​​​​​​​في ذكرى الشهداء.. العثمانيون الجدد يتابعون طريق أجدادهم في إبادة شعوب المنطقة

يحيي السوريون واللبنانيون، في السادس من أيار كل عام، ذكرى أكثر من 20 مثقفًا عربيًّا قتلهم العثمانيون، بتهمة التخطيط لثورة عربية ضد المحتل التركي أثناء الحرب العالمية الأولى، فيما يعيد العثمانيون الجدد بقيادة حزب العدالة والتنمية، ارتكاب الجرائم والمجازر بحق شعوب المنطقة بعد مرور أعوام كثيرة من مجازر أجدادهم العثمانيين.

​​​​​​​في ذكرى الشهداء.. العثمانيون الجدد يتابعون طريق أجدادهم في إبادة شعوب المنطقة
الخميس 5 مايو, 2022   22:31
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

تعد الدولة العثمانية من أكثر الدول والقوى التي ارتكبت مجازر دموية بحق شعوب المنطقة من العرب والكرد والأرمن والسريان، فيما تكمل حفيدتها الدولة التركية أو ما يسمى بالعثمانيين الجدد مجازرهم بحق الشعوب بدءاً من سوريا والعراق وصولاً إلى ليبيا وأرمينيا وغيرها.

احتلال بلاد الشام

واحتلت الدولة العثمانية بلاد الشام منذ عام 1516 حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918.

وظل السلاطين يحكمون الدولة العثمانية حتى مطلع القرن العشرين، حيث نجح القوميون الأتراك وعلى رأسهم جمعية الاتحاد والترقي في الوصول إلى السلطة عام 1908، فعملوا على فرض القومية واللغة التركية على كل القوميات الأخرى التي تعيش تحت الاحتلال العثماني.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وقفت الدولة العثمانية إلى جانب دول تكتل الوسط (ألمانيا والإمبراطورية الهنغارية النمساوية) ضد دول التفاهم (الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، فرنسا، بريطانيا)، حيث عينت وزير البحرية جمال باشا قائدًا عامًّا للقوات التركية في بلاد الشام، فشدد قبضته على بلاد الشام وفرض الضرائب والتجنيد الإجباري واللغة التركية.

السياسات الشوفينية أشعلت نار الثورة

ونظرًا لعدم تنفيذ السلطات العثمانية للقرارات الصادرة عن مؤتمر باريس عام 1913 والتي كانت تقتضي مشاركة العرب في الحكم، وتمتعهم بالحكم الذاتي ضمن الدولة العثمانية آنذاك، واستمرارها بسياساتها الشوفينية القائمة على فرض السيطرة ونهب الثروات، إلى جانب سياسات التتريك للتراث اللغوي والحضاري في البلاد التي كانت تحتلها وعلى وجه الخصوص في بلاد الشام (سوريا ولبنان) والعراق، الأمر الذي أدى إلى اشتعال جذور الثورة وخاصة بين فئات المثقفين والسياسيين والشيوخ الذين طالبوا بخروج المحتل العثماني.

وعندما بدأت الثورات المطالبة بخروج الدولة العثمانيّة من المنطقة، زادت الأخيرة من التنكيل بتلك الشعوب في محاولة منها لفرض السيطرة على البلاد، وذلك من خلال سياسة الترهيب والإعدامات التي طالت العديد من الثوار والمناضلين والسياسيين والمثقفين في تلك المناطق.

وزاد العثمانيون من تضييق الخناق على الشعب، فثار الشعب بقيادة المثقفين والسياسيين المعارضين للحكم العثماني ونظموا حملات تطالب فيها بالالتحاق بالثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الحجاز لإسقاط حكم العثمانيين.

إعدامات ومجازر لم تجبر الثوار على الاستسلام

ولجأ جمال باشا السفاح إلى أساليب مختلفة للنيل من هذه الثورة عبر إلصاق التهم بهم، وهي التخابر مع بريطانيا وفرنسا للإطاحة بهم.

وهذه الاتهامات شكّلت أرضية لعمليات قمع بحق القادة والمثقفين والسياسيين، وازدادت حدّة القتل والإرهاب، وبدأت سلسلة إعدامات بحق كل من كان يُشك به.

وعليه، أصدر جمال باشا أحكامًا بالإعدام على عدد من المثقفين والوطنيين من دمشق وبيروت في محكمة صورية في جبل لبنان.

ونفذت السلطات العثمانية هذه الأحكام على دفعتين، الأولى في 21 آب 1915، والثانية في 6 أيار 1916 الذي أعدم فيها عدداَ أكبر، في كل من ساحة البرج في بيروت، التي سميت فيما بعد بساحة الشهداء، وفي ساحة المرجة في دمشق.

ولتغطي السلطات العثمانية على جرائم جمال باشا السفاح في البلاد، فقد نقلته من سوريا، وعينت جمال باشا المرسيني (الشهير بالصغير) بدلًا عنه.

ثم قُـتل جمال باشا السفاح في مدينة تبليسي عام 1922م على يد أرمني يدعى اسطفان زاغكيان، انتقامًا لما ارتكبه العثمانيون من مجازر بحق الأرمن عام 1915، ضمن حركة واسعة عرفت بعملية نيمسيس أي "العقاب" طالت جميع المسؤولين عن تلك الإبادة التي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف مليون أرمني.

ولم يرضخ السوريون واللبنانيون للممارسات العثمانية، بل ساهمت هذه الممارسات في تكريس حقيقة مفادها أن الثورة هي السبيل الوحيد للتخلص من الاحتلال العثماني، فكانت الثورة العربية الكبرى عام 1916 التي شكّلت بداية النهاية للدولة العثمانية التي حكمت المنطقة أربعة قرون متتالية، وبعد نجاح الثورة، أعلن المؤتمر الوطني السوري عام 1920 استقلال سوريا والعراق عن الدولة العثمانية.

التاريخ سجل جرائم العثمانيين على صفحاته

المحامي والسياسي السوري، علاء الدين الخالد كالو، تحدث حول ذلك، قائلاً: "التاريخ العثماني الممتد عبر أكثر من ستة قرون برزت فيه الكثير من الأسماء والشخصيات التي احتلت بجدارة مواقع الصدارة في قوائم المجازر والإجرام لأسوأ السلاطين والحكام والولاة وقادة الجيوش المجرمين السفاحين عبر التاريخ بسبب ما ارتكبوه من مجازر وجرائم ضد الإنسانية والبشرية بحق الشعوب العربية والكردية والأرمنية والسريانية والآشورية والكلدانية والبلغارية وغيرها من الشعوب التي وقعت ضحية تحت حكمهم الغاشم المستبد ومنهم جمال باشا السفاح الذي كان أحد هؤلاء السفاحين والمجرمين حيث سجل التاريخ جرائمهم على صفحاته لتكون شاهدة عليهم ما بقي الناس وما بقيت الأرض ومن عليها".

وأضاف "إن المجازر التي ارتكبها العثمانيون في السادس من أيار لعام ١٩١٦ في كلٍ من دمشق وبيروت والتي نحتفي به كيوم للشهداء في سوريا ولبنان بحق كوكبة من خيرة أبنائهما من مثقفين ومفكرين وأدباء قاوموا الاحتلال العثماني وعملوا على إيقاظ وبث الروح الوطنية لدى شعوبهم من أجل التحرر والانعتاق من نير العبودية العثمانية التي بنيت على دماء وجماجم كافة شعوب المنطقة".

وأرجع أسباب ذلك إلى "جرائمهم ومجازرهم التي طالت كافة الشعوب التي احتلت أراضيها والتي تعتبر بحق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والبشرية؛ وحتى الدولة التركية فيما بعد قد قامت بتنفيذ حكم الإعدام في نفس اليوم من شهر أيار لعام ١٩٧٢ بتنفيذ حكم الإعدام بحق خيرة أبناء الشعب التركي أمثال حسين إينان ويوسف أصلان ودنيز كزميش وذلك في تحدٍ واضح وصارخ لطموحات الشعب التركي في العيش بحرية وديمقراطية".

العثمانيون الجدد يتابعون طريق أجدادهم

ولم تنتهِ سياسات الأتراك في احتلال الدول المجاورة وتدخلها في شؤونها، واتباعها أساليب التتريك والتهجير والقتل والدمار حتى بعد القضاء على الحكم العثماني في سوريا.

ومنذ بدء تركيا باحتلال الأراضي السورية فعليًّا بعد الاتفاق مع روسيا، اعتبارًا من آب 2016 واحتلال مدن جرابلس والباب وإعزاز، استمرت بسياسة أجدادها العثمانيين، من حيث ارتكاب المجازر وتهجير الشعب وفرض سياسة التتريك في المناطق المحتلة، ولا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد المدنيين الذين قُتلوا وأُصيبوا في الهجمات التركية على هذه المناطق.

ولم تتوقف عمليات الاحتلال والمجازر بحق السوريين على هذه المناطق، ففي20 كانون الثاني 2018 شنّت دولة الاحتلال التركي هجمات على عفرين استمرت إلى 18 آذار من العام ذاته حتى احتلال المدينة، وخلال فترة شهرين فقط ارتكبت تركيا 12 مجزرة بحق سكان عفرين.

واستمر الاحتلال التركي في نهجه بقتل المدنيين، خلال هجومه على مدينتي سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض، في شهر تشرين الأول 2019، ليقوم بالعمل على تغيير ديمغرافية هذه المناطق بعد احتلالها.

ولعل أكثر المجازر دموية خلال هجمات الاحتلال التركي على مدينة سري كانيه، استهداف موكب المدنيين يوم 13 تشرين الأول 2019 بقصف مباشر، مما أدى إلى سقوط 13 مدنيًّا بينهم صحفيون، وإصابة أكثر من 70 آخرين، وكذلك المجزرة التي ارتكبها مرتزقة تركيا بحق الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف في 12 تشرين الأول 2019 على الطريق الدولي M4 بين تل تمر وعين عيسى.

وبالإضافة إلى سوريا، قام الاحتلال التركي بشن هجمات على جنوب كردستان والعراق والتدخل في ليبيا وأرمينيا وغيرها من الدول.

وحول الجرائم التي ترتكبها تركيا الآن في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، قال المحامي السوري: "ما نراه اليوم من جرائم ومجازر مستمرة وممنهجة ترتكب من قبل الحكومة التركية المتمثلة بحزب العدالة والتنمية بحق كافة شعوب ودول المنطقة بشكل عام وبحق الشعب الكردي في كل من سوريا والعراق بشكل خاص وبحق شعوب شمال وشرق سوريا بشكل أخص ما هي إلا امتداد لذهنية وعقلية سياسات الإقصاء والتتريك وارتكاب المجازر التي ورثتها من الدولة العثمانية والتي هما عبارة عن وجهين لعملة واحدة كون الذهنية والعقلية الإقصائية والإمحائية والقتل والتشريد ضد كافة الشعوب التواقة للحرية ونيل حقوقها المشروعة شبيهة بالمجازر العثمانية من حيث الهدف والمضمون".

وأضاف "عليه نستطيع القول بأن هؤلاء الشهداء العظام من خلال صعودهم المشرف على منصات الإعدام العثمانية والتركية دونما خوف كان تحدٍّ واضح وصارخ لظلم وطغيان المحتل العثماني وسياسات الحكومات التركية اللاحقة؛ قد نجحوا في زرع مفهوم الحرية والانتفاضة في وجه المحتل داخل عقول الكثيرون من أبناء شعوبهم بالإضافة إلى كسبهم لقلوب الملايين من شعوبهم وكافة الشعوب المناضلة من أجل حريتها ونيل حقوقها".

'اليوم بتنا بأمس الحاجة لتعاون كافة الشعوب في وجه الغزوات التركية'

وفي هذا السياق، وجه المحامي والسياسي السوري، علاء الدين الخالد كالو، رسالة إلى شعوب المنطقة، قائلاً: "اليوم بتنا بأمس الحاجة إلى تكاتف وتضامن وتعاون كافة شعوب المنطقة بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب أو المعتقد للوقوف صفاً واحداً في وجه ظلم وعدوان وغزوات حكومة العدالة والتنمية وسياساتها العدوانية والعدائية والاحتلالية وتحرير جميع الأراضي المحتلة لنيل كافة شعوب المنطقة حريتها وحقوقها المشروعة".

(م)

ANHA