لبنان.. متلازمة ارتفاع الدولار وغضب الشارع

يعاود اللبنانيون بين الحين والآخر إغلاق الطرقات في مناطق واسعة، احتجاجًا على انهيار العملة وتردي الأوضاع الاقتصادية. فيما تقف الحكومة عاجزة تمامًا في ظلّ مشهد سياسي مأزوم داخليًّا ومرتهن إلى الخارج، لا يمكن فصله عن المساومات الإقليمية والدولية.

لبنان.. متلازمة ارتفاع الدولار وغضب الشارع
السبت 11 كانون الأول, 2021   04:05
بيروت - زياد أبو غزالة

يبدو أن قدر اللبنانيين أن يعيشوا في ضيق دائم؛ ضيق المعيشة وضيق الحقوق وضيق الأمن، فيما تذوب أيامهم في فراغ شاسع، لا يملؤه سوى فساد النخبة الحاكمة وارتهانها للأجندات الخارجية.

ومجدَّدًا، يصب اللبنانيون غضبهم في الشارع. ويقطعون الطرقات احتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية غير المسبوقة على مدار التاريخ الحديث للبلاد. خلال الأسبوع الماضي قطع محتجون مداخل العاصمة بيروت وعددًا من الطرقات تنديدًا بغلاء المعيشة الفاحش واستمرار انهيار سعر صرف العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي.

وكعادتها، السلطات في وادٍ آخر، ولتبرئة الذمّة، تحاول التملص من مسؤولياتها تجاه ارتفاع سعر صرف الدولار الجنوني باتهام التطبيقات. فليس خافيًا على أحد أن هذه التطبيقات نجحت في بسط نفوذها في توجيه سعر صرف الدولار في السوق السوداء والتأثير في سلوك اللبنانيين لجهة الإقبال على البيع والشراء.

ولتعزيز الرواية الرسمية لدى المواطنين بوجود مؤامرة لرفع سعر الدولار، يأتي اقتراح حظر التطبيقات من المتاجر الرقمية، ووجود جهات نافذة تتحكم بالسوق صعودًا وهبوطًا. وأمام هذين المعطيين، تظهر إشكاليتان، تتعلق الأولى بالقدرة على ضبط التطبيقات أو حظرها لإعادة التوازن إلى السوق، بعيدًا عن العامل النفسي المؤثر في هذه العملية الأشبه باللعبة. أما الثانية، فترتبط بالكشف عن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع سعر صرف الدولار. فالأسئلة كثيرة عند العوام وأهمها، هل هذا الارتفاع جراء ظروف تقنية خاصة بالتطبيقات، أم بنيوية يفسرها الدّيْن العام الضخم وتراجع الاحتياط بالعملة الأجنبية؟ أيًّا يكن، الطبقة الحاكمة دائمًا تجد المسوغات والمبررات وإن كانت عذرًا أقبح من ذنب.

وليس ثمَّة ذنب أعظم من أن تصير الحقوق أحلامًا وأماني تتلاشى في مكاتب الساسة وبرامجهم. هذه البرامج التي حوت كل المصالح الشخصية، فيما همشت المصلحة العامة العليا للشعب اللبناني فحرمته الدواء واللقمة الشريفة والوقود. ولم تبقِ إلا الاحتقان الشعبي وقودًا لانفجار أمني تشيع فيه السرقات وجرائم القتل وحرب العصابات.

كل شيء إلى غلاء إلا أداء الحكومة

كان من المفترض أن تكون حكومة اللحظات الأخيرة حكومة إنقاذ، تأخذ لبنان من السقوط الحر إلى بر الأمان. ولكن في الواقع، هذه الحكومة لم تزد على أن فاقمت الأوضاع سوءًا وحمّلت اللبنانيين ما لم يعد باستطاعتهم حمله. فكل شيء في البلد المنكوب إلى غلاء إلا أداء الحكومة يقدر بأبخس ثمن.

وها هو رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي يقولها بنفسه صراحة قبل أيام: "لست راضيًا عن أداء الحكومة". ميقاتي أعرب أنه راض عن تشكيلة الحكومة ولكنه ليس راضيًا عن أدائها، إذا قورنت "منجزاتها" بطموح اللبنانيين ومطالبهم.

فبعد نحو 20 يومًا من تشكيل الحكومة، تعطلت جلساتها الدورية جراء الأحداث الدامية الأخيرة في الطيونة بين عناصر الثنائي الشيعي وعناصر حزب القوات من جهة، ومن جهة أخرى، إصرار هذا الثنائي على الفصل التام بين التحقيق القضائي في جريمة تفجير مرفأ بيروت والتحقيق مع الرؤساء والوزراء الذين تم استدعاؤهم من قبل المحقق العدلي في ملف المرفأ القاضي طارق بيطار.

وأمام هذا المطب الحساس، وفي ظل السير في حقل الألغام، ليس في استطاعة الحكومة الحالية إلا الذهاب إلى مفترقين، إما أن يدعو ميقاتي مجلس الوزراء إلى الاجتماع واستئناف العمل، وإما الاستقالة. لكن الخيار الأول مستبعد من جدول عمل الوزير، فقد أعلن في أكثر من معرض أنه ليس في وارد استفزاز أي طرف سياسي في لبنان. وفيما يخص الاستقالة، فالأولى الإبقاء عليها، يؤكد ميقاتي، فالوضع على ما هو عليه أفضل بأشواط من احتمال الرجوع إلى مربع الصفر الأول.

نقطة البداية تعني الفراغ السياسي مجددًا، والفراغ يعني حتمًا إلغاء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ما يفيد بطبيعة الحال انعدام الأمل تجاه المساعدات المادية الدولية للبنان، كل هذا يضاف إليه قضية الانتخابات النيابية التي تكاد تكون مصيرية، لا سيما مع المخاوف الحادة من عدم إجرائها في موعدها أو تأجيلها إلى موعد غير معلن.

لا إصلاح في لبنان بدون مقاربة إقليمية

إنّ لبنان بكل تعقيداته السياسية ليس سوى بطاقة صغيرة واحدة على طاولة القوى الإقليمية والدولية. وإن مشكلاته كافة؛ السياسية والاقتصادية، لن يستغرق حلها كثيرًا، إذا قررت تلك الأطراف الاتفاق فيما بيها.

ولعل ما يحدث اليوم من متغيرات في المنطقة والعالم يحمل صخبًا أكثر من أي وقت مضى. ففي الوقت الذي تعيد فيه الإدارة الأميركية تموضعها في المنطقة تحت اسم "الانسحاب"، تواصل إيران التصعيد العسكري في سورية واليمن والعراق. وبالتوازي، تسعى كل من طهران وواشنطن إلى الالتقاء مرة أخرى عند الحدود التي كانت جامعة يومًا ما، إبان إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، لا سيما فيما يتعلق بالاتفاق النووي. وفي مقابل ذلك، تعويم عربي لحكومة دمشق يظهر بوضوح إعلاميًّا وعلى شاشات التلفزة دون تشفير.

والعجيب أن العواصم العربية التي تقصد عتبة دمشق بعد أكثر من عقد على القطيعة معها، هي نفسها تستحدث خصومة هوجاء سياسية واقتصادية مع لبنان الغارق في الفقر والعوز، فتخرجه من عباءتها بعد أن كانت حكومته تأتي من بوابة الخليج، والرياض على وجه الخصوص.

تمضي السعودية في طريق "لا حل في لبنان بدون المملكة" بضغوط كثيرة أقل ما يقال فيها إنها تصفية حسابات مع الخصوم ومع من كانوا بالأمس حلفاء ودودين. وتسير إيران كذلك في خريطة الحسم الإقليمي، لتؤكد أنها تملك دومًا مفتاح الحل، فلا يمكن استثناءها في أي مساومة مقبلة. ومن يدري، فقد تكون المساومات هذه المرة على خلاف السابق جميعًا، وقد يلحق لبنان ركب التطبيع على وقع ترسيم الحدود.

هكذا إذًا، تحد لبنان من جهاته الأربعة متغيرات إقليمية ودولية لا يمكن فصلها أبدًا عن واقعه الراهن ولا عن تبعاته المستقبلية. الارتهان للخارج ليس أمرًا مفاجئًا أبدًا، ولكن قد يكون المفاجئ أن تأتي الصفقات بتسوية جديدة خارج الحسبان، تنقذ العملة الوطنية، ربّما، ولكن تغرق لبنان أكثر فأكثر في التبعية السياسية، وإن كان الوزير جورج قرداحي كبش المحرقة فيها، فلا أحد يدري من يكون غدًا.

(ح)

ANHA