"مكافحة الجرائم المعلوماتية".. وسيلة حكومة دمشق لممارسة القمع وتجريم الانتقاد

بعد فشلها في احتواء الأزمة السياسية والاقتصادية القائمة في البلاد وتعرضها لموجة لاذعة من الانتقادات، لجأت حكومة دمشق إلى تضييق الخناق على المواطنين من خلال تشديد العقوبات المتعلقة بالنشر عبر الوسائل الإلكترونية ضمن قانون "مكافحة الجرائم المعلوماتية"، إذ بين كاتب وصحفي سوري، أن الهدف منه "ممارسة القمع وتثبيت الحكم وتجريم وتحريم الانتقاد".

"مكافحة الجرائم المعلوماتية".. وسيلة حكومة دمشق لممارسة القمع وتجريم الانتقاد
الخميس 26 مايو, 2022   02:39
مركز الأخبار – ليلاف ديواني

دخل قانون "مكافحة الجرائم المعلوماتية" الذي أصدره بشار الأسد، في 18 شهر نيسان الماضي، والقاضي بتشديد العقوبات المتعلقة بالنشر عبر الوسائل الإلكترونية، قيد التنفيذ في 18 من شهر أيار الجاري، وذلك وسط سخط شعبي كان أبرزه على صفحات التواصل الافتراضي وتذمر من قبل شخصيات سياسية وإعلامية.

وتقضي التعديلات الجارية على القانون الخاص بـ "الجرائم المعلوماتية" بتشديد العقوبات المتعلقة بالنشر عبر الوسائل الإلكترونية، ويجرم بالحبس والتغريم المالي كل من ينشر محتوى رقمياً على الشبكة بقصد "قلب أو تغيير نظام الحكم في الدولة"، أو "النيل من هيبة الدولة" و"المساس بالوحدة الوطنية" حيث يصل بعضها إلى السجن المؤبد وغرامات بالملايين.

وأتى هذا القانون بعد موجة لاذعة من الانتقادات التي تعرضت لها حكومة دمشق على مواقع التواصل الافتراضي على خلفية اتخاذها سلسلة من القرارات التي لا تمت للواقع المعيشي لأبناء المنطقة بصلة من رفع أسعار المواد الاستهلاكية وسعر مادة الخبز وأسعار المحروقات لمرات عدة وصولاً إلى رفع الدعم الحكومي عن بعض شرائح المجتمع، الذي كانت تتغنى به حكومة دمشق.

وادعت وسائل الإعلام التابعة لحكومة دمشق، بأن القانون "عصري يواكب التطورات التقنية المتسارعة وينظم استخدام الوسائل الحديثة"، متجاهلة تقارير حقوقية ودولية سابقة وثقت اعتقالات وعمليات قتل وإخفاء قسري.

وصنفت منظمة مراقبة الحرية، سوريا من بين الدول العربية الأدنى من ناحية وصول الناس للحقوق السياسية والحريات المدنية والمساواة أمام القانون.

وفي تقرير نشرته المنظمة بتاريخ شباط/فبراير 2022، حصلت سوريا على نقطة واحدة في مؤشر الحريات من أصل 100، تليها السعودية بـ 7 نقاط وليبيا بـ 9.

'حرية التعبير باتت جريمة'

وبهذا الصدد، يقول الكاتب والصحفي السوري ثائر الزعزوع، لوكالتنا: "في الكثير من دول العالم هناك قانون للجرائم الالكترونية، وسوريا نفسها أصدرت عام ٢٠١٢ قانوناً في هذا الخصوص، ومفهوم الجريمة الالكترونية، يمكن الاستدلال عليه من خلال مفردة الجريمة، فالجريمة تشمل أعمال النصب والاحتيال، والسرقة، والتهديد بالقتل، والاتجار بالبشر، أو إنشاء مواقع قد تسبب الأذى العام أو الخاص".

وأردف "لكن القانون السوري الجديد الذي صدر الشهر الماضي وصار سارياً هذا الشهر، ينسجم كثيراً مع مفهوم النظام للجريمة، حرية التعبير هي جريمة، هكذا ببساطة، وأي محاولة لنشر معلومات، لا تعجب النظام، هي جريمة أيضاً، وهذا فعلياً يتنافى مع مفهوم حماية المجتمع، وينتقل إلى مفهوم واحد فقط، هو القمع والحفاظ على سيطرة النظام".

عبارات مطاطة

وتتضمن التعليمات التنفيذية للقانون الجديد، المادة رقم/28/ والتي تحمل اسم "النيل من هيبة الدولة" التي تنص على أنه يعاقب بالسجن من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وغرامة مالية من خمس مليون ل.س إلى 10 مليون ل.س، كل من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات بنشر أخبار كاذبة على الشبكة من شأنها "النيل من هيبة الدولة أو المساس بالوحدة الوطنية"، بحسب وكالة تابعة لحكومة دمشق.

أما بالنسبة للمادة /29/ فهي تحمل اسم "النيل من مكانة الدولة المالية" فتنص على أنه يعاقب بالسجن من أربع سنوات إلى خمس عشرة سنة وغرامة من خمس مليون ل.س إلى عشرة مليون ل.س، كل من أنشأ أو أدار موقعاً إلكترونياً أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقمياً على الشبكة بقصد "إحداث التدني أو عدم الاستقرار أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية أو أسعار صرفها المحددة في النشرات الرسمية".

كما ورد ضمن التعليمات التنفيذية في المادة رقم /27/ والتي تحمل اسم "الجرائم الواقعة على الدستور" والتي تنص على أنه يعاقب بالاعتقال من سبع سنوات إلى خمس عشرة سنة وغرامة من عشرة مليون ل.س إلى خمسة عشر مليون ل.س، كل من أنشأ أو أدار موقعاً إلكترونياً أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقمياً على الشبكة بقصد "إثارة أفعال تهدف أو تدعو إلى تغيير الدستور بطرق غير مشروعة"، أو "سلخ جزء من الأرض السورية عن سيادة الدولة"، أو "إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور أو منعها من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور"، أو "قلب أو تغيير نظام الحكم في الدولة".

بينما تختص بقية المواد بنواح تقنية وتخصصية تعتبر حكراً على فئة محددة من المواطنين من العاملين في مجال المعلوماتية وتقنيات الحاسوب.

وعلق ثائر الزعزوع على ذلك، قائلاً: "الحقيقة أن استخدام عبارات من مثل هيبة الدولة، والوحدة الوطنية، هي عبارات مطاطة ولا يوجد لها تعريف واضح، لذلك فيمكن بالنسبة للنظام اعتبار نشر خبر عن غلاء سلعة ما نوعاً من المساس بالوحدة الوطنية، أو مساساً بهيبة الدولة".

'مخالف للقوانين الدولية ويخدم أثرياء الحرب'

ويرى مختصون أن القانون الجديد هو شكل من أشكال الملاحقة القانونية، ويضع العقبات في وجه أي انتقاد لسياسات الحكومة الفاشلة، في ظل تصاعد وتيرة الانتقادات لقرارات الحكومة مؤخراً، وإنه مخالف أيضاً للقوانين الدولية.

ووفق تقرير لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة فإن البنود والتعليمات القانونية المرتبطة بمكافحة "الجرائم المعلوماتية" فضفاضة وتتيح ملاحقة أي شخص ينتقد الحكومة وتشكّل خطراً على أي شخص يعبر عن رأيه في جملة يكتبها، أو رسالة يرسلها، أو حتى طرفة (دعابة) يتداولها مع أصدقائه.

وفي كانون الأول الفائت وصف العضو السابق في "مجلس الشعب" التابع لحكومة دمشق نبيل صالح، "قانون الجرائم الإلكترونية" بأنه "سيعطل حرية الرأي والتعبير"، ويشكل خطراً على المواطنين في كل جملة يكتبونها أو رسالة يرسلونها أو "نكتة" يتداولونها، مشيراً إلى أن هذا القانون حمى أثرياء الحرب وموظفي السلطة من النقد والفضيحة "جزئياً".

'قانون بمثابة ممارسة القمع'

وعن تداعيات تنفيذ هذا القانون، قال زعزوع: "أستطيع القول إننا فعلياً بدأنا نلمس نوعاً من الخوف في بعض منشورات المقيمين تحت سيطرة النظام، منذ صدور القانون المذكور، إذ بدأ المعلقون على وسائل التواصل الاجتماعي يتوخون الحذر لدى نشر أي شيء، فالحقيقة أننا أمام قانون مطاطي، يمكن استخدامه فقط لممارسة القمع".

وفي هذا السياق، يرى زعزوع أنه "سيترك تأثيراً سلبياً جداً على الصحافة ولا نقول حريتها، لأن الصحافة السورية لا تمتلك أدنى مقومات الحرية، لكنها ستصير رغم ذلك صحافة أكثر تحفظاً وخوفاً، وسوف تسكت حتى على الحاجات اليومية للناس، وهو ما يتنافى مع أصل العمل الصحفي".

ومضى في حديثه، قائلاً: "طبعاً، هناك جانب آخر يمكن أن يؤخذ في الحسبان، هناك نوع من التذمر في مناطق سيطرة النظام بسبب الوضع المعيشي المتردي، وانعدام سبل الحياة، والنظام يريد أن يبث دعاية مغايرة لذلك، على مبدأ العبارة الشهيرة المضحكة: سوريا بخير".

وفي ختام حديثه، رأى الكاتب والصحفي السوري، ثائر الزعزوع أن "هذه النوعية من القوانين، لا تختلف أبداً عن قوانين كثيرة صدرت منذ سنوات، وكلها تهدف إلى تثبيت حكم، وتحريم وتجريم انتقاده، أو الحديث عن سلبيات فيه".

(ي ح)

ANHA