الأسد في الإمارات.. أهمية الزيارة ودلالاتها

تابعت وسائل الإعلام خلال اليومين الفائتين، زيارة بشار الأسد إلى الإمارات، وذلك إثر عودة تدريجية للعلاقات بعد قطيعة دامت لسنوات بين دمشق وأبو ظبي حليفة الولايات المتحدة الأميركية التي أبدت "انزعاجها العميق". فما أهمية هذه الزيارة؟ وماذا عن ارتباطها بالتحرك العسكري الروسي في أوكرانيا؟ وهل غضبت واشنطن حقاً؟

الأسد في الإمارات.. أهمية الزيارة ودلالاتها
الأحد 20 آذار, 2022   03:51
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

وقام بشار الأسد بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة هي الأولى له لدولة عربية منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وذلك إثر عودة تدريجية للعلاقات بين دمشق ودولة حليفة للولايات المتحدة، ودعمت مطالب ما تسمى المعارضة بإسقاط الأسد بادئ الأمر.

واستقبل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي للإمارات، الرئيس السوري لبحث "العلاقات الأخوية" بين البلدين و"السلام" في المنطقة، وفق ما أوردت وكالة "وام" الإماراتية الرسمية.

وذكرت الوكالة أن الشيخ محمد "عبّر عن تمنياته أن تكون هذه الزيارة فاتحة خير وسلام واستقرار لسوريا الشقيقة والمنطقة جمعاء". وقالت إن الأسد أطلع ولي عهد أبو ظبي على آخر التطورات في سوريا.

وأفادت الوكالة أن الجانبين أكدا ضرورة "الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وانسحاب القوات الأجنبية" من بلد به وجود عسكري لكل من روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.

كما التقى الأسد الذي أنهى زيارته في وقت متأخر الجمعة، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي الإمارة الرئيسة الأخرى في الدولة.

وكانت الإمارات قد أعادت في كانون الأول/ ديسمبر 2018، فتح سفارتها في دمشق، بعد قطع العلاقات الدبلوماسية منذ 2012.

وفي أول زيارة لمسؤول إماراتي رفيع منذ قطع دول خليجية عدة علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، توجه وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نهاية العام الماضي، إلى دمشق حيث التقى الأسد.

ومنذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011، علّقت جامعة الدول العربية عضوية سوريا، وقطعت دول عربية عدة علاقاتها مع دمشق، بينها الإمارات، فيما أبقت أخرى بينها الأردن ومصر اتصالات محدودة بين الطرفين. 

ومنذ العام الماضي كثر الحديث عن التطبيع بين دمشق والدول العربية حيث حدثت الكثير من المؤشرات على ذلك أبرزها الاتصال الهاتفي بين الأسد والعاهل الأردني الملك عبد الله، ومن المرجح أن تكون هذه التطورات نتيجة المساعي الروسية لإعادة تعويم حكومة دمشق عربياً، وأجرى كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف زيارات إلى دول عربية خلال الأعوام السابقة تحدثوا خلالها عن ضرورة عودة دمشق إلى الدول العربية.

علاقات لم تنقطع

الكاتب والأكاديمي وأستاذ الاقتصاد في الجامعة العربية الدولية الخاصة، الدكتور مهيب صالحة، تحدث في هذا السياق قائلاً: "تشهد العلاقات السورية - الإماراتية تحسناً ملحوظاً منذ زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد دمشق في نوفمبر الماضي".

وأضاف: "الإمارات ليست الدولة العربية الوحيدة التي لم تنقطع علاقاتها مع دمشق، من تحت الطاولة أو من فوقها، فالأردن وعمان ولبنان والجزائر والعراق وغيرها حافظت على علاقات سياسية وأمنية مع دمشق".

بحث إماراتي عن دور

وأوضح صالحة "في هذا السياق، تأتي زيارة الرئيس السوري إلى الإمارات واللقاء مع ولي عهد الإمارات ورئيس مجلس وزرائها - وعدم استقباله من قبل رئيس الإمارات العربية المتحدة - فمن جهة تعبر عن اهتمام القيادة الإماراتية بالملف السوري وإعطاء نفسها دوراً تكاد تفقده لحساب قطر التي تضخم حجمها السياسي في ملفات المنطقة حتى غدت رقماً صعباً في منظومة الخليج العربي والشرق الأوسط، وظفته في صراعها مع محور عربي الإمارات طرف فيه".

ومن جهة ثانية، بحسب صالحة "تشعر الإمارات وربما بالاتفاق مع السعودية ومصر أن (الغزو) الروسي لأوكرانيا وردود فعل الغرب تجاهه قد يخرج الملف السوري من أدراج الدول العظمى الفاعلة والمتدخلة فيه إلى الضوء وبقاء العرب خارج لعبة التسويات ليس في مصلحتها".

الباحث والأكاديمي السوري، أشار إلى أن "الطابع السياسي يغلب على الزيارة بالنظر إلى تشكيلة الوفد وتركيز المباحثات حول أمور سياسية وإنسانية وبقاء الزيارة دون المستوى البروتوكولي الأعلى؛ لأن الإمارات تدرك أن ذهابها في عملية إعادة إعمار منفردة في سوريا في الوقت الذي ترفض الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا المساهمة فيها طالما لم تتحقق التسوية السياسية وفق القرارات الأممية، وربما يكون انفتاح الإمارات على النظام السوري الآن في سياق البحث عن مخارج سياسية للمسألة السورية تحضيراً لما يعقب الحرب الروسية الأوكرانية أو استباق نتائجها".

حياد خليجي عن الصراع الروسي – الأميركي

ويرى مراقبون أن الخطوات الإماراتية والخليجية بشكل عام تأتي في إطار إرسال الرسائل المشتركة إلى كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

وبحسب المراقبين، فإن الدول الخليجية باتت تفقد الثقة بالحليف الأميركي في مواجهة النفوذ الإيراني والهجمات، بالإضافة إلى القلق من مصير مشابه للوضع الأوكراني، حيث أظهرت الدول الخليجية حيادها الواضح من التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

ولم تدعم الدول الخليجية العقوبات الغربية على روسيا بسبب تحركها العسكري في أوكرانيا، كما رفضت المملكة العربية السعودية مطالب أميركية متكررة برفع إنتاج النفط والتزمت باتفاقات منظمة أوبك+، نائية بنفسها عن الاصطفاف.

وفي هذا السياق، قال صالحة: "لقد بدأت تتوضح نتائج الحرب الروسية – الأوكرانية، فروسيا التي بنت استراتيجيتها على سقوط حكومة زيلينسكي المنتخبة خلال أيام من (الغزو) تفاجأت بمقاومة الشعب الأوكراني لـ (الغزو) وصمود الحكومة في قيادة هذه المقاومة، كما لم تتوقع ردود فعل قوية من الغرب تجاه (الغزو) واعتقدت أن الأمور ستسير مثلما سارت في (غزو) غروزني وجورجيا وضم القرم، وكلما طالت الحرب تتوضح نتائجها أكثر فأكثر وتغدو موسكو في وضع صعب ينعكس سلباً على قدرتها ومركزها في الملفات الأخرى ومنها الملف السوري".

ويرى صالحة أنه "في ظل هذا الوضع المعقد، تمسكت موسكو بملف البرنامج النووي الإيراني للدور الذي ستلعبه فيه في مواجهة ردود فعل الغرب على (الغزو) وتهدد بتعطيل الاتفاق النووي مع إيران، مما يقلق القيادة الإماراتية التي ترى أن إيران تبعث برسائل إلى الغرب عبر الإمارات بصواريخ ومسيّرات تبدو حوثية لكنها إيرانية بامتياز، وتعطل الاتفاق النووي قد يخلط الأوراق في غير مصلحتها، والرئيس السوري، من وجهة نظرها، قد يساعد في حلحلة موقف موسكو من الاتفاق النووي وموقف إيران من الاعتداءات الحوثية على الإمارات".

هل غضبت واشنطن حقاً؟

وأعربت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، عن شعورها بـ "خيبة أمل وانزعاج عميقين" من زيارة الأسد إلى الإمارات العربية المتحدة.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس إن الولايات المتحدة "تشعر بخيبة أمل وانزعاج عميقين" من زيارة الأسد، واصفاً إياها بأنها "محاولة واضحة لإضفاء الشرعية" على الأسد "الذي يظل مسؤولاً وخاضعاً للمساءلة عن وفاة ومعاناة عدد لا يحصى من السوريين، وتشريد أكثر من نصف السكان السوريين قبل الحرب، والاعتقال التعسفي واختفاء أكثر من 150 ألف رجل وامرأة وطفل سوري".

وأضاف برايس: "كما أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، نحن لا ندعم تطبيع الآخرين للعلاقات مع الأسد"، وتابع: "لقد كنا واضحين بشأن هذا الأمر مع شركائنا".

وأضاف: "نحث الدول التي تفكر في التعامل مع نظام الأسد على أن تفكر بعناية في الفظائع المروعة التي ارتكبها النظام تجاه السوريين خلال العقد الماضي، فضلاً عن جهود النظام المستمرة لمنع وصول الكثير من المساعدات الإنسانية والأمنية إلى سوريا".

وقال برايس إن بلاده "لن ترفع أو تلغي العقوبات ولا تؤيد إعادة إعمار سوريا حتى يكون هناك تقدم لا رجوع فيه نحو حل سياسي، وهو ما لم نشهده".

وأضاف: "نعتقد أن الاستقرار في سوريا والمنطقة لا يمكن تحقيقه إلا من خلال عملية سياسية تمثل إرادة جميع السوريين، ونحن ملتزمون بالعمل مع الحلفاء والشركاء والأمم المتحدة من أجل حل سياسي دائم".

وحول ذلك، قال مهيب صالحة: "تتراجع دائماً العلاقات الأميركية - الخليجية في ظل الإدارات الديمقراطية في البيت الأبيض وتتحسن في ظل الإدارات الجمهورية. والإمارات كما السعودية ومصر لم تتجاوب مع طلبات إدارة بايدن فيما يتعلق بحزمة الإجراءات العقابية على موسكو لأنها ترتبط مع موسكو بعلاقات اقتصادية وعسكرية وأمنية واسعة كما أنها فرصة لها للعب على تناقضات الطرفين لتحقيق مصالح نفطية وجيو استراتيجية، والملف السوري في مقدمتها، وزيارة الرئيس السوري الآن تفيد هذا التوجه وربما تفتح، إذا نجح هذا التوجه، أمامه أبواب عواصم عربية أخرى وأبواب الجامعة العربية".

ماذا بعد الزيارة؟

ويتوقف نجاح هذا التوجه بحسب صالحة على "مدى استجابة النظام السوري ليكون شريكاً عربياً في صيانة المصالح العربية وخاصة في مواجهة المصالح الإيرانية ومدى استعداده لتقديم تنازلات سياسية لشعبه في إطار القرارات الأممية إذ لا الإمارات ولا السعودية ولا مصر في نيتها الخروج من عباءة الغرب ولا الخروج من خيمة الأمم المتحدة التي يتظلل بها الجميع".

ويرى صالحة أن الإمارات أو غيرها "لا تستطيع التغريد خارج السرب الأممي فتكسر العقوبات على النظام السوري أو تشترك بإعادة الإعمار، لذلك من غير المتوقع أن تذهب الإمارات بعيداً في العلاقة مع دمشق وتبقى حدود هذه العلاقة مقيدة بتفاهمات دولية لا تستطيع تجاوزها، ومعروف أن دولة الإمارات في أي علاقة تخضع حساباتها للربح والخسارة، للعائد والتكلفة، والخروج عن الإرادة الأميركية والأوروبية ليست في مصلحة الإمارات طالما لم يقدم النظام السوري بادرة حسن نية تجاه الحل السياسي الأممي الذي الدول العربية طرف فيه بالرغم من خيانة بعضها له".

واختتم الدكتور مهيب صالحة، حديثه قائلاً: "زيارة الرئيس السوري إلى الإمارات لن تتجاوز حدود خروج الإمارات عن شبه الإجماع الدولي تجاه النظام السوري فتغدو خائنة وقت الحساب".

(ح)

ANHA