​​​​​​​دمشق تسعى لتحريف مسار احتجاجات السويداء وسياسي يؤكد: الحل بتأسيس إدارة لا مركزية

تتواصل الاحتجاجات الشعبية في مدينة السويداء، وسط مساع من قبل حكومة دمشق على لجمها وتحريف مسارها الحقيقي بدلاً من القيام بإصلاحات فعالة تخفف من الأزمة السورية المستمرة منذ 10 سنوات، ويرى سياسي سوري أن الحل يكمن في تأسيس إدارة لامركزية تضمن لكافة السوريين حقوقهم.

​​​​​​​دمشق تسعى لتحريف مسار احتجاجات السويداء وسياسي يؤكد: الحل بتأسيس إدارة لا مركزية
الإثنين 7 آذار, 2022   03:14
مركز الأخبار - ليلاف ديواني

تسعى حكومة دمشق بشتى الأساليب إلى لجم الاحتجاجات التي تشهدها مدينة السويداء وتحريف مسارها، سواء من خلال إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى المدينة ومحيطها وترهيبهم بعودة "داعش" إلى المنطقة، أو من خلال اتهام المحتجين بالعمالة للخارج وعلى وجه التحديد لإسرائيل.

وتشهد مدينة السويداء احتجاجات شعبية منذ مطلع شهر شباط الماضي، اعتراضاً على القرارات الاقتصادية والسياسات التي تتبعها حكومة دمشق، إذ تطورت المطالب من التنديد بالواقع المعيشي إلى الهتاف بـ "إسقاط النظام السوري" والمطالبة بتطبيق القرار الأممي 2254 المنصوص على الانتقال السياسي في سوريا.

كما دعت قوى سياسية وشخصيات عديدة من أبناء المحافظة، لتطبيق نموذج الإدارة الذاتية الذي تم تطبيقه في شمال وشرق سوريا.

فوضى وقتل

وعلى خلفية الاحتجاجات والتعزيزات العسكرية، زار وفد عسكري روسي المدينة في 10 شباط المنصرم، والتقى محافظها ورئيس فرع "أمن الدولة"، نمير مخلوف، الذي كان قد أصدر سابقاً أوامر لأحد قياديي المجموعات المحلية المسلحة في السويداء، تبيح قتل المدنيين بذريعة "فرض هيبة السلطة"، بحسب تسجيلات صوتية نشرتها صحفة السويداء "ANS".

وتعيش مدينة السويداء حالة من الفلتان الأمني وانتشار العنف والقتل، إذ وثقت شبكة "السويداء 24" خلال شهر شباط، حدوث حالتي قتل، وإصابة أربعة آخرين، جراء حوادث عنف متفرقة في المدينة.

مدنيان قُتلا في حادثتين منفصلتين، الأول جراء استهداف مجهولين له بعيارات نارية، أثناء قيادته سيارة مسروقة، والثاني قتله مجهولون أيضاً أمام مكان عمله، وفي حوادث متفرقة، أصيب أربعة مدنيين بجروح، بينهم امرأة، بالإضافة إلى اختطاف ثلاثة مدنيين من قبل عصابات مسلحة.

مطالب بإصلاح الواقع

وفي تسجيل مصوّر من السويداء أكد منفذو الوقفة الاحتجاجية على ضرورة فتح ملف الفساد ومحاسبة المسؤولين الفاسدين، وإعادة المال المنهوب إلى خزينة الدولة، وإلغاء البطاقة الذكية وتأمين كافة حقوق المواطن السوري وفق الدستور وتحقيق العيش الكريم وتأمين جميع متطلباته من مياه ومحروقات ولوازم مستشفيات وتعليم ومواد غذائية بأسعار مدعومة في كل وقت ومن دون قيود.

كما طالبوا الحكومة بالكشف عن مصير المعتقلين حسب القوائم وعرضهم على القضاء النزيه ومتابعة ملف المفقودين ومعرفة مصيرهم، ومنع انتشار المخدرات، وتأدية حقوق ذوي "الشهداء" والجرحى على امتداد مساحة الوطن دون تمييز.

"فرق تسد"

وفي تصريح خاص لوكالتنا، عزا العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب ياسين البلخي، احتجاجات السويداء الأخيرة إلى المعاناة والقهر والحرمان والفوضى إلى جانب الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتأزمة التي عاشتها المدينة منذ أعوام.

وسلّط البلخي الضوء على ما شهدته المدينة قبيل الاحتجاجات الأخيرة، وقال: "السويداء حالها كحال أي منطقة في سوريا عانت من فرض سلطة النظام بالقوة واستعمال سياسة الترهيب والقليل من الترغيب على مدار سنوات حكم هذا النظام الإرهابي السارق للسلطة في دمشق".

وتابع: "فمنذ انطلاقة الثورة عام 2011، كانت ذاكرة 2000، لاتزال حاضرة، التحق الكثير من أهالي السويداء بالثورة وخرجت المظاهرات في الكثير من مدن وبلدات السويداء مؤيدة للثورة وللمدن المحاصرة والمنكوبة، وتم اعتقال الكثير من أبناء السويداء ولازال الكثير منهم مغيباً لليوم واستشهد الكثير من أبناء المحافظة على سهل حوران بين أخوتهم أثناء الدفاع عن المناطق هناك والتصدي لآلة القتل ودعم أهل الجبل وأهل السهل بكل ما يستطيعون أثناء فرض الحصار على درعا ومناطقها".

وفي عام 2000 نشب صدام حاد بين دروز السويداء وبدوها، إثر قيام بعض العناصر من البدو المرتبطين بأجهزة الأمن التابعة لحكومة دمشق بخرق الأعراف الاجتماعية في المنطقة، ولكن في الحقيقة لم يكن صراعاً مع البدو كما صورها وصدرها "إعلام حكومة دمشق"، ولم يكن البدو طرفاً أساسياً به، فجميع من قضوا في أحداثها والذي بلغ عددهم 25 قتيلاً، كانوا قد قتلوا برصاص قوات حكومة دمشق، مما أدى إلى انفجار الاحتجاجات في ساحات المدينة، سارعت الحكومة إلى لجمها من خلال زرع الفتنة والتدخل العنيف ضد أبناءها.

ونوه ياسين البلخي إلى أن "جهد النظام وفروعه الأمنية كانت منصبة على منع حصول أي تقارب بين المحافظتين في الجنوب (السويداء ودرعا) بأي شكل من الأشكال وذلك تم باستدعاء الزعران واللصوص المطلوبين للدولة بقضايا جنائية وأخلاقية والزج بهم بمشروع الفوضى وإشعال الفتنة بين المحافظتين، لتحييد السويداء بكل ما تعنيه ليستطيع بعد ذلك إكمال مشروعه بأسلمة الثورة".

وأضاف: "ولكن بقاء السويداء على الحياد كان أمراً طيباً للجميع فقد أبعدت أبنائها عن القتال وكانت الملاذ الآمن للكثيرين ممن فقدوا بيوتهم وباتوا مهددين من درعا ودمشق وريف دمشق والذين لازال الكثير منهم بالسويداء حتى الآن، كما تمكنت إيران من توسيع نفوذها في السويداء وإرضاخ السلطة التابعة للنظام لنفوذها الذي رعى عصابات الخطف والقتل والترويع والمخدرات بالمحافظة".

وبيّن البلخي أن هذه الفوضى قوبلت برفض شعبي في السويداء، دفع أبناءها إلى تشكيل قوى سياسية وعسكرية كحركة "رجال الكرامة" التي تأسست عام 2013، ومضى في حديثه قائلاً: "مما دفع النظام إلى اتباع سياسة ترهيب بحق أبناء المحافظة من خلال إدخال الدواعش إلى الريف الشرقي لارتكاب المجازر بحقهم، بهدف إبقاء المحافظة خارج معادلة الحياد والزج بهم للمحرقة التي يديرها".

رسالة تهديد

ولفت ياسين البلخي إلى أنه منذ ذلك الوقت وإلى الآن لا تزال مدينة السويداء تعاني من القهر والحرمان والفوضى، وتأزم في الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي آلت إلى كل هذه الاحتجاجات.

ومع اندلاع الاحتجاجات سارعت حكومة دمشق في إرسال تعزيزات عسكرية إلى المدينة، بذريعة الخوف من عودة داعش إلى المنطقة، إذ قالت شبكة "السويداء 24 المحلية"، إن الحديث عن خطر داعش عاد إلى الواجهة في السويداء، بعد تجول تعزيزات الأجهزة الأمنية للحكومة في بعض القرى الشرقية المتاخمة للبادية، التي لم تشهد أي نشاط واضح لمرتزقة داعش منذ ثلاث سنوات.

والتقى ممثلون عن قوى الأمن بعض وجهاء السويداء لإبلاغهم عن سبب الجولة، زاعمين وجود مخاوف من تجدد نشاط خلايا داعش في البادية، مشيرين إلى أن حكومة دمشق قد تنشر نقاطاً عسكرية في المنطقة الشرقية خلال الأيام المقبلة، لـ"حماية السكان"، بحسب الشبكة المحلية.

وتعليقاً على ذلك، يقول ياسين البلخي: "تلويح النظام بأن هذه التعزيزات لحماية المحافظة من أي اجتياح لداعش بمثابة رسالة للمحتجين مفادها "إن لم تنتهوا سنطلق داعش بينكم. كونه زج بأتباعه من المتسلقين واللصوص وقادة الصدفة بين صفوف المحتجين لحرف الاحتجاجات وجعلها تخريبية ولكنها لم تنجح بذلك كما نجحت في الكثير من المناطق السورية المحتجة عام 2011، وما بعده".

وكان مرتزقة داعش قد شنوا هجوماً على قرى ريف السويداء الشرقي في عام 2018، ما أسفر عن مقتل نحو 200 شخص وسط انتقادات محلية لقوات حكومة دمشق التي تركت أبناء المنطقة يواجهون الهجمات بمفردهم.

عجز... ونوايا مكشوفة للعلن

وحول اتهام بعض وسائل الإعلام التابعة لحكومة دمشق المحتجين بالعمالة للخارج ولإسرائيل على وجه التحديد، يؤكد البلخي أن "اتهام المحتجين بالتآمر لصالح إسرائيل كما تدعي بعض منابر الإعلامية التابعة للنظام لا يدل سوى على عجز النظام أمام هذه المظاهرات العارمة بكل مناطق السويداء، فهو لم يستطع اتهامهم بالإرهاب الإسلامي فظن أنه سيتمكن العزف على الوتر القومي والمقاومة التي يدعيها، ولكن باتت هذه المعزوفة نشاز ومعروفة للجميع".

ويوضح البلخي أن "هذه طبيعة الاستبدادية والدكتاتورية لدى النظام، عند أي احتجاج عليهم فبدل المقابلة بالإصلاح الحقيقي ورفع المعاناة التي أدت لخروج هذه المظاهرات، يجري شيطنتها وتخوينها والتصدي لها بالترهيب والتهديد وهذا يدفع لتأزيم الأوضاع أكثر والدفع للمواجهة التي يكون هو متحضراً لها ومعداً لها كل الأسباب والتحالفات المطلوبة، وهذا سيدفع بالحرب التي يريده وهو لا يدرك أي سبيل لبقائه غير العنف والقوة المسلحة التي يملكه ولا يملكها معارضيه".

وأردف: "وهنا ننوه أيضاً إلى ما بقي من البلد ليقدمه لحلفائه، فلم يبق بيده أي شيء حتى سلطته باتت بأيديهم وبات هو مجرد منفذ لسياساتهم ومنفذاً لإرادتهم حتى الجيش والأمن باتوا مجرد ميليشيات منقسمة التبعية لإيران وروسيا، وهذا يدفع بسوريا لخطر كارثي وخاصة أن في الشمال السوري محتل ثالث بفكر آخر وأجندة مختلفة (تركيا)، وفي حال تصارعت هذه الإرادات على الساحة السورية سنكون مجرد أدوات حرب لا ناقة لنا فيها أو جمل".

ونوه البلخي إلى أن "كل ما نراه من فلتان أمني سواء بالسويداء أو أي منطقة في عموم سوريا يكون النظام أول وأكبر الداعمين والمستفيدين منها، كونه يدرك تماماً هو وحلفائه أن أي هدوء وعودة للحياة الطبيعية وكف السلاح بمثابة نهاية حتمية له ولهم، وفضح لجرائمهم بحق الشعب السوري سواء كانوا معارضين أو موالين".

الإدارة اللامركزية حل ومطلب السوريين

وأبدى ياسين البلخي مؤازرته لأبناء السويداء بالقول: "لأهالي السويداء الحق بالتعبير عن رأيهم ومطالبهم وامتلاك إدارتهم وجميعنا معهم كون مطالبهم تمثل مطالب الشعب السوري بأكمله وبكافة مكوناته".

ويرى العضو المؤسس في التجمع الوطني السوري في الجنوب ياسين البلخي، أن الإدارة اللامركزية هي الحل الأنسب الآن لسوريا لما فيها من تقليص لسلطة الفرد وإبعاد القوى الأمنية عن التدخل بكل شيء، ولما يوفره من الحرية والعدالة الاجتماعية والدفع بالتنمية الحقيقية التي تفيد كل منطقة حسب خصوصيتها، وقال إن تطبيق القرار الأممي 2254 الخاص بسوريا هو السبيل لإنهاء الحرب والفوضى، وإعطاء الشعب الحق في اختيار إدارتهم الحقيقية التي يريدونها بشكل سلمي.

(ح)

ANHA