"الأطفال الذين لعبنا معاً قبل سويعات استشهدوا".. شهود عيان يروون تفاصيل مجزرة المحمودية

"كان النواح والبكاء سيد المشهد؛ والأشلاء متناثرة في الطريق وعلى جانبيه وسط برك الدماء التي ملأت المكان نتيجة غارات الطائرات الحربية التركية على الأهالي الذين أبوا الخروج من مدينتهم، وقاوموا العدو فكان رده بارتكاب مجزرة جماعية بحقهم"، بهذه الكلمات وصف شهود عيان تفاصيل مجزرة المحمودية.

"الأطفال الذين لعبنا معاً قبل سويعات استشهدوا".. شهود عيان يروون تفاصيل مجزرة المحمودية
الثلاثاء 15 آذار, 2022   22:34
الشهباء- فراس إبراهيم – غاندي علو

المهجرة كوناي مصطفى في عقدها الرابع، من أهالي قرية عارابو التابعة لناحية موباتا في مقاطعة عفرين المحتلة، شاهدة على مجزرة حي المحمودية التي ارتكبتها طائرات الاحتلال التركي في 16 آذار من عام 2018 (تاريخ ارتكاب مجزرة حلبجة عام 1988) والتي راح ضحيتها 21 شهيداً وعشرات الجرحى.  

عاشت المواطنة كوناي أحداثاً مروعة خلال تواجدها في المقاطعة إبان الهجوم الاحتلالي التركي الذي استمر 58 يوماً، تسردها بتفاصيلها وتستذكرها على أنها ذكرى أليمة ستبقى معلّقة في ذاكرة أهالي عفرين.

'ما حدث في عفرين هو وجعٌ ومقاومة '

وتسرد كوناي تفاصيل الهجوم منذ أيامه الأولى عندما كانت في قريتها عارابو، فتقول: "ما حدث في عفرين هو وجعٌ ومقاومة، عندما كنا في قرية عارابو كنت أعمل في منسقية مؤتمر ستار، ومع بدء الهجمات ونتيجة تحليق الطيران الحربي المكثف على المقاطعة لم نكن قادرين على استخدام وسائل النقل لذا كان عملنا يمضي على الأرجل، كان عملنا الأساسي هو الذهاب إلى القرى وتوعية الأهالي وحثهم على عدم الخروج منها، وكانت لي مقولة أساسية أوجهها لهم وهي "لا تخرجوا من قراكم لأنه إن خرجتم ستندمون وتقولون متى سنعود"، لم نكن نعلم معنى الخوف فكنا نخرج ليلاً لوحدنا أنا وزميلتي في العمل لإنجاز مهامنا وسط تساقط الأمطار والقذائف في نفس الوقت، وكنت أترك أطفالي الثلاثة في مغارات القرية وأتوجه إلى عملي وبقينا على هذا المنوال لمدة 38 يوماً، كنا نداوي الجرحى ونرسلهم إلى مشفى آفرين، كما كنا نؤمّن احتياجات المقاتلين".

تستذكر كوناي ذكرى مقاتلة استشهدت بعد أن التقتها وتحادثتا: "قبل خروجنا من القرية بيومين جاءتنا مقاتلة تدعى فيدان قالت لي أشعر بأنني سأستشهد هذه المرة فقمنا بالتجمع حولها والغناء وإعداد الطعام لها، كانت قادمة من شرق كردستان لنصرتنا، ولم تصل المقاتلة إلى نقطة الاشتباكات حتى غارت عليهم طائرة حربية واستشهدت".

عند خروج كوناي وأسرتها من قريتهم عارابو نتيجة احتلالها من قبل جيش الاحتلال التركي، توجهوا إلى حي المحمودية في مركز مدينة عفرين، وبذلك أصبحت شاهدة على المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في الـ 16 من آذار 2018 هناك.

وتقول عن ذلك: "توجهنا إلى حي المحمودية في مدينة عفرين بالتشارك مع أسرة في منزل واحد، في 16 آذار من 2018 وقعت إحدى عشر قذيفة على محيط المنزل وغارت الطائرات الحربية على الحي، كنا 11 شخصاً في المنزل، كنت نائمة عندما رأيت نفسي أطير نتيجة ضغط الانفجارات قد وقعت قريبة جداً هذه المرة منا، لم أعلم ماذا حدث كنت ما أزال في وقع الصدمة فقط أتذكر بأنني تمنيت أن يبقى لي طفل واحد حياً، لأنني قطعت الأمل بنجاتهم وبسرعة خرجت من ذاك المنزل فرأيت شاباً اسمه أحمد قد أنقذ أطفالي وأنزلهم إلى القبو عندما رأيتهم حمدت الله لنجاتهم ولكن طفلتي الكبرى زيلان كانت فاقدة الوعي والدماء تغطي وجهها، عدت إلى ذاك المنزل كانت ابنتي تتواجد في الحمام أثناء وقوع القذيفة وبقيت لحين هدوء الوضع ولم تكن تعلم بأننا خرجنا من ذاك المنزل فعندما عدت عاتبتني وقالت لي لماذا خرجتم وتركتم أغراضكم كان لها قلباً لا يطاله الخوف كانت مصدر معنويات بالنسبة لنا جميعاً".

'فقط أنقذوني لا أريد أن يقبضوا عليّ '

وعن المجزرة سردت كوناي: "عدنا إلى القبو كان هناك 50 شخصاً وخرج الجميع وبقينا 7 اشخاص ومن بينهم مسن عمره 70 عاماً قال لي يا ابنتي اخرجوا أنتم فإن اعتقلوني سيقتلونني ولكن إن اعتقلوكم سيفعلون ما هو أسوأ وها قد وصلوا إلى تخوم عفرين وأصواتهم باتت تصل إلى آذاننا يقولون نحن قادمون أيها الكفار. كان النواح والبكاء سيد المشهد حينها الجميع كانوا فقد فقدوا شخصاً أو أكثر من أسرته. في ذلك الوقت جاء زوجي وحمل ابنتنا الكبرى على ظهره لأنها لم تتمكن من السير، أثناء خروجنا من عفرين كانت الدماء تغطي كل مكان، كان هناك شاب على قارعة الطريق قد فقد ساقه ويطلب النجدة ويقول فقط أنقذوني لا أريد أن يقبضوا عليّ. كانت هناك مرأة تمسك بكلتا يديها طفليها والآخر تحمله على ظهرها وهي حبلى تهرب من الموت حافية القدمين وهي تنوح في مشهد يختصر وحشية العدو، في أثناء ذلك كان هناك شاب يافع يحمل والدته المسنة على ظهره وقد وصلت أصابع قدمها على الأرض تجرجرهما، وحين وصلنا إلى جبل ليلون كانت هناك مرأة تطالب الفارين بأخذ جثة ابنها المقتول الذي لفته بالدثار ودفنه فقط كي لا يبقى دون قبر فقواها لا تقدر على حمله. لم أستطع تحمل كل ذلك فأغلقت عيني إلى حين وصولنا إلى مقاطعة الشهباء".

ابنة المواطنة كوناي مصطفى والتي تدعى زيلان خليل البالغة من العمر 18 عاماً حدثتنا عن أيامها التي قضتها إبان الهجمات الاحتلالية "كنت أملك شغف التصوير، لذا عند سقوط القذائف على قريتنا ومحيطها كنت أقوم بتصويرها، كان لدي أيضاً هواية الكتابة فكنت أقضي يومي بكتابة مذكراتي عن الرفاق والرفيقات الذين أتوا واستشهدوا وعن الشعور الذي يطالنا حيال سقوط قذائف الموت علينا".

وتتحدث زيلان عن حادثة وقعت معهم خلال نزوحهم إلى حي المحمودية: "توارينا عن أنظار أهلنا وتسللنا إلى حديقة المحمودية لنلعب فسقطت قذيفة بالقرب منا فارتمينا على الأرض، كما كان الرفاق قد علّمونا ولم نصب بأذى".

كما وسردت زيلان حادثة إصابتها خلال وقوع مجزرة المحمودية "في إحدى الأيام وبينما نحن في المنزل وقعت قذيفة بالقرب منا فوقع عامود الكهرباء على شرفة المنزل وبينما كنت أنا أخرج من الغرفة وقعت قذيفة على تلك الغرفة ففقدت الوعي ولم أعلم ما حدث بعد ذلك. كنت أتخيل بأنني سأعود للعب في الحديقة وأركب المراجيح ولكن حال خروجي ذهب خيالي أدراج الرياح إذ أن الأطفال الذين كنا نلعب معهم قبل سويعات كانوا قد استشهدوا فكان لهذا المشهد تأثير على نفسيتي فبت لا أستطيع التكلم لفترة زمنية طويلة وأفقد الوعي باستمرار، لا أتذكر كيف هجرنا فقد بقيت ألازم الفراش لمدة أسبوع".

(س ر)

ANHA