​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم

على الرغم من مرور 34 عاماً على واحدةٍ من أبشع المجازر ضد الإنسانية التي عاشها الشعب الكردي، يستمر الفكر الدكتاتوري للأنظمة المجاورة والمحتلة لكردستان في مساعي إبادة الكرد بشتى السبل، وتلعب تركيا رأس حربة هذه القوى.

​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
​​​​​​​حلبجة...مجزرةٌ في الذاكرة وخطرٌ مماثل يعيشه الكرد إلى اليوم
الأربعاء 16 آذار, 2022   03:49
كوباني - زانا سيدي

ما كاد للقرن العشرين أن ينتهي إلّا وأن تشهد الجغرافية الكردستانية حلقةً أخرى أشد قساوةً من سلسلة حلقات المجازر الدموية التي تعرض لها الشعب الكردي، فمن جبال ديرسم وآغري ووادي زيلان إلى سهول مهاباد مروراً بمجزرة سينما عامودا، شهد الكرد أبشع عمليات الإبادات الجماعية، ليصل الإجرام إلى أعلى مستوياته لدى نظام صدام حسين في استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الكرد في حلبجة.

أحداث المجزرة

شهدت تخوم مدينة حلبجة في جنوب كردستان وصول القوات الإيرانية إليها في المرحلة الأخيرة من حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران أو ما يعرف بـ"حرب الخليج الأولى"، لتتعرض مدينة حلبجة لقصف بالمدفعية والدبابات شنته القوات العراقية خلال يومي14 و15 من آذار/مارس 1988.

شهد يوم الجمعة هدوءاً غريباً حتى الساعة 11:30، ليّسمع فجأة دوي الانفجارات وأصوات الطائرات الحربية العراقية التي حلقت فوق المدينة والقرى المجاورة، حيث قّصفت المدينة التي كان يقطنها 80 ألف نسمة بالأسلحة الكيماوية.

استمر الهجوم لنحو 5 ساعات، فيما انتشرت جثامين آلاف المواطنين الكرد على الطرقات وأمام المنازل والأراضي الزراعية، حيث خلّف القصف نحو 5 آلاف ممن فقدوا حياتهم بينهم نساء وأطفال، إلى جانب إصابة ما بين 7 و10 آلاف مواطنٍ آخر.

وفقد الآلاف من المدنيين حياتهم في السنة التي تلت القصف نتيجة المضاعفات الصحية والأمراض والعيوب الخلقية، ولا يزال الكثير من عوائل الضحايا تحاول العثور على رفات أطفالها وشيوخها ورجالها الذين فقدوا أثناء القصف.

كان نظام صدام حسين قد اتخذ من وجود القوات الإيرانية بالقرب من المدينة ذريعةً لتنفيذ المجزرة، في إطار حملة الأنفال التي بدأها عام 1986 واستمرت حتى 1989 باجتياح مناطق في جنوب كردستان وارتكاب إبادات جماعية ضد الكرد، حيث فقد ما لا يقل عن 180 ألف مواطن لحياته في العملية.

وأكد خبراء لاحقاً، عقب إجراء تحاليل لعينات جمعت من المدينة والضحايا استخدام ثلاثة أنواع من الغازات السامة في قصف المدينة وهي (السيانيد، غاز الخردل السام، وغاز السارين الذي يوثر على الأعصاب).

هذا ولا تزال تؤثر القذائف الكيمياوية التي استخدمت قبل 34 عاماً على الطبيعة وعلى المزروعات وهو ما يسبب مشاكل ومعاناة للسكان.

كان جنوب كردستان شبه مغلق أمام العالم الخارجي في ذلك الوقت، ولم يتمكن الكرد من مشاركة معاناتهم وقصص هذه المأساة مع الآخرين، حتى وأن منظمة هيومن رايتس ووتش قد سجلت المجزرة في سجلاتها عام 1993 عقب 5 أعوام من المجزرة.

'في أي فرصة تسنح لهم سيرتكبون المجازر بحق الكرد '

عقب مرور 34 عاماً على واحدةٍ من أبشع الجرائم ضد الإنسانية، لا يزال الكرد في عموم كردستان يواجهون خطر الإبادة على يد الأنظمة الإقليمية المحتلة لأجزاءٍ كبيرة في كردستان.

يرى آزاد إبراهيم وهو كاتبٌ وصحفي في جنوب كردستان تحدث لوكالتنا، أن مجزرة حلبجة هي شكلٌ من أشكال الإبادة، وأن الإبادة ضد الكرد لا تزال مستمرة حتى يومنا الراهن بأشكال مختلفة، مشيراً إلى عدوان الاحتلال التركي في جنوب كردستان وروج آفا وأنها لا تختلف عن ممارسات نظام صدام الحسين، منوهاً إلى أن ما تفعله أنظمة أيران، تركيا وسوريا ضد الكرد ما هي إلا نسخ مصغرة عن مجزرة حلبجة".

ويضيف آزاد إبراهيم أن نظام صدام حسين لم يقرأ الواقع الكردي وسياسته وثقافته واجتماعيته، إنما كان دكتاتوراً حاول إنهاء الوجود الكردي عن طريق المجازر، موضحاً أن الأنظمة المجاورة لكردستان تسعى لملأ فراغ نظام صدام حسين ومواصلة المجازر بشتى السبل، وإن كل مجزرة وواقع دموي للكرد هو مرتبط بأحداث قبلها تتناوب الأنظمة على ممارستها ضد الكرد.

وحول المرحلة الحالية يشير آزاد إبراهيم "رغم مرور 19 عاماً على سقوط نظام صدام حسين، إلّا أن المنطقة تعاني من الفكر الدكتاتوري، إننا أمام واقعٍ لئيم إنهم يدّعون الديمقراطية لكن جميعها شعارات لا أساس لها، ففي أي فرصة تسنح لهم سيرتكبون المجازر بحق الكرد، سواء أكان في تركيا أم العراق، سوريا أو إيران".

برادوست ميتاني:

من جانبه يرى الكتاب والمؤرخ الكردي برادوست ميتاني في حديثه لوكالتنا، أنه ما دام الفكر والثقافة الإنسانية وأخوة الشعوب مفتقدة لدى الأنظمة والحكومات في الشرق الأوسط فإن الكرد معرّضون لخطر الإبادة.

يتأسف برادوست لواقع الأنظمة المستبدة مشيراً "للأسف إنهم لا يعتبرون الكرد ذو ثقافة وتاريخٍ عريقٍ وعميق، لا يعتبرون الكرد وجوداً، إن هذه الأنظمة مفتقدة للمشاعر الإنسانية، إنهم مدرّبون على ثقافة السلطة والإبادة، لذا فإذا كان الكرد ذو هوية وذو تاريخ وأصحاب ثقافة ولغة وكانوا مبدعين في عديد المجالات يجب أن يحمي الشعب الكردي كل هذه الأشياء عن طريق القوة العسكرية، لأنها الحل في إيقاف عجلة المجازر بحق الكرد".

كما ويتحدث ميتاني عن الواقع الكردي في المرحلة الراهنة والدروس التي استخلصوها من مجزرة حلبجة، قائلاً " إن الكرد اللذين عاشوا هذه الويلات، لا يزالون يلهثون خلف الغطاء الإسلامي المزيف التي تدعيه إيران على وجه الخصوص والأنظمة الأخرى، إننا أمام زيف وفخ هذه الجماعات التي تدّعي الإسلام حتى عندما تعرضت حلبجة للهجوم الكيماوي لم يعارض أحد من الأئمة وما يسمون بالعلماء المسلمين هذه الفاجعة بل أيّدوا صدام حسين في هجومه".

ويضيف برادوست "أن أهم درس أيضاً يمكن استخلاصه هو أنه يجب أن تكون العلاقات الدبلوماسية مقروءةً جيداً، إلى أي مدى تقع في خدمة الشعب، كانت حلبجة ضحية سوء فهم للعلاقات المنعقدة مع الجوار، لكن اليوم إلى أيّ مدى نقرأ ذلك، أيُّ الدول هي التي زودت النظام العراقي بالأسلحة الكيمياوية كيف هي علاقتنا مع هذه الدول اليوم، أود التحدث هنا عن علاقة الكرد بالاتحاد السوفيتي، كان الكرد يتطلعون إلى الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي إنه مشروع الخلاص، وكانوا يبدون اهتماماً كبيراً بذلك، لكن السوفيت حولوا الكرد إلى لقمة سائغة للأنظمة الإقليمية ولم يعيروا أي اهتمامٍ للكرد".

'الانقسام الحالي لا يزال يهدد الوجود الكردي '

يرى بعض المحللين السياسين والأطراف الكردية، أن الانقسام الحزبي والتصرف وفق المصالح الحزبية، فتح المجال أمام نظام صدام الحسين لأن يرتكب المجزرة، وأن تصبح المدينة ضحية الانقسام الحاصل آنذاك، كما واستغلت الأحزاب الكردية في جنوبي كردستان هذه المجزرة لمصالحها وبدأت تروج لذلك.

يختلف رأي الكاتب آزاد إبراهيم حول هذه التحليلات، إذ يعتبر أن المجزرة أكبر بكثير من نشاط الأحزاب السياسية في جنوب كردستان آنذاك، وأن الأوضاع في كردستان كانت متشابكة بين الدول الإقليمية في المنطقة.

من جانبه يشير برادوست ميتاني أن الانقسام الحزبي كان له تأثير كبير في أن يتعرض الكرد للمجزرة، مشيراً أن الانقسام الحالي لا يزال يهدد الوجود الكردي ولا سيما في الأواسط السياسية في جنوب كردستان، على الرغم من وجود برلمان إلى أنه لا يمثل الواقع المعاش، وأن المشاكل التي تطفو على سطح هناك، تعبّر عن مدى عمق المشكلة الكردية بشكل عام.

محاكمة مرتكبي المجزرة

كان وزير الدفاع العراقي الأسبق علي حسن المجيد الذي لقّبَ عقب الهجوم بـ"علي الكيماوي" أحد أبرز وجوه نظام صدام الحسين، والعقل المدبر للهجوم الكيمياوي ضد حلبجة وحملة الأنفال.

وبعد إعدام صدام حسين 2006، كانت المحكمة الجنائية العليا في العراق قد حكمت ونفذت حكم الإعدام عام 2010 بحق علي حسن المجيد الذي أدين بجرائم القتل والإبادة الجماعية إلى جانب سلطان هاشم أحمد وحسين رشيد محمد لارتكابهم إبادة جماعية، وسلم الحبل الذي شنقوا به إلى بلدية حلبجة.

كما حاكمت محكمة الجنايات الدولية العليا في لاهاي بهولندا رجل الأعمال "فرانس فان" الذي اشترى المواد الكيميائية في السوق العالمية وباعها لنظام البعث العراقي بالسجن 15 عاماً، بحسب ما أكدته وكالات أنباء هولندية.

وفي التوقيت الذي أدخلت فيه المدينة بسبات طويل، يقف العالم وخاصة الشعب الكردي في كافة أنحاء العالم كل عام في الساعة الـ 11:30 من يوم 16 آذار، دقيقة صمت استذكاراً لضحايا مجزرة حلبجة.

الاعتراف بالإبادة الجماعية

مجزرة حلبجة، لم تترك المجال أمام العالم لتحريف القوانين وأحكامها، لأن هذه المجزرة وافقت معايير اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 في التعريف بالابادات الجماعية.

إذ اعتبرت المحكمة الهولندية مجزرة حلبجة تستوفي الشرط المنصوص عليها في اتفاقيات الإبادة الجماعية بوصفهم جماعة عرقية من الناحية القانونية.

وفي 5 كانون الأول 2012، أقر البرلمان السويدي بأن مجزرة حلبجة، هي إبادة جماعية بحق الكرد، كما اعترفت غيرها من المحاكم بالإبادة الجماعية في حلبجة.

عقب حلبجة...3 عقود ولم تتوقف المجازر

إذ شهد عام 1993 تهجير الكرد على يد الاحتلال التركي من 4 آلاف قرية في شمالي كردستان نحو العراق كرهاً ودون تقديم أي حجة قانونية، وحرق القرى والمحاصيل الزراعية واعتقال المئات وزجهم في السجون.

كما وشهد العام 2004 أول انتفاضة كردية في سوريا من مدن روج آفا وبالتحديد مدينة قامشلو وصولاً إلى العاصمة دمشق عقب مباراة كرة قدم، تحولت إلى أعمال قمع ضد الشعب الكردي وأدت لمجزرة بحق الشباب الكردي حيث استشهد 40 شاباً فيما أصيب العشرات، واعتقل الآلاف في عشرات المدن.

لم يخلو العقد الممتد من 2010- إلى 2020 من المجازر والجرائم التي شهدها الكرد في كردستان، على يد تركيا والمجموعات المرتزقة وفي مقدمتهم داعش.

إذ سالت دماء الكرد في بلدات تل حاصل وتل عرن بالقرب من مدينة حلب نتيجة وحشية جبهة النصرة، إلى مدينة كوباني التي شهدت أعنف المعارك خلال عقد من الحرب الدائرة في سوريا، واستشهاد المئات من الكرد لتحرير المدينة من داعش.

لم يختلف مشهد الدمار والدماء في مدن الكرد في عفرين، سريه كانيه، وكري سبي خلال العدوان التركي الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة وارتكب عمليات إبادة جماعية ضد الكرد أمام أنطار المجتمع الدولي.

فيما لا يمكن نسيان واحدةً من أقسى مآسي الشعب الكردي عندما هاجمت داعش منطقة شنكال في آب/آغسطس 2014 وارتكب فظائع وجرائم راح ضحيتها ما يقارب 5 آلاف كردي، وسبي النساء إلى مدن الرقة، دير الزور والموصل.

فيما دمر جيش الاحتلال التركي 13 مدينة كردية عام 2016 في شمالي كردستان بينها مدن نصيبين وجزيرة بوطان وآمد، في أعنف هجوم في شمالي كردستان منذ انتفاضة ديرسم 1937، وفقد المئات من الشبان والشابات الكرد لحياتهم وسطَ تعتيمٍ إعلامي.

كما أن مجازر روبوسكي وبرسوس وأنقرة التي راح ضحيتها جميعاً ما يقارب الـ 200 شخص، أظهرت وحشية الأنظمة التي تشن الهجمات على الكرد في القرن الجاري.

هذا ولم تكترث المحافل الدولية بالكوارث الإنسانية التي نجمت عن الغزو التركي لمناطق شمال وشرق سوريا، وقبلها هجمات المجموعات المرتزقة الإرهابية والمجازر في كردستان بشكلٍ عام، بل تجاوزت ذلك إلى المقايضة بارتكاب تركيا جرائم حربٍ في سوريا، في إطار ما يخدم العلاقات الدولية ومصالح القوى الكبرى، وذلك بعيداً عن الواقع المتمثل على الأرض، إذ تمثل هذه المجازر واقع الكرد المعاش منذ أكثر مئة عام.

(ج)

ANHA