الإنفاق والمال الانتخابي.. العنوان الأبرز في الانتخابات اللبنانية

تفوح رائحة المال الانتخابي في الانتخابات النيابية اللبنانية، باعتراف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي كَشَف أنّ "كميّات دولارات غير مسبوقة دخلت لبنان خلال الأيام الماضية"، فيما أعلن رئيس الجمهورية ميشال عون، حصوله على تقارير تؤكد المبالغة في إنفاق المال.

الإنفاق والمال الانتخابي.. العنوان الأبرز في الانتخابات اللبنانية
الإثنين 16 مايو, 2022   01:28
بيروت – زياد أبو غزالة

في انتخابات تفتقد لمعايير الأخلاق وقواعد الانضباط، يسود عاملان، التجييش الطائفي تحت مسمّى الحفاظ على الوجود، و"المال الانتخابي".

"الإنفاق والمال الانتخابي" عنوان أساسي أخذ حيزاً واسعاً من المعركة الانتخابية المفتوحة بين الأحزاب واتهامات متبادلة بينها، ليعود بعدها وينبّه إليه رئيس الجمهورية ميشال عون؛ مشيراً إلى حصوله على تقارير موثقة تؤكد حجم الإنفاق، وداعياً هيئة الإشراف على الانتخابات للقيام بعملها، وهو ما وضعته "القوات اللبنانية" في خانة "الذرائع والحجج لتبرير فشلهم".

أول من تحدث عن هذا الموضوع هو رئيس "التيار الوطني الحر"، النائب جبران باسيل، متّهماً كلاً من "القوات" وحزب "الكتائب اللبنانية" بـ "تجاوز سقوف الإنفاق الانتخابي".

وتقدم باسيل بدعوى قضائية ضد "القوات" و "الكتائب"، طالباً "إحالة المخالفين إلى النيابة العامة المختصة، لانطباق وصف الجرائم المالية والجزائية على مخالفاتهم الثابت ارتكابها"، ولفت في الشكوى "إلى تكاثر الإعلانات الخاصة بحزبي (الكتائب) و(القوات) لدرجة فضح ظاهرها الكلفة الحقيقية، وأكد تجاوزها سقف الإنفاق المسموح به"؛ مشيراً إلى أنه "لا يُعقل أن يبقى هذا الكم من الإعلانات دون سقف الإنفاق بمعزل عن صحة البيانات الحسابية التي يتم التقدم بها، ومع التأكيد على التفاوت الكبير لمصلحة (القوات) على (الكتائب)".

اتهامات استدعت ردود فعل من "الكتائب" و"القوات"؛ مذكرين باسيل بأن "اسمه مدرج على لائحة العقوبات بتهمة الفساد، وهو الذي أهدر أكثر من 40 مليار دولار دَيْناً في الكهرباء بسبب فشله وفساده".

الناخب بين الأزمة الاقتصادية و "المال الانتخابي"

ما يزيد من زخم "المال الانتخابي"، الأزمة الاقتصادية الحادة، وغياب القناعة السياسية. فبالنسبة للعامل الأول، باتت مختلف الطبقات والعائلات عرضة وتطلب في آن الدعم المالي. في حين، أن قسماً من الناس لا تنتخب وفق أي قواعد أو قناعات سياسية، وبالتالي وسط وفرة اللوائح، من السهل الحصول على تأييد باتجاهات انتخابية معينة.

وانطلاقاً من هنا، يجري التركيز على المكوّن السنّي، الناخب الأكبر، على الرغم من خروج "تيار المستقبل" من المعركة الانتخابية، فتنهال عليه العروض المالية من كل صوب، وهو أمر يزعج الشارع السنّي الناقم أصلاً على طريقة تعامل مؤلفي اللوائح معه سواء لجهة اختيار مرشحيه أو لجهة تعامله معه كأصوات ناخبة.

أزمة اقتصادية فتحت باب بازار شراء الأصوات، وسط غياب المنافس السني الأبرز سعد الحريري، فكثرت السماسرة تحت مسمى المفاتيح الانتخابية، "ثمة من يعرض أصواتاً لا يملكها، وثمة أصوات تباع أكثر من مرة". وعلى سبيل المثال، كتب أحد مستخدمي الفيسبوك تعليقاً علنياً على منشور لمرشح أعلن فيه ترشحه بالقول: "بالتوفيق، إذا بيلزمك أي مساعدة بالنسبة للأصوات، احكيني خاص".

يذكر أن القانون اللبناني حدد سقف المبلغ الأقصى الذي يحق لكل مرشح إنفاقه أثناء فترة الحملة الانتخابية، ويقسم إلى "قسم ثابت مقطوع قدره 750 مليون ليرة (30 ألف دولار)"، ويُضاف إليه "قسم متحرك مرتبط بعدد الناخبين في الدائرة الانتخابية التي ينتخب فيها، وقدره خمسون ألف ليرة لبنانية (دولارين فقط) عن كل ناخب مسجل في قوائم الناخبين في الدائرة التي يترشح فيها". أما سقف الإنفاق الانتخابي للائحة، فهو مبلغ ثابت مقطوع قدره 750 مليون ليرة لبنانية عن كل مرشح (30 ألف دولار).

"المال الانتخابي" ينعش الاقتصاد!

في المقابل يرى محللون أن المال الانتخابي الذي ضخ في الأيام الأخيرة، أنعش السوق وحرّك عجلة الاقتصاد اللبناني، ولكن كيف؟

يقول الصحفي اللبناني علي نور الدين: "طوال الأسابيع الماضية، كانت الانتخابات مصدراً من مصادر السيولة التي دخلت السوق بالعملة الصعبة، لتسهم في تحريك قطاعات عدة مرتبطة بالانتخابات، كالعقارات المؤجرة ووسائل الإعلام. أما يوم الانتخابات بالتحديد، فمن المرتقب أن تهبط إلى السوق كتلة أخرى من السيولة، التي ترتبط بأتعاب المندوبين، الذين غالبًا ما يتقاضون أتعابهم بعد اليوم الانتخابي الطويل وفرز النتائج. أما بعد الانتخابات، ومع انقضاء المهلة التي منحها حاكم مصرف لبنان لضبط سعر صرف الدولار في السوق، عبر ضخه من خلال المنصّة، فسيكون أمام سوق القطع تحدّ آخر، لجهة توفّر العملة الصعبة وسعر صرفها".

ويضيف نور الدين لوكالتنا: أن "المال ببساطة، هو عصب العمليّة اللوجستيّة الانتخابيّة، من أتعاب المندوبين إلى كلفة الإعلانات التلفزيونيّة والإذاعيّة، وصولًا إلى إيجارات اللوحات الدعائيّة بمختلف أشكالها وأنواعها وأحجامها، بالإضافة إلى ثمن أنظمة المعلوماتيّة لتسجيل وتتبّع الأصوات، ورسوم استئجار المكاتب الانتخابيّة وقاعات الاجتماعات، مع كل ما يحتاجه ذلك من رواتب لموظّفين متفرّغين".

أمّا أبرز ما استجد خلال السنوات الماضية، بحسب نور الدين "فهو بيع هواء التلفزيونات المحليّة نفسها، لتصبح المقابلة التلفزيونيّة أو تغطية النشرات الإخباريّة أو نقل وقائع المهرجانات والمؤتمرات الانتخابيّة خدمة تُباع مقابل بدل معيّن، حسب توقيت المساحة التلفزيونيّة ومدتها، ونسبة مشاهدة البرنامج (في حالات المقابلات). وهكذا، تحوّلت الانتخابات إلى موسم قادر على إنعاش ميزانيّات المؤسسات الإعلاميّة، ولو على حساب مصداقية البرامج وأولويّات التغطية الإخباريّة، التي باتت تخضع لحسابات المال الانتخابي".

ولأن في كل أزمة وجهاً "مشرقاً"، فإن إنفاق الدولة اللبنانية على تنظيم الاستحقاق الانتخابي تقلّص، بعد أن تجاوز عام 2018 حدود 54 مليون دولار. أما هذه السنة، وبسبب تراجع سعر صرف الدولار بين الدورتين من 1500 ليرة عام 2018 إلى 27000 ليرة اليوم، تقلّص الإنفاق على تنظيم الاستحقاق إلى حدود 15.5 مليون دولار فقط، مع العلم أن جزءاً كبيراً من الاعتمادات المرصودة كجزء من تكاليف العمليّة الانتخابيّة مقومة ومدفوعة بالليرة اللبنانيّة، وبالتالي هذه النفقات، لن تدخل حكمًا من ضمن العوامل المؤثرة بشكل مباشر على حركة العملة الصعبة في السوق.

ويخوض اللبنانيون انتخابات 2022 البرلمانية في ظروف استثنائية لا تقتصر على الاستقطاب السياسي الحاد، بل تُجرى لأول مرة بعد انهيار تاريخي يعصف بالبلاد منذ نهاية 2019، ودفع نحو 80 في المائة من السكان إلى الفقر، وفق تقديرات أممية.

(ي ح)

ANHA