اقتصاد عفرين يمر بمراحل مختلفة قبل الأزمة وبعدها وفي ظل الاحتلال التركي

مرّ الاقتصاد في مقاطعة عفرين المحتلة بمراحل مختلفة بين صعود وهبوط، ولكن الاحتلال التركي دمر اقتصاد المقاطعة بالكامل وهي أسوأ مرحلة من الانهيار. لم يعد بإمكان من تبقى في عفرين المحتلة تأمين حاجتهم من زيت الزيتون في المقاطعة التي يُصدر زيتها إلى أنحاء مختلفة من العالم.

اقتصاد عفرين يمر بمراحل مختلفة قبل الأزمة وبعدها وفي ظل الاحتلال التركي
السبت 29 كانون الثاني, 2022   04:39
الشهباء- آلان رشيد

يُعد الاستقرار الاقتصادي عاملاً مهماً لكل المجتمعات. اُستغل هذا العامل من قبل السلطات الحاكمة لفرض سياساتها على المجتمعات عبر التحكم بموارد الاقتصاد.

الأمر في مقاطعة عفرين المحتلة لم يختلف عن الوضع العام. حيث مرّ الاقتصاد المقاطعة بمراحل متباينة. قبل الأزمة وضعت دمشق يدها على كل شيء تقريباً وخنقت الاقتصاد المحلي ولم تسمح بتطوره وتركت هامشاً صغيراً لسكان المقاطعة للاستفادة من مقاطعتهم الغنية وبخاصة في المجال الزراعي.

مع انطلاق ثورة 19 تموز 2012، تطور الاقتصاد المحلي بفعل عوامل داخلية وخارجية. في بداية 2018 بدأت مرحلة انهيار الاقتصاد في المقاطعة مع الاحتلال التركي. حوّلت دولة الاحتلال التركي والمرتزقة مقاطعة عفرين إلى ساحة مفتوحة للسرقة والنهب والسلب. لم يعد بإمكان من تبقى من الكرد في مقاطعة عفرين المحتلة توفير حاجاتهم من زيت الزيتون في المقاطعة التي اشتهرت على مدى عقود من الزمن بكثرة أشجارها من الزيتون وبجودة زيتها على المستوى العالمي.

اقتصاد بلاد الخيرات.. عفرين خلال حكم حكومة دمشق

الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد لإقليم عفرين عماد داوود، تحدث لوكالتنا عن السياسة التي مارستها حكومة دمشق خلال عدة عقود، لإضعاف الواقع الاقتصادي في الشمال السوري، وبالتحديد في مناطق وجود الكرد، بينها مقاطعة عفرين.

عماد داوود قال: "إن سياسة التدمير الاقتصادي التي كانت تمارسها حكومة دمشق قبل الأزمة ضد المناطق الكردية كانت سياسة طويلة الأمد، ابتدأتها منذ عدة عقود، وهدفها الاستراتيجي تنفيذ أجنداتها على مراحل، افتتحتها بتغيير ديمغرافية الشمال، عبر تثبيت مفهوم الحزام العربي، مستنداً إلى سياسة الغمر، وتوطين 4000 أسرة تركمانية وعربية في المدن والقرى الكردية وإعطائها أراضي الأهالي الأصليين، وتهجير الأهالي نحو المدن الكبيرة عبر سياسة قذرة".

تابع داوود "من بين المناطق التي منعت حكومة دمشق تنامي اقتصادها رغم غناها بالأراضي الزراعية الشاسعة، المزروعة بالملايين من أشجار الزيتون المعمرة، بالإضافة إلى الثروة الحيوانية، هي مقاطعة عفرين، حيث حظرت الحكومة وجود أي نشاط اقتصادي فيها، فعلى سبيل المثال منطقة تمتاز بنشاط زراعي، لا توجد فيها معامل لصناعة الأسمدة الزراعية، ولا معامل لصناعة المواد العلفية ولا مراكز صناعية ولا تجارية".

يوجد في مقاطعة عفرين أكثر من 18 مليون شجرة زيتون معمرة تنتج خلال الأعوام المثمرة كمية تصل إلى 270 ألف طن من زيت الزيتون، كما أن المناخ والتربة النموذجية الخصبة للزراعات المتوسطية جعلت المقاطعة مناسبة للزراعات التي ساعدت في تقدم اقتصاد المقاطعة.

إلا أن حكومة دمشق خلال فترة وجودها في مقاطعة عفرين قبل الأزمة السورية، منعت بناء أي مصنع أو معمل يخدم ازدهار الاقتصاد في المقاطعة، لكنها سمحت ببناء 13 معملاً لاستخراج زيت البيرين في أنحاء المقاطعة، المعروفة بإحداثها تلوثاً كبيراً في البيئة والجو، (البيرين هو أحد المنتجات الثانوية الناتجة عن عصر ثمار الزيتون وذلك بعد استخراج الزيت منها، ويشكل بالمتوسط حوالي 45-40% من كمية الزيتون المعصورة).

واستكمل داوود "هذه السياسة التي اتبعتها حكومة دمشق كانت عن دراسة وتخطيط مسبق، أدى إلى ظهور نسبة بطالة كبيرة في المقاطعة، استغلتها عبر تهجير اليد العاملة إلى المدن الكبيرة منها حلب وإدلب وإعزاز بعد تحويلها إلى مراكز اقتصادية، وافتتاح عدة معابر فيها كمعبري باب السلام وباب الهوى".

وواصل داوود حديثه "إن مخطط حكومة دمشق أنتج ثماره، حيث هجرت أعداد كبيرة من أهالي قرى ونواحي مقاطعة عفرين نحو المدن الكبيرة بغية العمل، ما أثر سلباً على النمو الاقتصادي في المقاطعة. كما منعت تصدير زيت الزيتون إلى الدول المجاورة الذي أدى بدوره إلى تدني سعره وعدم استطاعة المزارع سد مصاريف أشجاره".

الازدهار الاقتصادي بعد التهميش وقبل العدوان

بعد خروج حكومة دمشق من مقاطعة عفرين، وانطلاق ثورة 19 تموز بقيادة المجتمع، والمستندة على مشروع الأمة الديمقراطية والإدارة الذاتية، تحول الواقع الاقتصادي السيئ الذي كانت تعيشها المقاطعة إلى نقطة تحول رئيسة في قيادتها للاقتصاد في الشمال السوري.

في هذا الصدد، قال عماد داوود: "مع بدء الأزمة السورية وخروج مقاطعة عفرين عن السياسة المفروضة عليها، انعكس الواقع الاقتصادي في المقاطعة، وأصبح هناك هامش من الحرية في اتباع سياسات اقتصادية، مهدت لبيئة صحيحة لإنماء الاقتصاد وازدهاره".

تابع داوود حديثه "مع اندلاع المعارك في مناطق حلب وإدلب وحماة وعموم المناطق المحيطة بمقاطعة عفرين، ولتوفر الأمن والأمان فيها، إلى جانب الموقع الاستراتيجي المهم الذي يصل بين مختلف المناطق، أصبحت المقاطعة نقطة مهمة ذات أثر كبير في النشاط الاقتصادي، عبر حركة عبور البضائع والنقل والتجارة، وانتقال عشرات المعامل لصناعة المواد الغذائية من المناطق التي تدور فيها المعارك إلى مقاطعة عفرين، ما ساهم في إنماء النشاط الاقتصادي وعودة اليد العاملة".

"كما أن الإدارة الذاتية وعبر مشاريعها وسياساتها الاقتصادية المبنية على الاقتصاد الكومونالي ساهم إلى جانب هذه العوامل في نهوض الواقع الاقتصادي بشكل ملحوظ في المقاطعة، وتهيئتها للنهوض بالواقع العمراني والاقتصادي وحتى الاجتماعي".

واستكمل داوود حديثه "مع وصول المقاطعة إلى الذروة وقيادة الاقتصاد في الشمال السوري أصبحت المنطقة هدفاً للدول الاستعمارية وسياساتها التي رسمت للمنطقة، وفي مقدمتها تركيا التي شنت عدوانها على المقاطعة".

اقتصاد عفرين بعد أربعة أعوام من الاحتلال

بعد شن جيش الاحتلال التركي ومرتزقته عدوانهم الهمجي على مقاطعة عفرين، وارتكاب العشرات من المجازر بحق أهلها وتهجير مئات الآلاف منهم نحو مقاطعة الشهباء، سارعوا إلى ممارسة عدة سياسات منها سياسة التغيير الديمغرافي ونهب ثروات وآثار المنطقة.

عماد داوود قال: "من الأهداف التي سعى إليها الاحتلال التركي لاحتلال عفرين، الاستفادة منها اقتصادياً، في وقت ينهار فيه اقتصاده ويتأرجح نحو السقوط، إذ منع الاقتصاد العفريني وأشجار الزيتون وطريق التجارة انزلاق اقتصاد تركيا إلى الهاوية وفقدان السيطرة عليه".

وتابع "إن السياسات المتبعة في عفرين من تغيير ديمغرافي وسرقة ونهب ممتلكات الأهالي، ليست منقطعة عن بعضها البعض، في سياسة التهجير القسري، وجلب أسر تركمانية وأسر من الغوطة والمناطق التي خرجت من تحت سيطرة مرتزقة الاحتلال التركي خلال اجتماعات أستانا، كان هدفها الأول تغيير ديمغرافية المنطقة، أما هدفها الثاني فكان إحياء الاقتصاد من جديد".

واستكمل داوود حديثه "استخدم الاحتلال التركي العديد من الوسائل لتغذية هذه السياسة عبر خطف الأهالي وابتزازهم بغية تخويفهم وتهجيرهم خارج المقاطعة والاستفادة منهم مادياً، كما استولى على ممتلكات الأهالي، ونهب آثار المنطقة وباعها في الأسواق السوداء".

وأشار داوود إلى الوضع الاقتصادي في مقاطعة عفرين الآن قائلاً: "يعيش الأهالي في مقاطعة عفرين حالة مأساوية، فبعدما كانوا يسهمون في إحياء الاقتصاد قبل الاحتلال، نرى اليوم أنهم لا يستطيعون تخزين احتياجاتهم من الزيت ولا يستطيعون تأمين مواد التدفئة جراء ارتفاع الأسعار المرتفعة".

(ف)

ANHA