الحماية الذاتية.. قوة أساسية تحافظ على خصائص المجتمع السياسية والثقافية والاجتماعية

اعتبر مثقفون وأكاديميون أن الحماية الذاتية أفضل قوة مجتمعية لمواجهة الحروب والأنظمة السلطوية التي لم تجلب سوى الخراب والدمار للشعوب، مؤكدين أنها لا تقتصر على حمل السلاح في الجبهات، بل يكون بتمسك الفرد بأرضه والحفاظ على لغته وتاريخه وثقافته.

الحماية الذاتية.. قوة أساسية تحافظ على خصائص المجتمع السياسية والثقافية والاجتماعية
الثلاثاء 10 مايو, 2022   04:27
الحسكة - بوطان حسين

مع تطور أساليب الأنظمة الاستعمارية لفرض سلطتها على الشعوب عن طريق غزو ممنهج لثقافتها ولغتها وتاريخها، تطورت أساليب الحماية الذاتية كشكل من أشكال المقاومة، سواء ضمن جماعة أو وحدات عشائرية أو قبلية.

ويقول القائد أوجلان عن الحماية الذاتية في مانيفستو الحضارة الديمقراطية "الحماية الذاتية سياسة أمنية للمجتمع الأخلاقي والسياسي، فيما يفقد المجتمع معناه إذا لم يتمكن من حماية نفسه، حيث يتم استعمار المجتمعات وتُترك للانهيار، أو أنها ستقاوم وتكتسب خصائصها الأخلاقية والسياسية".

ويؤكد الأكاديمي في أكاديميات المجتمع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا، عبد الوهاب خلف، أن الحماية الذاتية جوهر أساسي للإنسان، والتي تمكنه من العيش والاستمرار في الحياة، وأنها حاجة لجميع الكائنات الحية، وأنها المقاومة التي تبديها الكائنات تجاه الأخطار في سبيل الحفاظ على وجودها.

وقال خلف: "لكل كائن حي طريقة معينة للحفاظ على وجوده أو حماية نفسه، فالإنسان يحافظ على وجوده بطريقة ما والحيوانات تحافظ على وجودها بطريقة أخرى لكن النتيجة واحدة هي المحافظة على الوجود والذات".

وصنف الأكاديمي عبد الوهاب خلف الحماية عند الإنسان إلى صنفين الأولى بيولوجية، والثانية الحماية الاجتماعية من خلال انضمام الأفراد إلى الجماعة والعيش معاً للمحافظة على وجودهم كأفراد وجماعة.

ورأى الخلف أن الإنسان في بداية تكوين المجتمع كان يحمي نفسه من الطبيعة والتغيرات المناخية كالبرد والحرارة والعواصف، لكن بعد ظهور نظام الدولتية والسلطة وتطبيقها على المجتمع فقد الفرد دوره وأصبح أداة لتحقيق مصالح السلطة، دون حماية.

'نظام الدولة استولى على حق حماية الفرد نفسه بنفسه '

وقال عبد الوهاب خلف: "أن نظام الدولة استولى في بداية الأمر على حق حماية الفرد نفسه بنفسه، بعد تشكيل القوى العسكرية بهدف بقاء الفرد بحاجة دائمة للسلطة، والرضوخ لسلطته ومطالبه"، مؤكداً أن عدم تمكن الفرد من حماية نفسه سيجعل منه عبداً يعيش تحت هيمنة الأنظمة السلطوية دون تمكنه من أداء دوره في المجتمع وممارسة حقوقه.

واعتبر خلف أن المجتمع الذي يفقد أحد العوامل الأساسية لبقائه، لا سيما الحماية سيجعله عالة، ولا يمكنه الوصول إلى مستوى مجتمع أخلاقي سياسي، وقال: "السلطة رسخت مفهوماً لدى الأفراد بأنهم لا يستطيعون البقاء دون السلطة ونظام الدولة وقوى عسكرية تدافع عنهم".

وأمام المخاطر التي تتعرض له المجتمعات نتيجة ممارسات الأنظمة الرأسمالية، والتحكم بالشعوب في سبيل تقديم الحماية لهم رأى خلف أن المجتمعات بحاجة إلى ثورة حقيقية لإعادة ما أخذ من الأفراد، وهو حق الحماية الذاتية.

وقال خلف: "المجتمع بحاجة مرة أخرى العودة إلى المجتمع الكومينالي التشاركي، لتعزيز الروابط الاجتماعية التي تمكن فيه المجتمع من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتجاوز المخاطر، وخاصة في عصر الحداثة الرأسمالية؛ لأنها تحاول بشتى الوسائل السيطرة على المجتمع وتوجيهه بما يتوافق مع مصالحها".

وأشار خلف إلى أن انطلاق الثورات تتعرض على الدوام للعديد من الهجمات من قبل الأنظمة الرأسمالية، كما يحصل الآن في شمال وشرق سوريا، وقال: "كما رأينا، انطلقت ثورة الـ 19 من تموز على أسس فكرية وفلسفية ديمقراطية لتؤسس لمجتمع ديمقراطي حر ينظم نفسه بنفسه في كافة مجالات الحياة، إلا أننا نرى أن وتيرة الهجمات ترتفع وخاصة كلما خطت الثورة خطوات إيجابية".

ونوه الأكاديمي عبد الوهاب خلف إلى أن الحماية الذاتية لا تقتصر على حمل السلاح في الجبهات فحسب، بل إن الفرد يستطيع حماية نفسه من خلال التمسك بالأرض والحفاظ على لغته وتاريخه وثقافته.

'الحماية الذاتية تحافظ على المجتمعات ضمن طبيعتها'

فيما يرى الرئيس المشترك لاتحاد المثقفين في ناحية الدرباسية، والكاتب أحمد سليمان أن الحماية الذاتية لها دور مهم وتستطيع أن تسهم في حماية مكتسبات أي مجتمع كونها تعتبر جيش مجتمعي، وغير مرتبط بأي نظام أو دولة أو حزب سياسي.

وقال سليمان: "الحماية الذاتية أو الجوهرية هي التي بإمكانها أن تحمي المجتمع من الناحية الثقافية والاجتماعية والعسكرية في أوقات الحرب وتمنع من تمدد تأثيره على المجتمع وبشكل خاص الحرب الخاصة التي تستخدم أثناء الحروب".

وأضاف: "ففي الحرب الفيتنامية الأميركية تمكن الشعب الفيتنامي من تنظيم نفسه وتأمين قوته عبر تعزيز الحماية الذاتية لدى المجتمع".

ونوه أحمد سليمان إلى أن "الحماية الذاتية تحافظ على المجتمعات ضمن طبيعتها وتعمل بما يتوافق مع مصلحة المجتمع بالدرجة الأولى".

وأشار سليمان إلى أن تطبيق مبدأ الحماية الذاتية سيخفف أعباء الحروب على الشعوب وستقف في وجه الجهات التي تعمل على خلق الأزمات، مشدداً على ضرورة إيلاء المجتمع أهمية أكثر للحماية الذاتية، وتنظيمها أكثر فأكثر كونها قوة مجتمعية أساسية تمكن الأفراد من حماية أنفسهم وحقوقهم.

ويؤكد القائد أوجلان على أهمية الحماية الذاتية في مانيفستو الحضارة الديمقراطية "المجتمعات التي تسعى إلى تحقيق ذاتها ورفض الاحتلال، يمكن أن تتطور من خلال تعزيز مؤسساتها الخاصة بالحماية الذاتية، التي لا تكون فقط في مواجهة الأخطار الخارجية. فمن الممكن أن تظهر على الدوام صراعات بين الأطراف الداخلية في المجتمعات، ومن أجل ديمومة بقاء المجتمعات الديمقراطية، يجب أن يكون هناك على الأقل حماية ذاتية، من أجل الحد من الهجمات والاستغلال الرأسمالي واستبداد السلطة".

 (أم)

ANHA