شمال وشرق سوريا في مواجهة الحصار.. نظرة ثاقبة على تاريخ شعوب هزمت المحاصِرين

واجهت شعوب العالم حصارات مختلفة عبر التاريخ، غيّرت مصيرها بعدما فشل أعداؤها احتلال مدنها، فمنذ 10 سنوات وشمال وشرق سوريا في مرمى الحصار والتجويع والعطش إلى جانب القصف والقتل اليومي الذي تسببه قذائف الاحتلال التركي، لكن سكان هذه المناطق لم يرضخوا ويستسلموا لهذه السياسات.

شمال وشرق سوريا في مواجهة الحصار.. نظرة ثاقبة على تاريخ شعوب هزمت المحاصِرين
الأربعاء 20 نيسان, 2022   22:16
مركز الأخبارـ أحمد سمير

الحصار أحد أقدم التكتيكات العسكرية التي استخدمت عبر التاريخ لآلاف السنين؛ التطويق أو الحصار مصطلح عسكري يرمز إلى فصل هدف عن محيطه وحصاره من كافة الجهات من قبل القوات المعادية، بحيث لا يستطيع المحاصرون تلقي الدعم ويصبحون في موقف حرج ومعرضون لاحتمال هجوم من مختلف الجهات، ولا يمتلكون القدرة على الانسحاب ويبقون أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن يستميتوا في القتال والدفاع عن أنفسهم أو الاستسلام.

الحصار في التاريخ

واستخدم الحصار على مدار القرون المتعاقبة من جانب العديد من القادة العسكريين، ولعل أبرزهم رمسيس الثاني والإسكندر الأكبر وخالد بن الوليد وحنبعل وسون ووشكا زولو وفالنشتاين ونابليون ومولتكه وغوديريان ورونتشتيت ومانشتاين وجوكوف وباتون.

ومن أشهر المعارك التي كانت سبباً في نهاية أحد طرفي النزاع وانتصار الآخر، معركة ترموبيل عام 480، ق.م، بين اليونان القديمة والأخمينيون وانتهت بانتصار الأخمينيين، بقيادة خشايارشا الأول، معركة كاناي عام 216، بين الإمبراطورية القرطاجية والجمهورية الرومانية انتهت بانتصار قرطاجة بقيادة حنبعل.

لينينغراد ظل سكانها يقاومون لـ 3 سنوات تحت الحصار

وفي التاريخ الحديث، عانت مدينة لينينغراد المحصنة، لـ ما يقارب 900 يوماً من حصار القوات الألمانية والفنلندية بين عامي 1941، 1944، لكسر مقاومة المدينة والاستيلاء عليها، وقد أزهقت الحرب أرواح 1.642.000شخص، من بينهم 642.000 مدني، بحيث وقع تحت الحصار مليونان و544 ألف شخص من أبناء ضواحي لينينغراد الذين دافعوا عن مدينتهم ببسالة.

نهضت ولم تيأس وقاومت من أجل وجودها رغم حصارها

حل الشتاء وانقطعت الكهرباء وتحولت حياة سكانها إلى كارثة حقيقية نتيجة فقدان جميع مقومات الحياة وأهمها الطعام، فقدت المدينة الأخشاب لحرقها كوسيلة للتدفئة، واستخدموا قطع أثاث المنزل لتدفئة أجسادهم، انتشرت الأمراض بفعل الأعداد الكبيرة من الجثث والعجز عن دفنها بسبب تجمد الأرض، لكن الأشد هولاً كان الجوع والعطش، لكن لينينغراد نهضت ولم تيأس وقاومت من أجل وجودها.

انتصار شعب لينينغراد وتحرير مدينتهم المحاصرة

في نهاية عام 1943، تغيرت الأوضاع في الجبهة السوفيتية الألمانية بشكل جذري. وبدأت جبهتا لينينغراد وفولخوف بالتحضيرات لتحرير لينينغراد تحريراً نهائياً. وقد تم ذلك في 14 كانون الثاني عام 1944، حين اخترقت القوات السوفيتية دفاعات الجيش الألماني الثامن عشر ودحرت قواته الرئيسة وتقدمت إلى عمق 60 كيلومتراً، فبدأ الألمان في الانسحاب السريع. وتم الفك النهائي لحصار لينينغراد بتحرير مدن بوشكين وغاتشينا وتشودوفو.

شمال وشرق سوريا في مرمى الحصار

يتم اتباع هذه الاستراتيجية التي استخدمت سابقاً ضد سكان شمال وشرق سوريا التي هي في مرمى حصار من جميع جوانبها، وهي استراتيجية الاستسلام أو الموت جوعاً وعطشاً، التي لم يرضخ لها سكان المنطقة منذ 10 سنوات.

المياه سلاح تركيا تشهره في وجه سكان المنطقة

وبغية ضرب القطاع الزراعي وتعطيش سكان المنطقة، قطعت تركيا الماضية في بناء السدود على نهر الفرات، المياه عن النهر وتراجع مستوى منسوب مياهها المتدفق إلى سوريا إلى مستويات قياسية، وقطع المياه سلاح تركي تشهره في وجه سكان المنطقة.

ويعتمد معظم مزارعو شمال وشرق سوريا على سد الفرات الذي يعتبر شريان الحياة لري أراضيهم الزراعية، إلا أن منسوب النهر انخفض إلى أدنى مستوياته لأول مرة في التاريخ، بسبب حجب تركيا المحتلة لمياه النهر، حيث بات لا يتجاوز تدفقه 200 متر مكعب في الثانية، وهذا الأمر يشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق والقوانين الدولية.

ووصلت تركيا وسوريا إلى اتفاق عام 1987، حيث التزمت تركيا بإطلاق 500 متر مكعب في الثانية، لكنها تضرب اليوم بهذه الاتفاقات عرض الحائط، وتحارب سكان شمال وشرق سوريا في لقمة معيشتهم.

خنق مليون نسمة عطشاً

ليس هذا فحسب، فتركيا المحتلة ومنذ احتلالها لمدينة سري كانيه، وكري سبي، تكرر عمليات قطع المياه عن مدينة الحسكة، في ورقة ضغط وابتزاز تمارسها بطريقة غير إنسانية لتعطيش سكانها، وذلك لتحكمها بمحطة مياه علوك التي تمد المدينة بالمياه.

ففي ظل عدم توفر المياه تتوقف عجلة الحياة، وهذا الخطر لن يتوقف عند تخوم الحسكة التي تخنقها عطشاً عبر قطع المياه عنها، وهذه جريمة موصوفة ترقى إلى الإبادة الجماعية.

تجويع حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومهجري الشهباء

لم يتوقف الحصار المفروض على هذه المنطقة، فحكومة دمشق تعمل على خنق المنطقة اقتصادياً على غرار تركيا وتجويع سكانها، فيقاوم أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية والشهباء، هجمات طرفي النزاع في سوريا منذ بدء الأزمة السورية، القصف العشوائي والحصار.

وحي الشيخ مقصود في مدينة حلب، هو أحد أكبر أحياء مدينة حلب السورية ويتميز بموقعه الجغرافي المهم، كونه يطل على باقي أحياء المدينة بحكم موقعه المرتفع، لذلك بات وجهة لكل الأطراف التي تسعى إلى بسط سيطرتها على مدينة حلب من حكومة دمشق، والمجموعات المرتزقة الموالية لتركيا، لكن مقاومة حي الشيخ مقصود ووقفتهم المشرفة جعلت الحي حصناً منيعاً.

وينقسم حي الشيخ مقصود إلى قسمين، (شرقي وغربي)، الجانب الشرقي من الحي مبني على تلة بحيث يمكن للمرء مشاهدة مدينة حلب بأكملها من هناك، لذلك يعد مكاناً استراتيجياً، إذ تحول حي الشيخ مقصود إلى مأوى لأكثر من 14 ألف أسرة نازحة من مختلف المكونات السورية الكرد، والعرب، والتركمان.

نظموا أنفسهم وفق استراتيجية حرب الشعب الثورية

ومنذ بداية الأزمة السورية أرادت الأطراف المتصارعة السيطرة على الحي، لكن أبناء الحي ومقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة الذين نظموا أنفسهم وفق استراتيجية حرب الشعب الثورية، دافعوا عن منطقتهم بمقاومة منقطعة النظير حالت دون ذلك على الرغم من الحصار والقصف، واستخدام أسلحة كيمياوية.

حصار دوري قائم منذ 4 سنوات

وتفرض قوات حكومة دمشق منذ ما يقارب الشهر حصاراً خانقاً على سكان الحي، بحيث تعيد إلى الأذهان السياسات القمعية والتعسفية بحق الكرد قبل عام 2011، وهذا الحصار الدوري قائم منذ 4 سنوات.

وبعد فشل السيطرة على الحي عسكرياً، تمنع الفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق دخول أي مواد إليها، ويوجد طريقان رئيسان بين القوات الحكومية وحي الشيخ مقصود، وكلا الطريقين يقعان تحت سيطرة الفرقة الرابعة، حيث يتم تأمين حاجات ومستلزمات الأهالي من طعام ووقود ودواء عبر هذين الطريقين.

سكانها دون خبز

وتحارب حكومة دمشق أهالي حي الشيخ مقصود في لقمة عيشهم، إذ لا تسمح الفرقة الرابعة بتمرير مادة الطحين إلى الحي منذ 13 آذار الماضي، وقد باتت المستودعات التي كانت تخزن هذه المادة، شبه فارغة، وبات أهلها بلا خبز في هذا الشهر الفضيل.

لكن لم يرضخ أهالي الحي لسياسات حكومة دمشق، إذ أن الأهالي مصممون على متابعة مسيرة المقاومة لإفشال هذه الخطط، كما أظهروها سابقاً لعصابات الدولة التركية، ولن يسمحوا لأحد بانتهاك حرمتهم وكرامتهم، حتى لو تضوروا جوعاً.

إغلاق معبر تل كوجر حصار دولي من نوع آخر

وفي ظل العقوبات المفروضة على سوريا، وتطبيق قانون قيصر التي تعاني شمال وشرق سوريا من تداعياته، شهدت المنطقة ارتفاعاً في أسعار السلع وخاصة السلع الأساسية مع الشروع بتطبيق القانون، كون المنطقة تتعامل بالليرة السورية، وإغلاق معبر تل كوجر الحدودي مع العراق، إذ لا تزال المنطقة ترزح تحت وطأة الإهمال الطبي نتيجة النقص الحاد في التمويل والإمدادات.

حصارات تاريخية غيّرت مصائر الشعوب

في ظل هذا الحصار، تبحث تركيا المحتلة عن ثغرة للهجوم عليها في ظل انشغال العالم بالحرب الأوكرانية، ويستمر سكان هذه المنطقة ووحداتهم المدافعة بالمقاومة في وجه الأطماع المحدقة بالمنطقة، هذه المقاومة التي تذكرنا بالحصارات التاريخية التي مرت على الشعوب وغيرت مصائرها، كحصار

على الرغم من الحصار فقد تمكنت الشعوب من هزيمة أعتى الجيوش

في أحيان كثيرة تمكنت بعض المدن من هزيمة أعتى الجيوش بسبب تحضيرها الجيد لأي تكتيك مماثل، كإقامة مدن تحت المدن، أو ممرات سرية، أو تأمين الحاجيات الضرورية التي تكفي لسنوات.

(ك)

ANHA