عودة العلاقات الأمنية بين أنقرة ودمشق.. الأهداف والتداعيات؟

رغم أن تصريح وزير الخارجية التركي حول التعامل مع حكومة دمشق أثار الدهشة للأوساط التي تراقب الشأن السوري واعتبر تحولاً لافتاً في موقف أنقرة إزاء الملف السوري، إلا أن التحرك التركي كان متوقعاً لجملة من العوامل الاقليمية والعالمية.

عودة العلاقات الأمنية بين أنقرة ودمشق.. الأهداف والتداعيات؟
الأربعاء 4 مايو, 2022   01:01
كوباني - جمعة محمد

كشف مولود جاووش أوغلو وزير خارجية دولة الاحتلال التركي عن تعاون بلاده مع حكومة دمشق على المستوى الأمني، للمرة الثانية خلال أقل من عام، ما أثار الكثير من التساؤلات عن طبيعة هذا "التعاون" وما ستكون نتائجه على الساحة السورية.

حديث أوغلو الاسبوع الفائت لم يكن جديدا، ففي أيلول/سبتمبر العام المنصرم، تحدث الوزير التركي عن تواصل أنقرة مع دمشق على المستوى الأمني، لكن حكومة دمشق نفت ذلك حينها وقبل أيام.

ويرى المراقبون بأن التحرك التركي ليس غريباً، وإنما هو نتاج جملة من المتغيرات المحلية والعالمية، لكن لا أحد يستطيع الجزم فيما يتعلق بمستقبل هذا "التعاون" أو التغيير الذي سيضيفه في الملف السوري.

فشل المشروع التوسعي

استبدل المسؤولون الأتراك لغة التهديد والوعيد بلغة يشوبها الود منذ أواخر العام الفائت، وذلك ما اعتبر تغييراً جذرياً في توجهات الذين يديرون بوصلة السياسة التركية من العاصمة أنقرة.

إذ كانت تركيا قبل أقل من عام، تظهر عدائها لعدد من الدول العربية والغربية علناً، وتدعم الاخوان المسلمين الذين لا يرحب بهم في الشرق الأوسط والعالم، وهو ما تسبب بتدهور للعلاقات مع المحيط الخارجي، وكانت نتائجه السلبية واضحة على الاقتصاد التركي الذي سجل تدهوراً تاريخياً، وازدادت نسبة التضخم وانخفضت قيمة الليرة التركية، وانتشر الغلاء وازدادت البطالة، وكثرت الأصوات المناوئة للسلطة.

لكن الرئيس التركي عاد من بعيد وتنازل عن الكثير، فبدأ بمحاولة تطبيع العلاقات مع مصر ثم دول الخليج التي شهدت زيارة أردوغان للسعودية قبل أيام، بعد أسابيع من زيارة مماثلة للإمارات، كما استقبل الرئيس الاسرائيلي في تركيا وتخلى عن لغة التهديد والابتزاز مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

يقول الباحث في العلاقات الدولية محمد ربيع الديهي "لا شك أن تركيا الآن تحاول العودة إلى نظرية صفر مشكلات بعد فشل مشروعها التوسعي في المنطقة وانكشاف الوجه الحقيقي لطموحات أردوغان، وهو الأمر الذي يدفع أنقرة نحو بناء علاقات جديدة مع العديد من الدول العربية وفقا لشروط عربية".

ويضيف الباحث المصري في حديثه لوكالتنا "ولكن عند الحديث عن تنسيق أمني بين تركيا والنظام السوري فهذا لا يعني بداية تطبيع بين دمشق وأنقرة وإنما محاولة لإصلاح العلاقات مع الطرف السوري الذي تضرر من الموقف التركي بصوره كبيرة".

وأشار إلى أنه "لا يمكن الحديث عن تنسيق أمني بين الطرفين بدون ربطه بعدد من التطورات الإقليمية والدولية أولها الأزمة الأوكرانية إضافة إلى عمليات المصالحة مع الدول العربية وهي عمليه مطلوبة في الفترة القادمة بين البلدين، ولكن لا يمكن الحديث عن علاقات وديه بين البلدين كما كانت قبل عام ٢٠١١ إلا بعد فرض دمشق شروط مسبقة على النظام التركي تضمن عدم تدخله في الشأن السوري والتخلي عن الأراضي التي دخلتها تركيا في ظل الأزمة السورية.

ويرى الديهي بأن روسيا لعبت دوراً في تغيير وجهة النظر التركية تجاه الأزمة السورية، لتقتنع أنقرة بأن "النظام جزء من الحل"، متوقعا بأن ذلك "ربما يكون هو الدافع الآن نحو تنسيق أمني بين الطرفين".

وعن دوافع التوجه التركي نحو حكومة دمشق، يقول محمد ربيع الديهي بأنها "تتمثل في فشل المخطط التركي في سوريا والمنطقة، الأزمة الاقتصادية في تركيا نتيجة المقاطعة الشعبية العربية احتجاجا على أسلوب تركيا والتدخل في الملفات العربية، بالإضافة إلى الشروط التي فرضتها مصر والإمارات والسعودية على أنقرة بعدم التدخل في الشؤون العربية، ناهيك عن الدور الروسي خاصة وأن العلاقات بين موسكو وانقرة قوية للغاية وهو ما قد يدفع موسكو للضغط على تركيا للتصالح مع النظام السوري".

الأنظار صوب الإدارة الذاتية

كان حديث وزير الخارجية التركية مولود جاووش أوغلو واضحاً حينما قال بأن التعاون مع حكومة دمشق دون الاعتراف بها سيكون بدافع التنسيق ضد الإدارة الذاتية والقوات التي تحمي مناطقها شمال وشرق سوريا.

ولا يستبعد المراقبون للشأن التركي أن تقدم أنقرة على تنازلات مع أية جهة كانت تفضي إلى إضعاف الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وتضرب المشروع الديمقراطي القائم شمال وشرق سوريا، ومن هذا المنطلق ربما يمكن تفسير الخطوة التركية التي "كانت متوقعة"، بحسب الكثيرين.

ففي شمال وشرق سوريا يرى السياسيون والمراقبون لتطورات الملف السوري بأن التقارب التركي – السوري سيكون على حساب هذه المنطقة، خصوصا أن ضرب الإدارة الذاتية مصلحة واحدة للطرفين.

وكان لافتاً أن الإعلان التركي جاء بالتزامن مع تصعيد عسكري على الأرض، عندما بدأت المدافع والصواريخ التركية استهداف مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، بما فيها كوباني وعين عيسى وتل تمر ومناطق الشهباء، إضافة إلى استهداف الطيران المسير التركي المنطقة لأكثر من مرة، بعد منتصف شهر نيسان/أبريل.

وينظر السوريون بريبة إلى أي تقارب بين تركيا وحكومة دمشق، لاسيما أن مطالب الشارع السوري تتمثل الآن بوجوب تحرير المناطق السورية التي تحلتها تركيا، لا أن تتعاون الحكومة مع دولة الاحتلال، ما يمكن أن يشرع احتلالها للأراضي السورية.

ولدى تركيا أطماع لا تخفيها في سوريا، تتمثل باحتلال كامل الشريط الحدودي شمالاً وبعمق لا يقل عن 30 كيلو متراً، والإجراءات التركية في المناطق المحتلة تظهر حقيقة النوايا التركية، وهذا ما يدفع نحو الاعتقاد أن أي تقارب بين سوريا وتركيا لن يكون في مصلحة الأولى ولا في مصلحة السوريين، وأن الخاسر سيكون البلد الذي أنهكته الحرب منذ أكثر من عقد من الزمن.

(د)

ANHA