​​​​​​​مكونات شمال شرق سوريا: ثورة 19 تموز ساهمت في الحفاظ على اللغات والثقافات المجتمعية

ثمّن أهالي شمال شرق سوريا عالياً دور ثورة 19 تموز في حماية لغات مكونات المنطقة وتكفل حريتهم الثقافية والمعرفية والمجتمعية انطلاقاً من التعلم بلغتهم الأم، مؤكدين أن اللغة هي الهوية والوجود.

​​​​​​​مكونات شمال شرق سوريا: ثورة 19 تموز ساهمت في الحفاظ على اللغات والثقافات المجتمعية
الثلاثاء 22 شباط, 2022   22:34
الحسكة - محمود عبيد

الاحتفاء باليوم العالمي للغة الأم، ليس يوماً بعيداً أو موغلاً في القدم، فأول من قام بمبادرة الاحتفاء باللغة الأم هي دولة بنغلاديش، ثم أقره المؤتمر العام لليونسكو في 1999 ليبدأ العالم أجمع بالاحتفاء بهذا اليوم كيوم دولي للغة الأم، اعتباراً من عام 2000.

يصادف الـ 21 من شهر شباط/ فبراير من كل عام، اليوم العالمي للغة الأم. المطلع على نشوء وتطور الأمم واستمرارها يدرك أن اللغة هي مرآة الشعوب وهويتها، وفيها تكمن أهمية التنوع الثقافي واللغوي لبناء مجتمعات مستدامة، ومن خلالها تسعى الشعوب للحفاظ على وجودها واختلافها.

حسب اليونسكو يتعرض التنوّع اللغوي لتهديد متزايد في ظل اندثار عدد من اللّغات، ولا يحصل 40% من سكان العالم على التعلم بلغة يتحدثون بها أو يفهمونها، ولكن ثمّة تقدّم ملموس في إطار التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم، وما يقترن به من فهم متزايد لما يمثله من أهمية، لا سيما في مرحلة التعليم قبل المدرسة.

وترى اليونسكو أنّ اللغات تمثّل أساس وجود المجتمعات متعددة اللغات والثقافات، فهي الوسيلة التي تتيح صون الثقافات والمعارف التقليدية ونشرها على نحو مستدام.

أكثر ما يهدد اللغات في منطقة الشرق الأوسط في العصر الحالي، هو الدول ذات الطابع القومي التي تؤمن بسلطة الحزب الواحد واللغة الواحدة والعلم الواحد وتعمل على صهر الشعوب في بوتقتها عن طريق إذابة اللغات الأخرى مما يتيح لها البقاء لأطول فترة ممكنة.

على عكس ذلك، عملت ثورة 19 تموز عام 2012، في شمال وشرق سوريا على إحداث نقلة نوعية في إتاحة الفرصة الكاملة لممارسة الشعوب والمكونات حريتها في إبراز الجانب الثقافي لها عن طريق إفساح المجال لها للتحدث بلغاتها وجعل اللغات الكردية والعربية والسريانية لغة رسمية في مدارس وجامعات شمال وشرق سوريا.

يتفق أهالي ومثقفو شمال وشرق سوريا، على أن ثورة 19 تموز أتاحت لهم الوصول إلى مبتغاهم في الحفاظ على لغاتهم الأم، وإحيائها بعد أن كان الحديث بها وعنها يعد جرماً تعاقب عليه السلطات الحاكمة في البلاد.

كما ويتفقون على أن اللغة هي الهوية والوجود، وهي روح المجتمعات ونبضها، وهي الطريقة الوحيدة للحفاظ على خصوصية أي شعب أو مكون، وأنه دون لغة خاصة، تغدو المجتمعات فريسة لأي ثقافة عابرة وعرضة للانصهار في بوتقة الثقافات الأخرى ومقدمة لحتمية الاندثار والتلاشي.

تؤكد هبة آسيا من المكون السرياني، أن اللغة الأم لأي مكون هي جزء من الهوية الشخصية والثقافية والمجتمعية والحفاظ عليها يعني الحفاظ على الهوية والتراث والثقافة.

وفي الحديث عن اللغة السريانية أوضحت هبة آسيا أن اللغة السريانية كانت قبل ستينيات القرن الماضي لغة لها حضور كبير ويُعمل بها كلغة رسمية في المدارس والجامعات ولكن الأنظمة المتعاقبة منذ ستينيات القرن الماضي همشتها كغيرها من اللغات الأخرى مما أدى إلى شبه زوالها. 

مضيفة "بعد ثورة 19 تموز تغيرت الأمور نحو الأفضل وأصبحت هناك فسحة كبيرة لممارسة الحياة الثقافية بشكل سليم وآمن، إذ أصبحت هناك مدارس ذات ثقافات متعددة وكفلت حرية الرأي وحرية التعبير" وأصبح لهم مدارس خاصة بلغاتهم.

فيما تحدثت فريال أحمد من المكون الكردي عن تطور اللغة منذ عهد التكلم بالإشارة إلى التكلم بمقاطع صوتية قليلة ذات دلالة متفق عليها بين مجموعة معينة وصولاً إلى لغاتنا الحالية التي استوفت كل مجالات الحياة وأغنتها.

وأرجعت فريال أحمد ثورة اللغة وفضل تطورها إلى المرأة لأن المرأة هي من اختلقت طريقة النطق والتكلم، مع أطفالها بشكل مباشر، قائلة: "فمن هنا جاء لفظ اللغة الأم ثم تطورت وتفرعت اللغة مع تفرع الشعوب وانتشارها في الأرض".

نوهت فريال أحمد إلى أن للطبيعة الجغرافية وثقافة كل شعب دوراً كبيراً في إبراز ونضوج لغته، مما أوجد تنوعاً لغوياً، وبالتالي تنوعاً ثقافياً ومعرفياً مختلفاً عن الآخر، معتبرة أن اللغة هي هوية الإنسان.

فيما أكدت عضوة مجلس الإدارة في الاتحاد النسائي السرياني، ريما مرشو، أن اللغة هي أساس التخاطب والحوار بين الأفراد والمجتمعات وتنطلق اللغة من الأسرة، قائلة "من يتكلم أبواه بالعربية سينطق العربية ومن يتكلم أبواه بالسريانية سينطق بها، ومن يتكلم أبواه الكردية سيتكلم بها، وهكذا فاللغة هي ترجمة لعادات ومعارف وثقافة كل مجتمع".

ونوهت ريما مرشو إلى أن هناك تمازجاً ثقافياً وحضارياً ولغوياً بين مكونات شمال شرق سوريا "فنجد أن أغلب المجتمع يتحدث بلغات المكونات جميعها وهذا دليل على ترابط المجتمعات وتقارب ثقافاتها وتقبل الآخر".

وعززت ثورة 19 تموز 2012، هذا الترابط والانسجام من خلال سن القوانين التي تكفل الحرية الثقافية والدينية واللغوية لجميع المكونات مما جعلها ثورة شعبية ديمقراطية مبنية على أسس حضارية تكفل الحقوق والحريات.

(أم)

ANHA