​​​​​​​سد النهضة.. ماهي أغراض أثيوبيا وهل تتأثر مصر والسودان؟

يرى مختصون أن إعلان أثيوبيا تشغيل سد النهضة هو خطوة رمزية يستخدمها أبي أحمد للدعاية السياسية، ولفتوا إلى أن موقف مصر واضح حيال أزمة السد وهو التوصل إلى اتفاق ملزم لجميع الأطراف، ولكن الحكومة الأثيوبية تستمر في إجراءاتها الأحادية بعيداً عن دولتي المصب مصر والسودان.

​​​​​​​سد النهضة.. ماهي أغراض أثيوبيا وهل تتأثر مصر والسودان؟
الخميس 24 شباط, 2022   03:16
القاهرة - أماني عزام

في تفاقم جديد لأزمة سد النهضة أعلنت أثيوبيا، أنها بدأت إنتاج الكهرباء من السد المثير للجدل، الذي بنته أديس أبابا على النيل الأزرق وأثار مخاوف مصر والسودان من احتمال تأثر حصتهما من مياه النهر.

وفي أعقاب الإعلان الأثيوبي، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً بشأن بدء إنتاج الكهرباء من سد النهضة، معتبرة أن الخطوة "تعد إمعاناً من جانب أديس أبابا في خرق التزاماتها".

وفي هذا السياق، يقول الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، إنه رغم إعلان الافتتاح الرسمي لسد النهضة، إلا أنه لم يشاهد أي صورة أو فيديو تؤكد خروج مياه نتيجة التشغيل الى حوض التجميع والتي يجب أن تظهر على شكل نافورة.

توقف التوربينات

وأوضح شراقي في تصريح خاص لوكالتنا أنه على الرغم من قيام رئيس الوزراء الأثيوبي بتشغيل توربين في سد النهضة من توربينين يمثلان المرحلة الأولى التي كان مقرراً لها 44 شهراً من وضع حجر الأساس عام 2011، قدرة كل توربين 375 ميغاواط في حالة التشغيل الكامل بعمود مائي ارتفاعه 80 متراً من أعلى مستوى للبحيرة. أما المستوى الحالي للبحيرة فهو بعمود مائي حوالي 15 متراً فقط مما يجعل توليد الكهرباء في حدود 100 ميغاواط فقط، وهذه كمية ضعيفة للغاية، وسوف يقل العمود المائي تدريجياً إلى أن تتوقف التوربينات، ولهذا السبب سوف تعمل ربما عدة ساعات أسبوعياً.

رفع الحالة المعنوية للأثيوبيين

وأكد شراقي أن التشغيل المحدود لأحد التوربينين لن يضر مصر أو السودان مائياً ولن ينفع أثيوبيا مائياً أو كهربياً، ولكنه يحقق الهدف الأثيوبي وهو الاحتفال بالتشغيل حتى لو كان لإنارة لمبة واحدة، لرفع الحالة المعنوية بعد تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية وتحسين صورة الحكومة الأثيوبية، خاصة أبي أحمد، بعد الحرب الأهلية مع جبهة تحرير شعب التيغراي، لافتاً إلى أن التشغيل الحالي سوف يؤدي الى تجفيف الممر الأوسط، وأيضاً سوف يفرغ مياه التخزين الثاني بأكمله للسودان ومصر، كما سيزيد التشغيل من التوتر بين الأطراف الثلاثة لكونه دون اتفاق.

إجراءات فردية

فيما قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في القاهرة، إن موقف وزارة الخارجية المصرية وبيانها كان مهماً جداً لتسجيل موقف مهم حول رفض الإجراءات الفردية التي تقوم بها أثيوبيا في هذه الخطوات والتأكيد على عدم مشروعيتها، الأمر الذي قد يدفع القاهرة إلى إعادة تدوير الملف في الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن.

وأوضح فهمي في تصريح لوكالتنا "أن القضية ليست في الاستفادة من تشغيل الكهرباء، ولكن هناك خطوات ما تزال مرحلية مرتبطة بالتشغيل الكامل وضرورة توصل الأطراف المعنية الثلاثة إلى اتفاق، ولكن ما يحدث هي إجراءات فردية لا معنى لها ولا يمكن إقرارها أو الاعتراف بها".

مسارين

وأشار استاذ العلوم السياسية إلى أن أمام مصر مساران للتحرك في هذا التوقيت، المسار الأول هو العودة إلى المفاوضات من خلال السنغال أو رئاسة الاتحاد الأفريقي، وهو أمر مهم للغاية مع ضرورة إقرار عدم الاعتراف بأي إجراءات أحادية أو تشغيل بسياسات الأمر الواقع، وهو موقف أوضحته الدولة المصرية من خلال بيان وزارة الخارجية.

أما الأمر الثاني فهو إعادة التنسيق مع الطرفين، سواء كانت السنغال رئيسة الاتحاد الأفريقي، والسودان الدولة المعنية الأخرى، مع حرص مصر على رفض هذه الإجراءات والخطوات.

خيارات متعددة للقاهرة

وأكد فهمي أن القاهرة ما تزال لديها خياراتها المتعددة، سواء كان التفاوض رغم عدم وجود أفق له إلا من خلال الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولكن من الممكن إعادة الملف إلى الجمعية العامة باعتباره ملفاً يهدد الأمن والسلم الدوليين، حتى هذه اللحظة لا تزال القاهرة تبدي نواياها المباشرة في عملية التفاوض وعدم التراجع عن هذا المسار، بالإضافة إلى تسجيل مواقف لحشد المواقف الدولية والإقليمية ودول حوض النيل والدول الكبرى ضد الإجراءات التي تقوم بها أثيوبيا من جانب واحد بصرف النظر عن أي مزايا يزعم الجانب الأثيوبي أنها قد تكون مهمة في الوقت الراهن.

رسالة للداخل الإثيوبي

فيما قالت صباح موسى، الصحفية المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية ودول حوض النيل، إن إعلان أثيوبيا عن بدء توليد الكهرباء من سد النهضة ليس بجديد، مشيرة إلى أن التصريحات الأثيوبية متكررة منذ عام 2015 وأخفقت على مدار السنوات الماضية، بينما هذا العام حاولت بكل الطرق حيث إنها تمتلك توربينين ولكن بهما أعطال فنية.

وأشارت إلى أن التصريحات الأثيوبية هي رسالة للداخل الأثيوبي حيث يريد أبي أحمد أن يقول ـ بعد خروجه من مأزقه ـ إنه وراء المشروعات التنموية الكبرى، وسد النهضة هو مشروع تلتف حوله كل الأعراق في أثيوبيا، وبالتالي فإن فكرة توليد الكهرباء في هذا التوقيت تعد رمزية ورسالة قوية للداخل الأثيوبي بأن أبي أحمد عازم على إتمام هذا المشروع رغم التحديات الكبيرة التي تواجهه.

لا تكفي إنارة قريبة صغيرة

وأكدت صباح موسى أنه لا يوجد أي تأثير سلبي على مصر والسودان من الناحية العملية، فهو يستخدم المخزون الذي خزنه في الملء الأول والثاني، حيث إن خزان سد النهضة الآن يوجد به حوالي 8 مليار فقط، وهو يحاول أن يروج أنه سيولد 58 ميغاواط. ولكن التقارير الفنية تؤكد أن ما سيتم توليده حوالي 50 ميغاواط، وهي كمية لا تكفي لإنارة قرية صغيرة، وبالتالي فهو – أبي أحمد - يصنع بريقاً إعلامياً، ولكن من حيث المبدأ تصريحات أبي أحمد هي خروقات جديدة لاتفاق المبادئ الذي تم توقيعه عام 2015، وبالتالي جاء البيان المصري معترضاً على القرارات الأثيوبية الأحادية.

وأشارت الصحفية المصرية المتخصصة في دول حوض النيل، إلى أن ما سيضر مصر وسودان فعلياً هو أنه عازم على الملء الثالث مرة أخرى، ويبدو أنه سيسير في طريقه بدون الجلوس والتفاوض، لافتة إلى ملف سد النهضة دائماً يلقى زخماً إعلامياً كبيراً مع قرب كل ملء، وهذا يحدث دائماً في شهر يوليو من كل عام، ودائماً ما يحدث التصعيد الإعلامي بداية من شهر آذار/ مارس حتى شهر أيار/مايو، والتمهيد للتخزين، والأزمة أن أبي أحمد لا يتبادل المعلومات مع السودان قبل أي ملء مما يربك السدود السودانية ويجعلها تخرج خارج الخدمة، وهو ما حدث في الملء الأول نتيجة عدم الترتيب وتحديد موعد الملء وموعد فيض السد، وبالتالي لابد أن يكون هناك توافقات وتبادل معلومات مع السدود السودانية، أما المشكلة مع مصر فهي أن أبي أحمد من الممكن أن يملأ كمية كبيرة في وقت يكون فيه جفاف، وبالتالي هنا ستنقص حصة مصر من مياه نهر النيل، وهنا تكمن الخطورة التي دائماً تؤكد عليها مصر أنها خط أحمر.

وتابعت صباح موسى "نحن الآن ما زلنا في الأمان. الملء الأول والثاني لم يكن هناك أي جفاف بالعكس العام الماضي كان هناك فيضان كبير، وبالتالي لم يؤثر على حصص مصر والسودان، والأزمة الحقيقية تكمن في عدم استجابة أبي أحمد لأي مفاوضات سواء من قبل واشنطن أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي"، مضيفة إلى أنه الآن هناك دورة جديدة للاتحاد الأفريقي ترأسها السنغال، وإذا كانت هناك ترتيبات لاستئناف المفاوضات في الفترة المقبلة، فإن مصر لن ترفض ذلك ولكنها ستشترط عدم الدخول في أي مفاوضات إلا بتحديد الأجندة والتوقيع على اتفاق قانوني ملزم يجبر أثيوبيا على التزامات، ما دون ذلك سيكون لمصر إجراءات أخرى، وتعتقد صباح موسى إن أثيوبيا لن تستجيب لأي مفاوضات خاصة وأن مجلس الأمن لم يفرض عليها عقوبات وبالتالي مصر ستسير في سيناريوهات أخرى.

ومن القاهرة إلى السودان، حيث قال فتحي حسن عثمان الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني، إن أثيوبيا بالفعل لم تتشاور أو تتبادل المعلومات مع دولتي المصب السودان ومصر، منذ أن بدأت في الملء التدريجي لسد النهضة، وظلت تتخذ هذه الخطوات الأحادية من طرفها ولم ترجع إلى طاولة المفاوضات المباشرة التي كانت برعاية الولايات المتحدة الأميركية والتي كانت قد اكتملت فيها الرؤية وكانت مطالبة السودان ومصر أن يكتب ما تم التوصل إليه في شكل مسودة قانونية ولكن أثيوبيا طلبت مهلة حتى إجراء الانتخابات في حزيران/ يونيو من العام 2021؛ لأن موضوع السد له علاقة وتأثير سياسي.

حرب بالوكالة

وأوضح عثمان في تصريح لوكالتنا "أن ما حدث هو تأجيل الانتخابات الأثيوبية والتي قاد تأجيلها ضمن عوامل أخرى إلى اندلاع حرب في إقليم تيغراي وقيام السودان بتحرير أجزاء واسعة من أراضي الفشقة المتاخمة للحدود الأثيوبية واعتبرت وقتها أثيوبيا إنها حرب بالوكالة في الوقت الذي يقول فيه السودان إن منطقة الفشقة هي ضمن حدوده، وقام بطرد ميليشيات الشفتة المدعومة من قبل أثيوبيا وتوترت العلاقات بين الدول الثلاثة (أثيوبيا والسودان ومصر) ولكنها لم تصل إلى مرحلة القطيعة الدبلوماسية أو الحرب؛ لذلك ليس مستغرباً أن تسير أثيوبيا في ذات الطريق الأحادي وتضع السودان ومصر في الأمر الواقع وهو ملء سد النهضة وتشغيله دون أن تعير اي اهتمام لمطالبات دولتي المصب. وهو أمر له انعكاساته السالبة على الدولتين إذا تأثرت حصة مصر من مياه النيل لأنها تعتمد كلياً على النيل في الزراعة والأمر بالنسبة لها هو مسألة حياة أو موت والأشهر القادمة ستكشف حقيقة الأمر إن كان يؤثر على حصة الدولتين أم لا؟".

(ح)

ANHA