استقالة حمدوك تعقد الأزمة السودانية أكثر وباحث سياسي يحذر من انزلاق الأوضاع

استقال رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، من منصبه تاركاً خلفه مشهداً ضبابيّاً ومعقداً من الخلافات بين المكونين العسكري والمدني، لاسيما مع استمرار المطالبات بالحكم المدني للبلاد، في حين حذر باحث سياسي من استمرار الأوضاع على هذه الوتيرة ما لم يتم اختيار رئيس وزراء من جانب القوى المدنية يحظى بموافقة الجانب العسكري.

استقالة حمدوك تعقد الأزمة السودانية أكثر وباحث سياسي يحذر من انزلاق الأوضاع
السبت 15 كانون الثاني, 2022   03:58
مركز الأخبار - جودي إسماعيل

جاءت استقالة رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، من منصبه بمثابة صب الزيت على نار الأزمة السودانية، بعد أن كان الشخصية المتوافق عليها بين المكونين العسكري والمدني وحلقة وصل لعبور البلاد إلى حكم يلبي مطالب الشعب منذ سقوط نظام عمر البشير سنة 2019.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً، ومع إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في 25 تشرين الأول 2021، حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء، ظلت التظاهرات السودانية المطالبة بالحكم المدني في تصعيد مستمر بل وبوتيرة أشد.

ووسط الضغوطات الدولية، أبرم البرهان اتفاقاً جديداً مع الطرف المدني بتاريخ 21 تشرين الثاني 2021 تحت مسمى "الاتفاق السياسي" أعاد بموجبه رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى منصبه وأطلق سراح سياسيين معتقلين، إلا أن هذا التطور برمته أثار غضب الشارع وأحزاب سياسية بارزة في البلاد، وتحول موقف "قوى إعلان الحرية والتغيير" من المطالبة بعودة البلاد لما قبل "25 تشرين الأول" إلى المناداة باللاءات الثلاث "لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية"، معتبرين أن "الحل هو إسقاط سلطة المجلس العسكري وانتزاع السلطة الشعبية المدنية الكاملة".

"أرد إليكم أمانتكم".. حمدوك ينسحب من المشهد السياسي

ومع استمرار التظاهرات في معظم المدن السودانية، ظهرت في الآونة الأخيرة تكهنات وتسريبات بشأن نية رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك الاستقالة والانسحاب من المشهد السياسي، إلا أنه قطع الشك باليقين معلناً استقالته رسمياً مساء الأحد (2 كانون الثاني/ يناير الجاري) بعد أكثر من شهرين من انقلاب أعقبته احتجاجات قمعية خلفت 63 قتيلاً.

وقال حمدوك في خطاب متلفز: "حاولت بقدر استطاعتي أن أجنب بلادنا خطر الانزلاق نحو الكارثة، والآن تمر بلادنا بمنعطف خطير قد يهدد بقاءها.. في ظل هذا الشتات داخل القوى السياسية والصراعات العدمية بين كل مكونات الانتقال، ورغم ما بذلت كي يحدث التوافق.. لكن ذلك لم يحدث".

وأوضح حمدوك أن قبوله التكليف بمنصب رئيس الوزراء في آب/ أغسطس 2019 كان "على أرضية وثيقة دستورية وتوافق سياسي بين المكونين المدني والعسكري، لكنه لم يصمد بنفس الدرجة من الالتزام والتناغم التي بدأ بها".

وختم رئيس الحكومة السودانية بالقول: "قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء".

وجاء هذا الإعلان عقب خروج آلاف السودانيين في مظاهرات سارت باتجاه القصر الرئاسي في العاصمة السودانية، الخرطوم أطلق عليها "مليونية الشهداء"، لتفرقهم قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع وسط انقطاع كامل للأنترنيت وشبكات الاتصالات.

'خيانة للثورة وقلة ثقة'

وجاءت استقالة حمدوك، لتمثل بداية غير مبشرة للعام 2022، مضيفاً المزيد من الغموض إزاء مستقبل السودان في وقت وصلت فيها خلافات المكونين المدني والعسكري إلى ذروتها.

وفي هذا السياق يرى الكاتب والباحث السياسي المصري، يسري عبيد، أنه من الأسباب التي دفعت حمدوك للاستقالة هو "رفض القوى المدنية وقوى المجتمع المدني للاتفاق الذي حدث مع المجلس العسكري السوداني في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وتوجيه اتهامات لعبدالله حمدوك بأنه خان الثورة وخان مبادئ الثورة".

وتابع عبيد: "منذ ذلك الحين خرجت تظاهرات في الشوارع السودانية مناهضة لهذا الاتفاق، الأمر الذي أعاق عملية تشكيل الحكومة السودانية طوال هذه الفترة".

وأشار عبيد إلى أن عدم الثقة الموجودة بين المكون العسكري والمكون المدني أفقد هذا الاتفاق معناه وبالتالي اضطر عبدالله حمدوك إلى الاستقالة لأنه رأى بأن الطريق بات مسدوداً أمام عملية تشكيل حكومة متوافق عليها بين كل الأطراف في السودان سواء بين العسكريين أو المدنيين.

تعقيد للأزمة

وأكد الباحث السياسي المصري، أن استقالة حمدوك ستعقد الأزمة السودانية أكثر ولن تحلها، موضحاً أن "عبدالله حمدوك كان الاسم المتوافق عليه من جانب القوى المدنية ومن جانب قوى المجتمع المدني المؤيدة للثورة السودانية والتي كانت تطالب بحكم مدني للسودان وبالتالي كانت شخصية عبدالله حمدوك عليها توافق كامل من جانب هذه القوى".

ولفت الكاتب إلى أن حمدوك "كان الاسم المتوافق عليه بين القوى المدنية وبين المجلس العسكري، واستقالته في هذا التوقيت ستعقد الأزمة أكثر، إذ أنه من الصعب الوصول إلى اسم آخر له شعبية كبيرة بين القوى المدنية لتولي منصب رئيس الوزراء إضافة إلى رفض المدنيين حتى الآن اختيار المجلس العسكري لرئيس الوزراء الجديد معتبرين أنه حق للقوى المدنية وليس على أي من المجلس العسكري ولا لمجلس السيادة أن يختاره".

ويرى متابعون للشأن السوداني، أن خطوة الاستقالة ستؤثر بشكل كبير على الحكم العسكري بل وستزيد من ضغوطات الشارع أكثر مما كانت عليه خاصة مع عدم وجود اسماء متوافق عليها من جانب القوى المدنية.

ومن جهته أكد عبيد على أن الاستقالة ليست في صالح الحكم العسكري في السودان لأنها ستؤجج مشاعر القوى المدنية في السودان الرافضة للتواجد العسكري في السلطة، كما أنها وضعت المجلس العسكري في موضع "عدم الثقة" من جانب الشارع السوداني والقوى المدنية وهو ما سيؤثر بالتأكيد على شعبية المجلس العسكري وعلى تواجده في السلطة.

وأوضح عبيد أن عبدالله حمدوك "كان حلقة الوصل بين المدنيين والعسكريين لما عليه من شبه اجماع بين القوى المدنية وبين المكون العسكري" مشيراً أن الوضع الحالي من عدم الاستقرار أو التوافق على اسم واحد بتكليفه تشكيل الحكومة الجديدة حتى الآن، هو أكبر دليل على ذلك.

اسماء محتملة لخلافة حمدوك

وتدور التكهنات حاليّاً حول الاسماء المحتملة لخلافة رئيس الوزراء المستقيل، عبدالله حمدوك، في ظل الانقسامات الحادة التي تشهدها الساحة السياسية والرفض الشعبي للانقلاب العسكري الذي غيّر موازين البلاد رأساً على عقب، ما يُصعب مهمة اختيار شخصية لتولي منصب رئيس الوزراء ويجعل خيار حصول تلك الشخصية على قبول بالإجماع "شبه مستحيل" خاصة إذا ما جرى تعيينها من قبل المجلس العسكري ووفق شروطه.

وعن الأسماء المرشحة لخلافة عبدالله حمدوك، قال عبيد: "هناك اتصالات من جانب المجلس العسكري تجري مع وزير المالية السوداني السابق ابراهيم البدوي، إلا أنه اشترط أن يكون هناك توافق وطني لعملية اختياره لتشكيل الحكومة الجديدة حتى لا تؤدي الأسباب التي أدت لاستقالة حمدوك إلى استقالته واعاقته عن تشكيل الحكومة".

وإبراهيم أحمد البدوي (68 عاماً) أكاديمي وخبير اقتصادي سوداني، شغل منصب وزير المالية في حكومة عبد الله حمدوك منذ أيلول/ سبتمبر 2019 حتى تموز/ يوليو 2020.

وأضاف عبيد أن "هناك اسم آخر مطروح لخلافة حمدوك، وهو السفير السوداني لدى واشنطن، نور الدين ساتي، والذي اشترط كذلك على توافق وطني".

ولكن ساتي شدد بحسب صحيفة الشرق الأوسط على "أنه ينبغي على قوى الثورة المدنية بمكوناتها كافة أن تجري مشاورات فيما بينها لاختيار رئيس الوزراء القادم، من أجل إخراج البلاد من أزمتها الحالية"، معتبراً أن "المجلس السيادي غير مؤهل لاختيار خليفة لحمدوك، وأن مهمته المصادقة على رئيس الوزراء الذي يختاره المكون المدني".

تظاهرات حتى إتمام التحول المدني.. هل من أمل؟

وتوعدت اللجان التنسيقية في السودان، باستمرار التظاهرات حتى إتمام التحول إلى دولة مدنية، ما ينذر بانزلاق الأوضاع نحو فوضى قد تكون تداعياتها وخيمة على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في السودان.

وعن أمل تحقيق هذا المطلب، يعتقد عبيد أن هذا المطلب "غير قابل للتحقيق وغير قابل للتطبيق على أرض الواقع في الوقت الراهن" مبيناً أن "المجلس العسكري والجيش السوداني موجود في السلطة بقوة ولابد من أن يكون هناك فترة انتقالية يتواجد فيها المكون العسكري مع المكون المدني للخروج بالبلاد من هذه الفترة الانتقالية".

ويرى عبيد أن "عدم وجود قوة عسكرية في هذه الظروف يهدد بحدوث فوضى وانهيار في مؤسسات الدولة السودانية، مما سيعقد الأزمة أكثر، فالمكون العسكري لن يترك السلطة إلا لحكومة منتخبة، خاصة أن القوى المدنية للأسف لا تملك قيادة واحدة تستطيع السيطرة على الأمور في البلاد" على حد تعبيره.

وعن السناريوهات المحتملة للأوضاع التي تشهدها السودان يرى الكاتب والباحث السياسي المصري، يسري عبيد، أن الأمور متجهة إلى التصعيد والتوتر بشكل كبير، في ظل رفض القوى المدنية لأي شخصيات يفرضها المجلس العسكري لتشكيل الحكومة الجديدة بالإضافة إلى استمرار التظاهرات بالقرب من المؤسسات الحكومية، إذ أن القوى المدنية ترى المجلس العسكري عائقاً أمام إكمال الانتقال الديمقراطي في السودان وبالتالي تحاول إزاحته عن السلطة.

ولفت عبيد إلى ضرورة إجراء "مشاورات لاختيار رئيس وزراء من جانب القوى المدنية يحظى بموافقة الجانب العسكري وعدا عن ذلك ستستمر الأمور على ما هي عليه".

(ح)

ANHA