عام دموي آخر في عفرين المحتلة والمهجرون يؤكدون مواصلة المقاومة حتى تحرير ديارهم

يشوه الاحتلال التركي معالم عفرين المحتلة وتاريخها، في استكمال للإرث العنصري الفاشي الذي ورثه عن الدولة العثمانية، وسط تصاعد وتيرة الجرائم بشكل لافت خلال العام الجاري، فيما يشدد المهجرون بالمقابل على تشبثهم بالمقاومة التي ستكلل بتحرير عفرين.

عام دموي آخر في عفرين المحتلة والمهجرون يؤكدون مواصلة المقاومة حتى تحرير ديارهم
الأحد 2 كانون الثاني, 2022   22:32
الشهباء- فراس إبراهيم – غاندي علو

تشهد مقاطعة عفرين منذ احتلالها على يد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته في الـ 18 من آذار عام 2018، جرائم يومية تطال سكانها الأصليين، ومعالمها، وآثارها وطبيعتها، وسط صمت مقيت وتخاذل المجتمع الدولي وتواطؤه مع الاحتلال.

واللافت في هذا العام هو زيادة وتيرة الجرائم من قتل وخطف وسلب وتدمير، حيث سنسلط في هذا التقرير، الضوء على مدى وحشية الاحتلال التركي ومرتزقته وانتهاكاتهم التي يندى لها جبين الإنسانية.

داعش في عفرين

كانت تركيا الداعم الأساسي لمرتزقة داعش منذ ظهورهم، من خلال تسهيل مرورهم عبر أراضيها إلى سوريا والعراق وغيرها من الدول وتقديم الدعم اللوجستي والعسكري وإخفاء قادتهم.

أكد تقرير لوزارة الخزانة الأميركية أن الاحتياط النقدي لداعش في تركيا يتجاوز 100 مليون دولار أميركي، فيما أعلنت هيئة مراقبة التمويل العالمي إدراج الأخيرة على قوائم الرمادية لغسلها للأموال ودعمها لداعش والقاعدة.

تعليقاً على ذلك قال الرئيس المشترك لاتحاد المحامين في إقليم عفرين، جبرائيل مصطفى، لوكالتنا، إن "تركيا تستخدم داعش لمصالحها في الداخل والخارج".

وأضاف "في الواقع العملي ما تزال المدن التركية والمناطق التي تحتلها تركيا ومرتزقته في الشمال السوري هي الحاضنة الأساسية لمرتزقة داعش، وخير دليل على ذلك قيام التحالف الدولي باستهداف البغدادي في إدلب وعلى بعد بضعة أميال من الحدود التركية".

وأكدت صور نشرت عام 2019 وجود مرتزقة داعش وشعاراتهم في ناحية شيه التابعة مقاطعة عفرين المحتلة، وظهور مرتزقة من "هيئة تحرير الشام" المدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية في المقاطعة المحتلة.

وبحسب مصادر من داخل مقاطعة عفرين المحتلة، قام مرتزقة "نور الدين الزنكي" بإخراج مرتزقته من قرية رمادية التابعة لناحية جندريسه عام 2019 واستقدام مرتزقة من "هيئة تحرير الشام" باسم مرتزقة "نور الدين الزنكي".

وأكد مصطفى امتلاكه معلومات عن أسماء قادة داعش هربوا إلى مناطق تحتلها تركيا في شمال سوريا، وقال "أثناء قيام قوات جيش الثوار وجبهة الأكراد بتحرير مناطق الشهباء التي كان يسيطر عليها مرتزقة داعش الإرهابي والذين فروا إلى الدولة التركية ومنطقة إعزاز، حصلنا على أسماء الأمراء الفارين؛ ومنهم عبد الجبار الأحمد وكان أميراً لداعش وهو الآن موجود في إعزاز، وأبو المغيرة أيضاً كان أحد المسؤولين من ذوي المناصب، وهو من قرية حربل في مقاطعة الشهباء وهو الآن مقيم في تركيا، وأبو كرمو من قرية حربل وهو الآن في تركيا تحت حماية سلطاتها".

وأضاف مصطفى: "من خلال تسميات جديدة مثل ما يسمى بالجيش الوطني السوري تم حلق لحاهم وتغيير ملابسهم وإلحاقهم بهذا الجيش، وما تقوم به تركيا وإعلامها بالإعلان عن اعتقال عناصر من داعش سواء في عفرين أو مناطق أخرى، كذب وافتراء فهي التي تحميهم في الحقيقة، وقد أفرجت عن مرتزقة من داعش في سجون ما يسمى بفصائل المعارضة السورية".

وأشار جبريل إلى أن "جلبت هيئة تحرير الشام قبل ثلاثة أشهر عناصرها إلى عفرين وإعزاز اللتان تحولتا إلى بؤرتين إرهابيتين، وتمارس التعذيب بحق الأهالي هناك، مثلما كان داعش يقوم به في المناطق التي احتلها في سوريا سابقاً".

المرأة مجرّدة من الحياة في عفرين

بعد احتلال مقاطعة عفرين، تغيّر وضع المرأة بشكل جذري، فبعد أن شاركت في كافة نواحي الحياة في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة عفرين لمدة 4 سنوات، تتعرض اليوم لسياسات الخنوع عبر القتل والاختطاف والاعتداء؛ فقد تعرضت 13 امرأة للقتل هذا العام على يد مرتزقة الاحتلال التركي، و75 للاختطاف، بينهن 5 قاصرات وطفلة رضيعة.

وعن وضع المرأة داخل مقاطعة عفرين المحتلة، تحدثت لوكالتنا عضوة منسقية مؤتمر ستار لمقاطعة عفرين، فريدة إيبو، قائلة: "تتعرض المرأة الكردية في مقاطعة عفرين المحتلة بشكل يومي لعمليات الخطف والاعتداء من قبل المرتزقة الذين يحتلون مقاطعة عفرين، فالمرأة في عفرين تتجرع الموت بشكل يومي، فإما أن تُقتل نفسياً أو جسدياً أو أخلاقياً، لأنها إما محبوسة داخل السجون أو في المنازل".

ما يُمارس بحق المرأة الكردية في مقاطعة عفرين المحتلة ليس محض صدفة؛ فكل ممارسات الخضوع والترهيب هي استهداف لإرادة المرأة الحرة ومحاولة لتقييد فكرها وإقصائها عن الحياة الاجتماعية.

ودعت فريدة إيبو المنظمات الدولية المعنية بشؤون المرأة وحقوقها إلى التدخل والتقصي، بالقول "على منظمات حقوق الإنسان تقصّي ما يحصل في مقاطعة عفرين من اعتداءات على النساء واغتصابهن واعتقالهن وقتلهن".

تاريخ يُشوّه

وقامت مديرية الآثار لمقاطعة عفرين بتوثيق جرائم الاحتلال ومرتزقته بحق تاريخ عفرين وآثارها خلال عام 2021، إذ وصل عددها إلى 10 مواقع أثرية ودينية، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات السكان الأصليين؛ لأن تركيا ومرتزقتها منعوا الاقتراب من هذه المواقع.

المواقع التي دمرتها تركيا ونهبتها هذا العام هي (تل جوقه التابعة لمدينة عفرين، وتل قواقه، وتل مستو حسن التابعة لناحية شرا، وتل مستو حسن تحتاني التابعة لناحية شرا، وتل قره تبه التابعة لمدينة عفرين، وتل علمدارا التابعة لناحية راجو، وتل آلجيا في ناحية شرا، ومقبرة بير منان، وموقع برجكة في ناحية جندريسه، وقلعة كلوتيه في ناحية شيراوا من خلال قصفها بتاريخ 6/ 6/2021.

وفي هذا الصدد، التقت وكالتنا الرئيس المشترك لمديرية الآثار لمقاطعة عفرين، صلاح سينو، الذي وصف ما تتعرض له عفرين المحتلة من جرائم، بإبادة تاريخية، وقال: "باستخدام الآليات الثقيلة والجرافات تنقب تركيا عن الآثار وتسرقها أو تدمرها. فما تتعرض له الآثار في عفرين هي إبادة تاريخية، لتوثيق هذه الانتهاكات تواجهنا صعوبات حقيقية؛ لأن تركيا تمنع الاقتراب من الأماكن الأثرية لعدم فضح سياساتها".

وأضاف: "لقد قمنا من خلال الصور الفضائية بفضح بعضاً من هذه الجرائم، مستخدمين الطرق العلمية في توثيق هذه العمليات، تركيا تظهر عنصريتها من خلال هذه الأعمال، فهي تخترق المواثيق والاتفاقات الدولية مثل اتفاقية لاهاي 1954، واتفاقية اليونسكو 1970 – 1972، وثلاث قرارات من مجلس الأمن إبان الأزمة السورية بحماية التراث في سوريا، وتضرب جميعها بعرض الحائط".

تصاعد وتيرة الجرائم في 2021

وبحسب منظمة حقوق الإنسان في عفرين – سوريا، ففي عام 2021 وحده، قُتل 49 مدنياً، بينهم 13 امرأة و13 طفلاً، واختطف 655 مدنياً، بينهم 75 امرأة بينهن 5 قاصرات ورضيعة.

بالإضافة إلى قطع 16500 شجرة وحرق أكثر من 5000 أخرى، والاستيلاء على أكثر من 11000 شجرة وحرق عشرات الهكتارات.

إلى جانب ذلك، تم الاستيلاء وسرقة أملاك السكان الأصليين وفرض الأتاوى، وبناء 22 مستوطنة وجامعاً برعاية جمعيات قطرية وكويتية.

وأكد الناطق الرسمي باسم منظمة حقوق الإنسان في عفرين – سوريا، إبراهيم شيخو، لوكالتنا أن "وضع مقاطعة عفرين المحتلة يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، وأن وتيرة الانتهاكات في 2021 أكثر من الأعوام السابقة، والأبرز في هذا العام هو بناء دولة الاحتلال التركي مستوطنات، في سعي منها لاستكمال سياسة التغيير الديمغرافي وتتريك المنطقة وشرعنة احتلالها وذلك بمساندة 50 فصيلاً من المرتزقة التابعين لها".

ويُسمح للمواطن العفريني بجني محصوله من الزيتون، في حال دفعه أكثر من 4 دولارات كضريبة مقابل كل شجرة، بينما يعمد المرتزقة إلى قطع الأشجار للإتجار بحطبها، كما تبني تركيا الجوامع في جميع القرى في مدينة عفرين لتحريف الدين الإسلامي وتسيسيه لخدمتها.

وأوضح شيخو أنهم أرسلوا التقارير إلى جهات دولية للتدخل، لكنهم لم يحصلوا على أي جواب، وزاد: "نحن نرسل التوثيقات التي نجمعها إلى الجهات المعنية مثل مجلس حقوق الإنسان ولجنة تقصي الحقائق ومنظمة العفو الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، إلا أن هذه المنظمات لا تقوم بدورها بشكل فعال، بل تكتفي بإصدار تقارير نصف سنوية تشير فيها إلى تورط بعض قادة المرتزقة بالانتهاكات في عفرين دون الإشارة إلى تركيا بتاتاً".

عنصرية دولة الاحتلال وإباداتها ماثلة أمام العين

ما يحدث في عفرين هو نتاج الذهنية القوموية التي بُنيت عليها الدولة التركية الرافضة للغير؛ فالإبادة التي مارستها ضد الأرمن والآشور والكلدان ماثلة أمام الأعين.

وحول ذلك أشار الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي لإقليم عفرين، بكر علو، إلى أن تركيا استغلت المرتزقة لخدمة لمصالحها، وقال: "تركيا استغلت المرتزقة وتحكمت بهم ووضعتهم في خدمة سياستها القائمة على العنصرية والشوفينية".

وشبّه علو أفعال تركيا الحالية بأفعال الدولة العثمانية، وأضاف: "تركيا مثل الدولة العثمانية لا تخلّف سوى الدمار والحروب، فما تفعله من استهداف للآثار هو استهداف للحضارة الإنسانية، فهي تستكمل دور مرتزقة داعش".

"إدانات مسؤولي حكومة دمشق غير كافية"

وتطرق علو إلى موقف حكومة من الاحتلال التركي للأراضي السورية، وانتقدها قائلاً: "الإدانات من قبل مسؤولي الحكومة السورية لا تكفي، بل عليهم مطالبة مجلس الأمن وغيره من الجهات المعنية بإخراج تركيا من الأراضي السورية لأنها دولة محتلة".

وأشار إلى مقاومة وحدات حماية الشعب والمرأة، وقال: "إن هذه المقاومة هي دين على أوروبا والعالم أجمع لإنهائها الإرهاب على الأرض، ومضى مذكّراً "بالتفجيرات وعمليات القتل بحق الأوروبيين في الأعوام التي شهدت نشاطاً ملحوظاً لمرتزقة داعش".

المقاومة في الشهباء ضمان تحرير عفرين

وشدد علو على ضرورة خضوع دولة الاحتلال التركي للمحاكم الدولية جراء ما تقترفه في مقاطعة عفرين المحتلة، وقال: "على تركيا أن تخضع للمحاكم الدولية لما ترتكبه من جرائم الحرب في المناطق التي تحتلها في الشمال السوري، لا يكفينا استنكار أميركا وروسيا والجهات المعنية بحقوق الإنسان، فما يحصل في عفرين تحديداً وصل إلى مستوى الإبادة العرقية".

واختتم قائلاً: "بقاؤنا في الشهباء خطوة لتحرير عفرين، نحن جاهزون للتضحية بكل ما نملك للبقاء هنا والنضال للعودة إلى عفرين، فما سينجم عن هذا النضال هو تحرير عفرين ونحن متشبثون بهذا الموقف".

(ف)

ANHA