الأهداف التركية من توطين اللاجئين.. مخطط خطير يعود أساسه إلى "مشروع إصلاح الشرق"

أزاحت تصريحات رئيس الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان، حول ما يسمى بـ "العودة الطوعية" الستار عن أهدافه من تكثيف الهجمات على مناطق في شمال شرق سوريا وجنوب كردستان، إذ رأى نواف خليل أن أساس ذلك يعود إلى "مشروع إصلاح الشرق" الذي بدأ عام 1925، ووصف ما تقوم به تركيا بالمشروع الخطير.

الأهداف التركية من توطين اللاجئين.. مخطط خطير يعود أساسه إلى "مشروع إصلاح الشرق"
الإثنين 6 حزيران, 2022   00:32
مركز الأخبار- شيماء علي

إن تزامُن الهجمات التركية على جنوب كردستان وشمال شرق سوريا لم يأتِ من باب المصادفة، خاصة مع إعلان رئيس دولة الاحتلال التركي، رجب طيب أردوغان، عن مشروعه المسمى بـ "العودة الطوعية" لمليون "لاجئ سوري" إلى المناطق السورية المحتلة التي يدعي أنها "مناطق آمنة"، بل هي سعي منه إلى تنفيذ الميثاق الملي وإحياء العثمانية الجديدة.

وتواصل دولة الاحتلال التركي هجماتها على جنوب كردستان بمشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ 17 نيسان الجاري، وبالتزامن من ذلك تكثف من قصفها لشمال وشرق سوريا، وسط صمت دولي.

ومنذ 17 نيسان الماضي، يشن جيش الاحتلال التركي هجمات واسعة على جنوب كردستان بمشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ بدأت الهجمات بعد زيارة قام بها رئيس حكومة جنوب كردستان مسرور البارزاني إلى تركيا في الـ 15 من نيسان الماضي، والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان.

إلى جانب ذلك، يكثف من قصفه بشكل يومي على مناطق في شمال وشرق سوريا مستهدفاً المواطنين والأماكن الأثرية والجوامع في محاولة منه لترهيب أهالي تلك المناطق وتهجيرهم واحتلال أراضيهم لتغيير ديمغرافية المنطقة، وتنفيذ مشروعه المسمى بـ "العودة الطوعية" لمليون لاجئ سوري.

وكان أردوغان قد أعلن في الـ 3 من أيار الماضي، عزم بلاده على ترحيل مليون "لاجئ سوري" وتوطينهم في المناطق السورية التي يحتلها والتي تم تهجير سكانها الأصليين منها، وذلك من خلال بناء وحدات سكنية استيطانية بأموال قطرية وكويتية تحت مسمى "العودة الطوعية".

مشروع خطير بدأ عام 1925

وعن خطورة هذا المشروع وادعاءات تركيا حول طوعية عودة "اللاجئين السوريين"، قال رئيس المركز الكردي للدراسات، نواف خليل: "من الناحية القانونية ليس هناك عودة طوعية كالتي يتحدث عنها أردوغان. حتى الجماعات المقربة منه رفضت ذلك وقالت إن العودة الطوعية هي أن يعود الإنسان إلى منزله، وقريته، وحارته، إلى البلدة التي خرج منها، من ناحية أخرى هي استكمال لمشروع إصلاح الشرق الذي بدأ عام 1925، ويهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي لشمال كردستان، والآن بدأت العملية في روج آفا كردستان، وخاصة في عفرين التي وصل فيها التغيير الديموغرافي إلى درجة مخيفة".

ووصف نواف المشروع بالخطير، كما دعا إلى العمل بشكل يومي في جميع النواحي "على الصعيد الإعلامي والبحثي والسياسي والدبلوماسي وعلى الصعيد المجتمعي".

وعندما شعرت الدولة التركية الحديثة بالخوف على حدود الدولة المرسومة بموجب اتفاقية لوزان 24/7/1923، بسبب وجود الشعب الكردي في منطقة حدوديّة، قررت القضاء على مخاوفها بإعداد خطة كبيرة تمّت الموافقة عليها بين ثلاث جهات: رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة الداخلية”.

وفي 25/9/1925 قدّم "مجلس الإصلاح من أجل الشرق" تقريره في الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا. وأصدرها مصطفى كمال أتاتورك بمرسومٍ رئاسي بعدما أعدّت الحكومة تفاصيلها، دون عرَضها على البرلمان خشية معارضتها.

وادّعى معدو الخطة أنها تهدف إلى الحفاظ على استقلالية الجمهورية التركية وأمنها، بعدما تقلصت حدودها إثر الحرب العالمية الأولى، ولكن تبينت مع تنفيذ الخطة أبعاد مختلفة، لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم، إذ كانت محاولة لتغيير الجذور الثقافية والتاريخية والوجودية للشعب الكردي الذي حُرم من أبسط حقوقه في الحياة.

وفي عام 1934، صدر قانون الإسكان المتضمن توطين المهاجرين القادمين من القوقاز والبلقان والمنفى في مناطق الكرد، وكان تنفيذه على نطاق أوسع وبشكل أكثر تنظيماً.

إلا أن خليل يرى أن "المزاج الدولي العام لا يوافق على ذلك، وحتى السوريين المناوئين والمعادين للإدارة الذاتية لا يوافقون على ذلك، ليست مسألة حب أو كره؛ بل هم يعتبرون أن إعادتهم بهذه الطريقة ليست لصالحهم، وتهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي ضد إرادتهم، وهذا المشروع خطير يجب الاستمرار بفضحه".

توجيه ضربات لحركة الحرية ومشروع الإدارة الذاتية

وعن الهدف من هذه الهجمات، بيّن نواف خليل أن لتركيا عدة أهداف من هجماتها على المنطقة وعلى جنوب كردستان، وقال: "منذ أن أطاح أردوغان بمحادثات السلام التي جرت بين القائد الكردي عبد الله أوجلان وحزب الشعوب الديمقراطي، والتي امتدت من عام 2012و2013 إلى 2015، وهو يسعى إلى توجيه أقسى ضربة لحركة الحرية في شمال كردستان والحركة الديمقراطية هناك، إذ يوجد ما يقارب الـ 20 ألف من حزب الشعوب الديمقراطي، بينهم برلمانيون وأيضاً الرؤساء المشتركون لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين ديمرتاش وفيغن يوكسكداغ وآلاف القياديين".

وكانت قد بدأت محادثات سلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في 2012، لكن وقف إطلاق النار انتهى عام 2015، عندما شنت تركيا غارات جوية ضد حزب العمال الكردستاني جنوب كردستان.

تاريخ الفشل التركي والانتصار الكردي يعيد نفسه

وحول دوافع تهديد أردوغان بشن عدوان جديد على شمال وشرق سوريا، قال خليل: "بالتوازي مع ذلك؛ لم تتوقف العمليات العسكرية. وربما السبب الأساسي الذي جعل أردوغان يرفع صوته ويهدد بعملية غزو جديدة هو الفشل الذريع الذي تعاني منه القوات التركية. قبل الآن وُجهت لها ضربة قوية في غاري والآن في زاب، وكأن تاريخ الفشل التركي والانتصار الكردي يعيد نفسه مرة أخرى.

مقاتلو حزب العمال الكردستاني يوجهون ضربات قوية وأردوغان طبعاً يحاول بكل الوسائل إخفاء ذلك عن الرأي العام الذي يعاني من أوضاع اقتصادية سيئة، وأيضاً يحاول أن يغطي على تقاربه مع إسرائيل والتنازلات التي يقدمها في سبيل إصلاح علاقاته التي قام بتخريبها مع الإمارات والسعودية ومصر، كل هذه مجتمعة جزء من أهداف هذه العملية".

وتابع "الهدف الأساسي كان ولا يزال كما قلت، هو الاستمرار في تطبيق قانون إصلاح الشرق للتغيير الديموغرافي، وتوجيه ضربة لمشروع الإدارة الذاتية، الذي يتكون من الكرد والعرب وبقية المكونات، ومنع تطور هذه الإدارة وتقدمها ومنعها من أن تكون النموذج الذي يمكن الاستناد عليه في المستقبل، فيما لو أن الهجمات التركية توقفت وتوقفت حالة العداء ومحاولة بث عدم الاستقرار في المنطقة".

هروب من أزمات الداخل

وعن سياسات تركيا في الداخل والخارج، قال رئيس المركز الكردي للدراسات: "تركيا وضعت يدها على الممتلكات العائدة لفتح غولن، والحركة التي تسمى بالخدمة تستفيد من خلال المدارس وإدارة مشاريع واستخدام الدين، وكذلك استخدام القوى الناعمة من خلال المسلسلات التي باتت لها شعبية في باكستان والعالم العربي".

ورأى أن "موقع تركيا الجغرافي مهم، لكن القراءة الاستراتيجية الخاطئة لأردوغان مع بدء الأحداث في تونس، وما يسمى الربيع العربي، أدت إلى نتائج كارثية في الداخل التركي. فكان صفر مشاكل. ولكن في فترة معينة كان هناك صفر ثقة، والثقة في الداخل أيضاً تتراجع بحزب العدالة والتنمية إلى حدّ كبير، جميع استطلاعات الرأي تؤكد أنه إذا اتفقت المعارضة على شخص واحد؛ فلن يفوز بالانتخابات. وهو ما يعقد الأمر ويدفع أردوغان إلى مزيد من التنازلات للخارج".

وتابع "بالتالي مزيد من الضغوط على الكرد والديمقراطيين داخل تركيا، بالتأكيد يحاول في الخارج مع روسيا. إذ يأخذ موقفاً وسطياً فيما يتعلق بأوكرانيا؛ لأن روسيا هي التي تصدر كمية كبيرة من الغاز إلى تركيا، وهي التي قدمت القرض وستقوم ببناء المفاعل النووي للشؤون السلمية، وكما يقال هناك العديد من الملفات، وتحاول أيضاً أن تقول للغرب ودول الناتو إنها تملك الكثير من الأوراق. هناك العديد من الأوراق التي تملكها تركيا وأول ما يجب علينا إدراكه هو القيام بالتقييم الصحيح لا الرغبوي، هل تركيا الآن قوية؟ ليست بالقوة التي كانت تملكها عام 2010، سواء في العالم العربي أو في الدول الإسلامية والعلاقات الممتدة حتى في بعض الدول الغربية، هناك غضب عارم من الموقف التركي الذي يبتز أوروبا، خاصة فيما يتعلق بطلب فنلندا والسويد الانضمام إلى الناتو".

سبل المواجهة

وحول ما يجب فعله لمواجهة تركيا، قال نواف خليل: "هناك حاجة لتطوير العمل الدبلوماسي، أما العمل العسكري فأنا أعتقد أن القوات العسكرية لم تتوقف يوماً، سواء في تطوير قدراتها أو استخلاص الدروس والعبر مما حصل، وهي كانت دائماً تقاتل ببطولة كما في عفرين التي حاربت فيها قوات وحدات حماية الشعب ـ 58 يوماً ـ ثاني أكبر قوة في حلف الشمال الأطلسي وأقصد تركيا، وأيضاً أبدى مقاتلو قسد بطولة في سري كانيه وكري سبي".

وأضاف "لكن ما أود أن أشير إليه هو كيف يمكن للإدارة أن توفر مستلزمات العيش الكريم للفئات الأكثر احتياجاً، لذوي الدخل المحدود، كيف يمكن تطوير البنية التحتية، الطرق والإنترنيت وبالتأكيد التعليم وإصلاح النظام القضائي. هذه مسائل في غاية الأهمية، كلما كانت الإدارة أقرب إلى الناس وعملت وسرّعت من وتيرة تطوير هيئاتها، كلما ستكون هناك بينة مجتمعية أو حاضنة اجتماعية أقوى بكثير مما تتوفر الآن".

واختتم نواف خليل حديثه، قائلًا: "بالطبع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية تتمتع بحاضنة اجتماعية لا يمكن إلا أن توصف بالعظيمة، كما شاهدنا على مدار السنوات السابقة، ولكن هذه الحاضنة أيضاً بحاجة إلى أن تقدم الإدارة، ليس فقط فرص عمل أكثر؛ بل كما قلت تطوير كل هذه المجالات، أنا لا أتحدث عن الجانب السياسي. أتحدث عن هذه الجوانب وهي الأهم".

(ي ح)

ANHA