كاتب كردي يحدد أبرز الفوارق بين ثورة 19 تموز وانتفاضات الكرد في القرن العشرين

سلط كاتب كردي الضوء على أبرز أوجه الاختلاف بين الانتفاضات الكردية التي اندلعت ضد الأنظمة المحتلة لكردستان خلال القرن العشرين وبين ثورة روج آفا التي انطلقت في الـ 19 من تموز عام 2012.

كاتب كردي يحدد أبرز الفوارق بين ثورة 19 تموز وانتفاضات الكرد في القرن العشرين
الأربعاء 20 تموز, 2022   00:26
مركز الأخبار- ميديا حنّان

الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب. وصف الفيلسوف الإغريقي أرسطو شكلين من الثورات في سياقات سياسية: "التغيير الكامل من دستور لآخر.. وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين، التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية، وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي أسماها البروليتاريا. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثة فهو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته كـ "القوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته، لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات، ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.

والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة هو الانتفاض ضد الحكم الظالم. وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004، مثال على ذلك.

على غرار الثورات العالمية التي حدثت في التاريخ، حاول الكرد استغلال هذه الفرصة على مدار أعوام عدة، لتحقيق ثورة تاريخية، إلا أن ما حصل كان عبارة عن انتفاضات، وفشلت نتيجة تسلل الخونة بينهم، واستطاع أبناء شمال وشرق سوريا تغيير هذه النظرية، وصون ثورتهم على مدار10 أعوام.

عند التطرق إلى الوضع الكردي في الثورات، لا بد لنا من البحث في التاريخ والعودة إلى الانتفاضات التي حصلت وأسبابها والعوامل التي جعلت هذه الانتفاضات تنطفئ وتخمد بسرعة قبل أن تتحول إلى ثورة، نستذكر بعضاً منها:

الفرق بين الثورة والانتفاض والانقلاب

ويرى الكاتب الكردي مدني فرحو "لا نستطيع تعريف جميع الحركات التي قامت في كردستان كثورات، فقط جمهورية مهاباد نستطيع تسميتها بالثورة، فالثورة هي الخروج عن الوضع الراهن على أساس فلسفة جديدة أو ثقافة جديدة، والثورة هي حركة اجتماعية على نهج فلسفة ما، وتبدأ بإحداث تغيّرات من الناحية الثقافية والاجتماعية، وتطوير ذهنية المجتمع وتغييرها، حينها نستطيع تسميتها بالثورة، فالثورة لا تعد تغيّراً من الناحية السياسية فقط، أو تغيّراً لدحر سلطة  وتطبيق سلطة أخرى على دولة ما، فهذا نسميه انقلاب، والانقلاب مختلف كلياً عن الثورة".

وأوضح مدني فرحو أن العصر الذي نعيشه والذي يسمى بالعصر الذهبي، حدثت فيه ثورات عديدة، ومنها ثورة التكنولوجية (التقنية)، والثورة الصناعوية (اندر وستري)، والثورات الأخرى التي غيّرت المجريات والمواقف الدولية والتي أصبحت أساس قيم ومبادئ الأمم المتحدة، وقال: "ولكن مع الأسف لا تصان حقوق الإنسان ولا الأمم المتحدة تطبق ما اغتنمته من ثورات، مثال على ذلك ثورة فرنسا، كما أن ثورة أكتوبر التي غيّرت مجريات الدول وجعلت الطبقة العاملة تستلم السلطة، ولهذا نستطيع أن نقول إن الثورة الأولى التي حدثت في كردستان هي ثورة روج آفا، إذا قارناها مع ثورة مهاباد، تأتي ثورة روج آفا في المرتبة الثانية".

أبناء روج آفا اتبعوا نهجاً لحماية سوريا

أشار مدني فرحو إلى أن أبناء روج آفا خطوا أول خطوة لتغيير المجتمع، والثورة في روج آفا اتبعت نهجاً، وهو الوصول إلى سوريا ديمقراطية وسورية حرة، أي تغيير الطبيعة السورية من الناحية الثقافية والاجتماعية، وهنا تكمن أهميتها لأنها تعد أطروحة جديدة وثقافة جديدة وفلسفة جديدة ضمن المجتمع، وقال "عندما نتحدث عن الفلسفة، لا بد أن نتطرق إلى دور القائد عبد الله أوجلان وفلسفته التي قام بتحليل الفرضيات والواقع الكردي على مدار 5000 عام، واستخلصها بفكر جديد".

وأكد فرحو "أن أفكار القائد أوجلان أسميها "بالتورات" الكردية، وأساساً لتغيير الواقع في أجزاء كردستان الأربعة، وهذه الفلسفة أثرت على المثقفين في العالم والشرق الأوسط أيضاً، فاليوم نرى أن العديد من السياسيين والكتّاب يتبنون أفكار القائد ويرون أن ثورة روج آفا ستصبح أساساً وبنية لحل جميع قضايا الشرق الأوسط".

وأوضح فرحو أن "النظام المتّبع في شمال وشرق سوريا هو ثورة بكل ما تعنيه الكلمة، ويجب تقييمها جيداً من الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية أيضاً. وتمكنت ثورة 19 تموز، وعلى مدار 10 أعوام أن تبرهن للعالم، بأنها ثورة ديمقراطية وفق مفهوم الأمة الديمقراطية، وما يميزها هو اعتمادها على ثلاثة قيم ومبادئ، وهي؛ بناء مجتمع أخلاقي وسياسي، وحماية الطبيعة، وصون حقوق المرأة. بهذه القيم الثلاثة انطلقت هذه الثورة، وهذا ما ميزها عن باقي الثورات".

وأشار مدني فرحو إلى "أن ما يميز ثورة روج آفا عن باقي الثورات، هو أنها استمدت من فكر وفلسفة القائد أوجلان وبقيادة الكرد، وتحتوي جميع المكونات، فصحيح أن الحالة الظاهرة في إقليم كردستان تبدو كردية، لكنها لا تضم جميع الشرائح مع بعضها، إنما تفكر في خدمة مصالحها فقط، وهذا يعود إلى السلطة الحاكمة هناك، لو لم ينتفض الشعب في جنوب كردستان 1992 لما تمكن من استلام الحكم".

ما يميّز ثورة روج آفا

مدني فرحو تطرق إلى ميّزات ثورة روج آفا، وقال "ثورة روج آفا (ثورة 19 تموز) هي ثورة مختلفة جداً، وتختلف عن ثورة مهاباد؛ لأن ثورة مهاباد لم تستطع حماية الثورة، ولكن ثورة روج آفا تحمي مكتسباتها، وهي أول ثورة في تاريخ كردستان، تعتمد على مقاومة الشعب، واستفادت في فلسفتها من الاشتراكية والماركسية، وخطا خطوات تقدمية وهو نقد الاشتراكية، وتؤكد على مشاركة كافة شرائح الشعب في القرار والإدارة، وأداء دوره في السلطة، واستطاع الشعب عبر فلسفة القائد عبد الله أوجلان الصمود والوصول إلى هذه المرحلة وعيش حياة كريمة".

روج آفا هي أصغر جزء من أجزاء كردستان، وتعرف هذه المنطقة بمنطقة المثقفين الكرد، وعند التمعن في التاريخ، وبشكل خاص في الفترة الممتدة بين 1925 و1926، قدِم نخبة من المتنورين والمثقفين والسياسيين الكرد من أبناء باكور كردستان (شمال كردستان) إلى روج آفا واستقروا فيها، وكذلك بين أبناء الجالية الكردية في دمشق، حيث واصلوا النضال الثقافي والسياسي بين صفوف الشعب الكردي من أجل مقاومة الدولة التركية من جهة، والمساهمة في يقظة الشعب الكردي في روج آفا والمطالبة بحقوقه القومية من جهة أخرى. كالأمير جلادت بدرخان، وبقية أفراد العائلة البدرخانية، وعثمان صبري، ونور الدين زازا، ونوري ديرسمي، وجكرخوين، وقدري جان وآخرين.

وكان قدوم القائد عبد الله أوجلان إلى روج آفا نقلة نوعية في تاريخ نضال الشعب الكردي، حيث التقى على مدار 20 عاماً معظم الشخصيات الوطنية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وزرع بذور النضال والثورة في نفوس معظم أبناء الشعب الكردي وحتى باقي المكونات، وفي مقدمتها المكون العربي، وهذه النقلة كانت إحدى عوامل انطلاق ثورة 19 تموز، وثباتها وتطورها.

(م)

ANHA