​​​​​​​لبنان.. ميقاتي يخرج غاضباً ولا حلحلة في توقيف الوزير خليل

مع إصرار المحقق العدلي طارق بيطار على تنفيذ مذكرة التوقيف بحق النائب والوزير السابق علي حسن خليل، ما مستقبل عمل القاضي في ظل تعنت حزب الله وحركة أمل. وهل يشهد هذا الملف تطوراً إيجابيّاً لجهة كشف حقائق جديدة في جريمة التفجير، أم تعيق الطبقة السياسية تحقيق ذلك؟

​​​​​​​لبنان.. ميقاتي يخرج غاضباً ولا حلحلة في توقيف الوزير خليل
الجمعة 24 كانون الأول, 2021   01:40
بيروت – زياد أبو غزالة

هل توصل الأطراف إلى صفقة أم لا؟ لا أحد يعلم بعد. وتستمر الأحجيات السياسية في لبنان دون حلّ. ويبدو أنها ستستمر ولن تتوقف أبداً في بلد قدّر له أن يكون مع جغرافيته الصغيرة جدّاً أوسع ساحة تسويات إقليمية ودولية.

أما هنا، في لبنان، فيضيق الأفرقاء ذرعاً بعضهم ببعض. ويخرج رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من عند رئيس مجلس النّواب ممتعضاً متجهّم الوجه، يجيب أسئلة الصحفيين بكلمة واحدة محيرة "ما بيعنينا"، هذا فقط.

وتوضيحاً لحقيقة ما جرى، أصدر المكتب الإعلامي للرئيس ميقاتي بياناً جاء فيه: "لقد كرّر الرئيس ميقاتي، خلال الاجتماع، موقفه المبدئي برفض التدخل في عمل القضاء بأي شكل من الأشكال، أو اعتبار مجلس الوزراء ساحة لتسويات تتناول مباشرة أو بالمواربة التدخل في الشؤون القضائية بالمطلق. كما كرّر الرئيس ميقاتي وجوب أن تكون الحلول المطروحة للإشكالية المتعلقة بموضوع المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء مناطة بأحكام الدستور من دون سواه، من دون أن يقبل استطراداً بأي قرار يستدل منه الالتفاف على عمل المؤسسات".

وأضاف البيان أن "دولة الرئيس ميقاتي أبلغ هذا الموقف إلى فخامة الرئيس ميشال عون، ودولة الرئيس نبيه بري، وهو موقف لا لَبس فيه على الإطلاق. كما أن دولته مستمر في مهامه وفي جهوده لحل قضية استئناف جلسات مجلس الوزراء، وأي موقف لاحق قد يتخذه سيكون مرتبطاً فقط بقناعاته الوطنية والشخصية وتقديره لمسار الأمور".

وبهذا تبقى تحقيقات المحقق العدلي طارق بيطار في عنق الزجاجة. فعلى الأرجح لا صفقة في الوقت الحالي، أو المستقبل القريب، وبيطار يصر على تنفيذ مذكرة توقيف الوزير علي حسن خليل، فيما يستمرّ حزب الله وحركة أمل بالتعنت في هذا الموقف، تعنتاً كبيراً يفسّره كثيرون بالتورط في جريمة المرفأ.

وفي حديث لوكالتنا، تقول الصحفية اللبنانية إلسي مفرّج: "يوجد أكثر من اسم لوزراء متورطين، من ضمنهم علي حسن خليل، بالإضافة إلى مدير عام الأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، الذي يبدو أنه أدى دوراً مهمّاً، وكان مقرباً من أحد رجال الأعمال السوريين الذين برز اسمهم في ملف إحضار شحنة نترات الأمونيوم إلى لبنان، وهو نفسه كان استضاف راهبات معلولة عنده وتدخل في الوساطة، وبالتزامن مع هذا الحدث، دخلت الشحنة إلى مرفأ بيروت".

ماذا بعد إصرار بيطار على تنفيذ مذكرة التوقيف؟

عمليّاً، لم تتقدّم الوقائع حتى اللحظة بما تشتهي صفقة "حزب الله". فلا رئيس التيار العوني جبران باسيل ارتاح من ضغط الاغتراب في الانتخابات المرتقبة، ولا حزب الله وحركة أمل ارتاحا من عبء التحقيقات في تفجير المرفأ. فـ "حزب الله" كان قد قدم صفقة بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وفريق العهد، تقضي بقبول الطعن والإطاحة بالسماح للمغتربين بالتصويت لأعضاء مجلس النواب بالكامل، وحصرهم بستة نواب فقط يمثلون الاغتراب، مقابل دعوة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى جلسة للوزراء يتم بموجبها تعيين بدلاء لرئيس لمجلس القضاء الأعلى ومدعي عام للتمييز، ومدعي عام مالي ورئيس تفتيش قضائي. كلّ ذلك لسحب ملف التحقيق مع النواب في جريمة انفجار المرفأ، من يد القاضي طارق البيطار وتسليمه إلى مجلس النواب، عبر البوابة القضائية. لكن شيئاً من هذا لم يحصل بعد. وعليه يبقى المشهد مفتوحاً سياسياً على ملف التّحقيقات برئاسة القاضي طارق بيطار.

وحول السيناريوهات المحتملة إزاء إصرار القاضي بيطار على تنفيذ مذكرة التوقيف، ترى الصحفية إلسي مفرّج أن الوضع لن يختلف عمّا كان عليه، وتقول: "مثلما حدث قبل مع وزراء سابقين، ما يزالون مطلوبين ولم تصل الأمور إلى أي مكان. فالتحقيقات تتعرقل وبأكثر من طريقة يتيحها القانون، والثنائي يتعسف اليوم باستخدام حق الدفاع، حتى وصل الأمر إلى تقدم بعض أهالي الضحايا بدعاوى قضائية لكف يد القاضي طارق بيطار".

وتضيف: "قد يصدر القاضي بيطار في لحظة ما قراره الظني حتى لو لم تستكمل جميع عناصر التحقيقات، ويدعي على الأشخاص غير المتعاونين ومنهم الأشخاص الذين استدعاهم للتحقيق أكثر من مرة وأصدر بحقهم مذكرات توقيف".

وعلى أي حال، فقد أعلن ميقاتي من السراي الحكومي في وقت سابق "أن موقف الحكومة واضح فنحن لا نتدخّل بالقضاء العدلي، ولكن على الأخير احترام الأطر الدستورية أيضاً، ونعم أنا مع المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء فكما الجيش يحاكم أمام المحكمة العسكرية يحاكم الوزير أمام محكمة خاصة أيضاً".

التّحذير من أحداث الطّيونة 2

إذا أصر المحقق العدلي طارق بيطار على توقيف الوزير علي حسن خليل، فحزب الله وحركة أمل سيواصلان التمسك بموقفهما المقابل. إذاً، معركة طردية بين الجانبين، قد تنفلت منها العقدة القضائية وتنحل إلى شارع الاقتتال الداخلي.

احتمال منطقي وطبيعي جداً، لا سيما بعد جملة الأحداث المشابهة في لبنان وآخرها أحداث الطيونة الدامية. وفي هذا تصدر تحذيرات من أطراف مقربة من حزب الله وحركة أمل من انفلات الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه. فتوقيف الخليل سيكون خطوة خطيرة نسبة إلى طبيعة التركيبة اللبنانية الحساسة والملغومة. وعليه فإن حرباً أهلية مصغرة لن تكون مستبعدة وفقاً لهذه الرؤية، فعلى أرض الواقع، من يضمن تنفيذ مذكرة التوقيف بسلمية كاملة، لا أحد طبعاً. وهل يضمن الطرفان عدم الانجرار إلى اشتباك مسلح يبدأ بإطلاق نار من مرافقي الوزير على عناصر القوى الأمنية المكلفة بتنفيذ المذكرة؟ وماذا لو نزل أنصار "حركة أمل" و"حزب الله" إلى الشارع كما المرة السابقة، هل ستتكرر أحداث الطيونة، وهل سيشتعل الصفيح مجدّداً تحت لبنان وأبنائه؟ ومن الذي يقدر بعد ذلك كله أن يطفئ نار الحرب المستعرة؟!

أسئلة كثيرة مرعبة للبنانيين، يأملون عدم الإجابة عنها؛ لأن الجواب حينها لن يكون إلا بالرصاص والدم. هذا الدم الذي على ما يبدو، يبقى رخيصاً في لبنان مع ارتفاع تكلفة كل شيء، وارتفاع تكلفة التحقيقات الجارية، بما ينذر باحتمال صعوبة سدادها كما يجب من جعبة المسؤولين عن الجريمة، وبالتالي عرقلة جهود البيطار إلى غير رجعة، إذا لم يطرأ أي متغير جديد.

(ح)

ANHA