ثورة 19 تموز وخطوات تحقيق وحدة المكونات السورية

على الرغم من الظروف الاستثنائية التي مرت بها سوريا طيلة سنوات الأزمة، تمكنت ثورة الـ 19 من تموز الجمع بين المكونات السورية التي أدارت نفسها ودافعت عن وطنها، ووحّدت مصيرها لتواجه الفتن الخارجية متسلحة بفكر الأمة الديمقراطية.

ثورة 19 تموز وخطوات تحقيق وحدة المكونات السورية
الجمعة 15 تموز, 2022   20:33
مركز الأخبار- جمعة محمد

سوريا ليست كما جرى تصويرها على مدار السنوات التي أعقبت جلاء القوات الفرنسية عام 1946، فالصورة التي حاول الحكام إظهارها، وخاصة إبان فترة حكم حزب البعث، أي منذ أكثر من 50 عاماً، تقول إن هناك قومية واحدة تعيش في سوريا، وليس هناك سوى لغة واحدة وثقافة واحدة ودين واحد، هكذا بُنيت أسس الدولة القومية السورية الهشّة، وكان ذلك هو السبب الرئيس الذي دفع بالبلاد منذ ربيع عام 2011 نحو أزمة وحرب طاحنة لم تنتهِ إلى اليوم.

ثورة الـ 19 من تموز وتصحيح أخطاء تاريخية

في الـ 19 من تموز/ يوليو عام 2012، انطلقت من مدينة كوباني شمال سوريا، ثورة بقيادة الكرد، جرى تطهير المدينة من قوات ومؤسسات حكومة دمشق، ثم انتقلت الثورة بعد ذلك من مدينة إلى أخرى؛ لتشمل عفرين وأبرز مدن الجزيرة السورية.

امتازت الثورة عن غيرها من الثورات الشرق أوسطية، كانت مختلفة تماماً عن الأزمة السورية، ووجه الاختلاف هو الفكر والمشروع الذي انتهجته الثورة منذ اليوم الأول وحتى الآن، لقد ساهم هذا الفكر في تنظيم المجتمع وإدارته وحمايته.

فكر القائد أوجلان ومشروع الأمة الديمقراطية الذي أوجده، شكل بديلاً لنظام الدولة القومية الذي أفرز الكثير من الحروب.

بالاستناد إلى مشروع الأمة الديمقراطية، فتحت ثورة الـ 19 من تموز الأبواب أمام الشعب السوري بحقيقته التاريخية، فكان الكرد والعرب والسريان والآشور والشركس والتركمان والأرمن، وكان المسلمون والمسيحيون والإيزيديون والسُّنة والشّيعة، كلٌ بلغته وثقافته ولونه الخاص.

كان ذلك تصحيحاً تاريخياً لخطأ لا يزال يُرتكب في سوريا والعالم، تستغله قوى الهيمنة والاحتلال، لإضعاف المجتمعات عبر بث التفرقة والفتن بينها على أسس العرق والدين والمذهب.

/ar/uploads/files/2022/07/15/194657_mhmd-aly-abw.webp

يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في منبج، محمد علي العبو، خلال حديث لوكالتنا "الأمر الذي ساعد في انتشار هذه الثورة ونجاحها وانخراط كل شمال وشرق سوريا فيها هو الألم الواحد لكل المجتمع السوري بشكل عام، وإذا أردنا التوسع في الأمر، فسنعود بالذاكرة إلى ما قبل ظهور داعش، حيث كان الشعب السوري يعيش حالة من التشتت السياسي والفكري ومصادرة الرأي السياسي، كل المكونات كانت تعيش هذه الحالة، الظلم لم يكن حكراً على مكون أو آخر".

ويضيف "جاء داعش ليكمل هذه الحالة من الفوضى الفكرية والمجتمعية والسياسية، كل هذه المعطيات أدت إلى تقارب كل المكونات للخروج من كل هذه الحالة السلبية للعيش بكرامة وبعزّ".

تحقيق التلاحم بين المكونات

انطلاقاً من حقيقة أن الأرض التاريخية التي قامت عليها سوريا هي وطن مشترك لعدد من القوميات والأديان والمذاهب، اجتمع السوريون في كنف الثورة، وجرى الاتفاق على تأسيس الإدارات الذاتية في 3 مقاطعات هي كوباني وعفرين والجزيرة، وشارك الكرد والعرب إلى جانب المكونات الأخرى في إدارتها، كما كانت وحدات حماية الشعب والمرأة، وقوات السوتورو وحرس الخابور والصناديد وجبهة الأكراد وغيرها من التشكيلات العسكرية، هي التي تقوم على حماية المنطقة من اعتداءات الخارج، وكانت تضم جميع المكونات السورية.

ثم بعد بدء الحرب على داعش انطلاقاً من كوباني، أُعلن عن تأسيس قوات سوريا الديمقراطية عام 2015، والتي جمعت التشكيلات العسكرية لجميع مكونات المنطقة، وقادت الحرب ضد داعش حتى تحرير كامل شمال وشرق سوريا من المرتزقة، ثم تأسست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي وحدت الإدارات الذاتية والمدنية السبعة في المنطقة ضمن جسم واحد ومظلة واحدة، وهي "الإدارة الذاتية لإقليم الفرات، والإدارة المدنية في منبج، والإدارة المدنية في الطبقة، والإدارة المدنية في الرقة، والإدارة المدنية في دير الزور، والإدارة الذاتية في إقليم الجزيرة، الإدارة الذاتية في إقليم عفرين".

تشاركت المكونات ضمن الإدارة الذاتية في إدارة المنطقة وتنظيمها وتخديمها، كما تشاركت في قوات سوريا الديمقراطية دفاعاً عن المنطقة ضد المخاطر التي أحاطت بها.

/ar/uploads/files/2022/07/15/193055_mhmd-shahyn.webp

يقول محمد شاهين، الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في إقليم الفرات إن "ثورة 19 تموز لديها قاعدة أيديولوجية، وقامت على مبدأ الأمة الديمقراطية، وهي لجميع المكونات، وشعارها "ثورة 19 تموز هي ثورة جميع الشعوب والمكونات" كان حاضراً، لذلك انطلقت الثورة على أساس صحيح، وليس على أساس عنصري أو ديني، أو دين واحد أو قوم واحد، 19 تموز هي ثورة جميع الأمم التي تناضل من أجل الديمقراطية والحرية".

ويضيف محمد شاهين في سياق حديثه "لذلك، وبعد مضي سنوات على انطلاق الثورة، أصبحت المكونات في شمال وشرق سوريا من الكرد والعرب والسريان والأرمن والشركس والتركمان، موجودة ضمن هذا النظام وتدير نفسها ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية، ففي جميع المؤسسات الإدارية أو النسوية أو الشبابية أو غيرها يوجد ممثلون من جميع المكونات".

ويؤكد شاهين أن "ثورة شعوب شمال وشرق سوريا استطاعت تمثيل ثورة الشعوب في سوريا، صحيح أن بداياتها كانت من المناطق التي يعيش فيها الكرد، لكن في الأساس هي انطلقت لجميع الشعوب".

فيما يرى محمد علي العبو أن "حالة الضياع والجهل والظلم التي وصلت إليها المكونات جعلتها تحتاج إلى مخلّص. وفي هذا الوقت ظهرت ثورة 19 تموز بقيادة المرأة، كأول ثورة تنطلق في المنطقة بقيادة المرأة. واستطاعت الوصول إلى حالة التحرر من الإرهاب وباتت محط إعجاب لكل العالم".

ويمضي العبو في حديثه "من هذا المنطلق، رأت كل مكونات الشعب السوري في شمال وشرق سوريا أن هذه الثورة تمثلها، وكل شخص رأى أن هذه الثورة تمثله للخلاص من الإرهاب، وتكون كل المكونات يداً واحدة ضد الظلم والإرهاب لنعيش مرة أخرى بسلام ونحصل على كرامتنا، ونحقق أهداف الثورة وهي الوصول إلى مجتمع سياسي وأخلاقي تسوده العدالة الاجتماعية والعدل بين كل مكونات وأطياف المجتمع السوري".

مكتسبات تستند إلى فكر القائد أوجلان

/ar/uploads/files/2022/07/15/193029_samr-hbaq.webp

يقول رئيس الجمعية الشركسية في منبج سامر حبّاق، إنه "بعد الثورة السورية المزعومة ودخول الجيش الحر إلى منبج وتشكيل الكتائب، ووجود داعش في المنطقة، عانينا كثيراً نحن الشركس كما كل مكونات الشعب في شمال وشرق سوريا، وبعد التحرير من داعش كان هناك فراغ، وكان لا بد من وجود فكر يقود المنطقة بعد التحرير، وكان هناك فكر الإدارة الذاتية، وكانت تجربة أثبتت نجاحها وأحسنت إدارة المنطقة في هذه الفترة الزمنية القصيرة وأمّنت للمواطن الخدمات ووظائف العمل، والأهم أنها وفّرت الأمان".

ويضيف "هذا النجاح كان له تأثير، هذا الفكر الديمقراطي الذي أُخذ من أفكار أوجلان، ساعد في إيجاد منهج معين تم السير عليه وتطبيقه، وأثبت المشروع نجاحه، حتى أن بعض الدول أصبحت تدرّس هذا الفكر ومشروع الأمة الديمقراطية وخاصة الرئاسة المشتركة".

فيما يقول محمد شاهين إن "الجميع يعلم بأن ثورة 19 تموز ومشروع الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية في أساسها هي من فلسفة السيد أوجلان، لذلك فإن جميع مكونات شمال وشرق سوريا لديها واجب أخلاقي حيال القائد؛ لأن هذه الثورة تحققت بفضله، لذلك يجب أن تكون هناك دائماً فعاليات لجميع المكونات تطالب بتحقيق حريته".

الخلاص يكمن في الاتحاد

يرى الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في الإدارة المدنية الديمقراطية بمنبج وريفها، محمد علي العبو، أن "القاعدة والقوة الأساسية لمجتمعنا السوري تكمن في تنوعه والانسجام الموجود فيه، لكن عندما نتحدث نحن عن الأنظمة، فهي تحاول بث التشتت في ثقافات المكونات وإبعادها عن بعضها البعض، حتى لا تكون هناك قوة ثورية تستطيع تدمير الواقع بكل أشكاله اجتماعياً وسياسياً وثقافياً متى أرادت؛ لأن قوة الشعب هي القوة الأساسية التي لا تستطيع أي جهة الوقوف أمامها".

ويكمل قائلاً "كمشروع في شمال وشرق سوريا من خلال المناداة بالتآخي بين المكونات موجود على أرض الواقع، وهو من ثقافة الشعب السوري. وليس بجديد على السوريين، لذلك نحن نرى أن الجهات المحيطة بمشروعنا الديمقراطي تستشعر الخطر منه، فإن كانت هناك صحوة اجتماعية بين كل مكونات وأطياف الشعب، فسوف نصل به إلى انتهاء الأنظمة الاستبدادية. لذلك تتخوف هذه الأنظمة دائماً من هكذا مشاريع ديمقراطية. ولكن نحن في شمال وشرق سوريا بعد ثورة 19 تموز عقدنا العزم على أن نسير بهذا النهج وصولاً إلى خط النهاية. لنصل إلى مجتمع موحد بكافة مكوناته وأطيافه. الكل متساوٍ في الحقوق والواجبات تجاه الحالة المجتمعية بشكل عام".

ومن جانبه، يقول سامر حبّاق، رئيس الجمعية الشركسية في منبج إنه "في ظل التهديدات الحالية من الجانب التركي، نؤكد أننا لن ننجح إلا بالتكاتف مع بعضنا. مجلس سوريا الديمقراطية الذي هو الممثل السياسي للإدارة والقوات العسكرية وقد فتح باب الحوار أمام كل سوري أينما كان موجوداً في العالم، لكل من يحب خدمة الوطن ويبني البلد وغير مرتبط بأجندات خارجية فالأبواب مفتوحة له".

ويضيف "في ظل هذه الأزمة، الشيء الوحيد الذي نستطيع الانتصار به هو الاتحاد فيما بيننا، كل العشائر والأقليات وكل الموجودين في سوريا؛ مطلوب منهم الدفاع عن هذه الأرض، في النهاية نحن سوريون، وعندما يكون هناك خلاف بيننا وبين الموجودين في مناطق الحكومة السورية، فهذا خلاف سوري، نستطيع حله فيما بيننا. ولكن التدخلات الخارجية غير مقبولة".

ويؤكد حبّاق أن "أفضل حل هو المقاومة، مقاومة التدخل التركي، إن لم نقف مع قواتنا العسكرية والسياسية فنحن سنخسر، إذاً؛ الحل الوحيد يكمن في التضامن ومساندة القوات والمقاومة".

فيما يرى محمد شاهين أن "ثورة 19 تموز هي ثورة ضد السلطة والظلم، لذلك فإن الأنظمة السلطوية ستواصل هجماتها على الإدارة الذاتية، ومنذ ذلك الوقت والهجمات والتهديدات مستمرة، لكنها لن تستطع إضعاف الاتحاد والأخوة بين شعوب شمال وشرق سوريا، والدليل على ذلك أن الإدارة الذاتية ما تزال قائمة، وجميع المكونات تناضل ضد هذه الهجمات".

ويكمل قائلاً "المطلوب من جميع المكونات والكرد بشكل خاص، الذين تعرضوا على مر مئات السنين للاضطهاد والإبادة والظلم، توحيد الجهود والنضال والعمل معاً، فدعم القضية الكردية هو دعم للديمقراطية والحرية، وتحرر الشعب الكردي هو تحرر للشرق الأوسط".

عودة الحياة

يتحدث سامر حبّاق عن معاناة الشركس في تبدلات الوضع السوري، قائلاً "مع بدء الثورة السورية المزعومة وقدوم الجيش الحر ثم داعش، عانى الشركس الكثير، حرمنا من ممارسة عاداتنا، لكن بعد تشكيل الإدارات الذاتية، تم تشكيل الجمعية الشركسية التي أعادت إحياء هذا المكون الذي حرم زمناً طويلاً من ممارسة أي نشاط مثله مثل كل المكونات".

ويوضح حبّاق أن "الدعم الذي قدمته الإدارة الذاتية ساعد المكونات في إعادة إظهار عاداتها وتقاليدها وجميع الارتباطات المجتمعية".

وعن قدرة الثورة على تحقيق الاندماج بين كل المكونات، وإذا ما تحققت المشاركة الفعلية للشركس في المكتسبات التي تحققت بعد 19 تموز، يقول سامر حبّاق "نحن من أبناء المنطقة، وجزء من هذه العملية كاملة، موجودون مع المكونات، وخط الدفاع والقوات العسكرية والسياسية وفي كل المجالات".

أما محمد شاهين، فيتحدث عن واقع الكرد قبل 19 تموز وبعدها، ويقول "الكرد مثلهم مثل القوميات المضطهدة التي لم يكن لها كيان، ولم يكن مكترث بهم قبل ثورة 19 تموز ولم يكن لهم وجود في التوازنات الدولية".

ويضيف "لكن في أيامنا هذه، بدأ العالم يتعرف على الكرد بعد خوضهم الحرب ضد داعش، ويريد الوقوف إلى جانبهم لتحقيق حريتهم، وخاصة أن للكرد تاريخ قديم وثقافة قديمة وهم شعب قديم في الشرق الأوسط، وشارك في بناء حضارة الشرق الأوسط، لذلك فإن الكرد بفضل ثورة 19 تموز والشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في شمال وشرق سوريا أصبحوا كياناً وعادت الروح لثقافتهم وتاريخهم، كباقي المكونات".

(م)

ANHA