعدة الإدارة لنا في تشكيل الجمعية الشركسية، منحتنا استقلالية وخصوصية لممارسة عاداتنا، وحالياً نعمل على إحياء التراث واللغة والرقص والفلكلور، بالدعم الكبير الذي حصلنا عليه".

ويضيف "نمارس الآن نشاطنا بقوة، وموجودون في كل الفعاليات بشمال وشرق سوريا، ولدينا فرق للرقص الشركسي تشارك في كل الفعاليات بالمنطقة، تم تشكيلها منذ 4 أعوام، أما على صعيد اللغة؛ فلدينا ضعف كبير، وحالياً نعتمد على بعض كبار السن؛ لتدريب الأطفال على تعلم اللغة الشركسية بهدف إحيائها، كنا نجتمع يوماً واحداً في الأسبوع، إلا أن انتشار فيروس كورونا والمستجدات على الساحة السياسية أثّرت على برنامجنا، لكننا سنعود من جديد بعد استقرار الأوضاع".

 وعن تمكّن الثورة من إحياء الثقافة الشركسية من جديد، يقول سامر حباق: "بالطبع، لقد ساعدت كثيراً، ولولا إحياءها للثقافة الشركسية لكانت اندثرت وضاعت، لأننا تعرضنا للصهر والإبادة. كل المكونات تعرضت للإبادة لكننا تعرضنا للاثنين معاً، انتشرنا في جميع أنحاء العالم، وعددنا قليل هنا، لكن الدعم المقدم من الإدارة الذاتية أدى إلى إحياء الثقافة الشركسية من جديد".

أما حمي كوباني، وهو إداري في قسم الشعر والقصص والأغاني الكردية الفلكلورية القديمة في مركز باقي خدو للثقافة والفن بمقاطعة كوباني، فيقول: "قبل ثورة 19 تموز كانت الثقافة الكردية في الظلام. الثقافة الكردية غنية، لكن جرى طمسها وإضاعتها، الكثير من المعلمين الكرد ألّفوا كتباً باللغة الفارسية والعربية والتركية، لأنهم لم يتمكنوا من كتابة أي شيء بحريتهم، دائماً كانوا يتعرضون للاعتقال".

 ويشير حمي كوباني إلى أنه "قبل ثورة 19 تموز كان عدد الكتب الكردية قليلاً جداً؛ بسبب الحظر عليها، لكن اليوم، هناك المئات من الكتب طبعت، والمئات بانتظار الطبع.

ويضيف "ما كنا نحلم به ونتخيله قد تحقّق اليوم، حيث افتتحت الأكاديميات والمدارس والجامعات، لأنه إذا لم تكن لدينا مدارس؛ فلن نحافظ على لغتنا، ونرى اليوم في باكور(شمال كردستان) كيف أن اللغة التركية تتداخل كثيراً مع الكردية بسبب تلقي التعليم باللغة التركية".

ويرى الشاعر الكردي أن "عشرة أعوام لا تكفي، نحتاج إلى المزيد من الوقت ليكبر الصغار، وهم يتعلمون لغتهم الأم ويتخرجون من المدارس والجامعات، بعد تلقّي التعليم بالكردية في جميع المراحل التعليمية، حينها سيكون الحال مختلفاً".

ويتحدث حمي كوباني عن اللباس الكردي، ويقارن بين الأمس واليوم قائلاً: "المرأة الكردية كانت ملتزمة منذ البداية، في السابق كان ارتداء اللباس الكردي الفلكلوري محظوراً، لكن بعد ثورة 19 تموز نجد أن نسبة كبيرة من الكرد يرتدون لباسهم التقليدي، وخاصة في الفعاليات والمناسبات العامة".

ويضيف "كذلك الحال بالنسبة للأغاني الكردية الكثيرة التي صدرت بعد الثورة، فأنا قبل الثورة كان لدي 23 قصيدة، أما الآن فلدي أكثر من 200 قصيدة".

وعن الحال الذي كانت ستؤول إليه الثقافة الكردية في روج آفا ما لم تكن الثورة، يقول حمي كوباني "إن لم نستطع ممارسة ثقافتنا بحرية فستؤول إلى الزوال، كان أجدادنا يمارسونها ونحن مارسناها ولكن إن لم يستطيع أبناؤنا ممارستها بحرّية فستزول وتنتهي، لكن بعد ثورة 19 تموز تغيّر كل شيء، ونُظمت مسرحيات وعروض سينمائية كثيرة إلى جانب الفعاليات الفنية والثقافية الأخرى".

ويؤكد أن الكرد في روج آفا يحتاجون إلى الكثير، ويتابع بالقول: "لا نستطيع القول إننا أنجزنا المطلوب في الأعوام العشرة المنقضية من عمر الثورة، نحتاج إلى المزيد من الوقت لنمارس لغتنا في كل تفاصيل الحياة ومجالاتها، الفترة المنقضية ليست طويلة، وقد أمضيناها كلها في الحرب والظلم والهجرة، وعلى الرغم من كل ذلك، هناك تطور يومي، الثقافة والتاريخ والفن الكردي وصل إلى يومنا هذا شفهياً، لكن بعد ثورة 19 تموز جرى البدء بتدوين وتحويل الكثير من الأمور إلى مطبوعات، ولكنها ما زالت البداية".

أما بالنسبة للعرب والسريان من أبناء المنطقة، فحالهم لم يكن مختلفاً عن الكرد والشركس، فقد عمل المكونان أيضاً على ممارسة طقوس الثقافة الخاصة بهم، وقد كان الالتزام من ناحية اللغة واللباس والعادات حاضراً بقوة ليظهر كل مكون بلونه الخاص.

لم يعد أحد من أبناء شمال وشرق سوريا يخشى شيئاً إذا أراد تعلم لغته أو التحدث بها أو ممارسة طقوسه الثقافية أو ارتداء زيّه التقليدي، عكس السنوات التي سبقت الثورة. حين كان السعي إلى تصوير كل السوريين بلون واحد، دون مراعاة الخصوصية وأوجه الاختلاف، هو الواقع السائد.

(م)

ANHA