"تدوير النفايات" محاولة لمحاربة البطالة في لبنان

في ظل الأزمة الاقتصادية في لبنان وارتفاع نسبة البطالة، اتجه البعض إلى تحويل النفايات والمخلفات القابلة للتحلل، والمجمّعة من الأسواق المحلية إلى سماد عضوي. من خلال مشروع يؤمل أن يخلق فرصاً للعمل، ويفيد المناخ البيئي والصحة.

"تدوير النفايات" محاولة لمحاربة البطالة في لبنان
السبت 6 تشرين الثاني, 2021   03:53
بيروت – زياد أبو غزالة

ويُنتج عالمياً الملايين من أطنان النفايات في كل يوم، ويؤول معظمها في نهاية المطاف إلى مكبات النفايات المجهزة هندسياً أو مواقع رمي النفايات، مما يهدد البيئة والحياة عموماً على وجه الأرض.

وتأتي عملية إعادة تدوير هذه النفايات لصالح الإنتاج الزراعي، كحل ناجع يحقق العديد من الأهداف في آن واحد، حيث تفيد عملية إعادة التدوير في تحسين صحة التربة، والتي تفضي إلى إنتاجية زراعية أعلى، فضلاً عن حماية البيئة من التلوث.

مبادرات فردية

وأظهرت دراسات أن من شأن الممارسات المحسَّنة في إدارة النفايات، مثل إعادة التدوير، توفير 74 مليون دولار سنوياً. 85 % من النفايات الصلبة حالياً تذهب إلى المطامر والمكبات المفتوحة. لكن يقول باحثون في "الجامعة الأميركية في بيروت" إن 10 إلى 12 % فقط من نفايات لبنان لا يمكن تسبيخها أو إعادة تدويرها.

وأمام هذا الحال، تظهر مبادرات فردية، سواء من مجموعة أشخاص أو جمعيات، تعمل على تدوير النفايات لتصنيع السماد الطبيعي العضوي، من خلال جمع الخضراوات المتلفة من محال الخضار ونقلها إلى أسطح المنازل لتدويرها.

إحدى هذه المبادرات، ما قامت به مجموعة من الشبان في مدينة طرابلس شمال لبنان، حيث عملت على تحويل النفايات والمخلفات القابلة للتحلل، والمجمعة من السوق المحلي في المدينة إلى سماد عضوي. من خلال مشروع سيخلق فرص عمل، ويفيد المناخ البيئي والصحة في جزء من المدينة، التي تعاني من البطالة وعقود من الاشتباكات المسلحة.

نحو 50 برميلاً بلاستيكياً أزرق اللون، بها فتحات صغيرة للهواء، على الأرضية الخرسانية رمادية اللون، تشكل جزءاً مهماً من المخطط المستقبلي لهذه المجموعة الشبابية.

وسيتم قريباً ملء هذه البراميل بالنفايات العضوية القابلة للتحلل، والمجمعة من السوق المحلية. بحيث تتفاعل تلك النفايات بالبكتيريا، كي يتمكن الشبان والشابات من استخراج الأسمدة العضوية السائلة منها، والتي يقومون ببيعها للمزارعين في المنطقة.

ومن المتوقع أن يدر هذا النشاط عائداً اقتصادياً جيداً لهؤلاء الشبان الجامعيين، وفي الوقت ذاته، سيكون حلاً جزئياً وبسيطاً لما تعانيه هذه المدينة الساحلية من مشكلة النفايات.

ويرى الشبان أن هكذا مشاريع يمكنها إخراج المدينة من دوامة الاشتباكات العنيفة، التي تظهر من العدم، ومن دون أي سبب معروف، بين الفينة والأخرى.

محاربة البطالة

أحد القائمين على المشروع قال لوكالتنا: "نحن نساعد على خلق فرص عمل للشباب، ومحاربة البطالة المتفشية في مجتمعنا، في حين تعود بالفائدة على نظافة البيئة، من خلال جمع النفايات وإنتاج الأسمدة التي لا تلوث".

وأضاف: "حتى الآن، لدينا أربعة شبان يتقاضون رواتب، والذين سوف يساعدون في تجميع النفايات العضوية من السوق. وعلى المدى البعيد يمكن زيادة هذا العدد".

وبحسب خطة المبادرة، فإنها تضمن التوصل لبيع السماد العضوي بأسعار يمكن أن تنافس البديل الكيميائي من السماد، كما هو الوضع اليوم، فإن تكلفة الطن من الأسمدة العضوية قد بلغ نحو 600 دولار، في حين أن الطن من الأسمدة الكيميائية يكلف أقل من نصف هذا المبلغ.

ويأمل الشبان أن يؤدي العائد المادي للمشروع، إلى تحقيق أرباح جيدة، بحيث تكون مبيعات الأسمدة العضوية، قادرة على الاستمرار ومنتظمة من دون وجودها.

تدوير النفايات في المخيمات

ولأن المخيمات الفلسطينية في لبنان جزء من نسيج هذا المجتمع، نظَم قسم التواصل المجتمعي في "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين - الأونروا" حلقة نقاش، تخللها عرض أفلام توعوية حول موضوع النفايات الصلبة والفرز من المصدر في مخيم البداوي شمال لبنان.

وسلّطت الحلقة الضوء على مشكلة النفايات الصلبة داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان وكيفية الفرز من المصدر، كما هدفت إلى زيادة الوعي حول الصحة البيئية وأهميتها لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين بخاصة في ظل ظروف العيش الصعبة داخل المخيمات، ومعالجة هذه المشكلة، من خلال تحفيز الأهالي على المشاركة بجهودهم من خلال الجمعيات المحلية داخل المخيمات.

وفي السياق تعمل مؤسسة "جفرا" في مخيم برج البراجنة في بيروت، على تدوير النفايات لتصنيع السماد الطبيعي العضوي، من خلال جمع الخضراوات المتلفة من محال الخضار ونقلها إلى أسطح منازل المخيمات لتدويرها.

القائمون على مؤسسة "جفرا" أكدوا أنه بعد أزمة النفايات التي مرت على لبنان، والتي بدورها أثرت على المخيمات الفلسطينية بشكل كبير، فكروا أنه يجب تخفيف العبء عن المخيمات، فظهرت معهم فكرة تدوير النفايات في المخيمات، وهو أمر جميل ومفيد للمجتمع.

وترى المؤسسة أنها قادرة على تدوير النفايات وتحويلها إلى أسمدة للاستخدام وللبيع، مثل الخضار، الورق، الكرتون، النشارة... واستخدامهم في الآلات الموجودة لتصنيع السماد الطبيعي الذي يستخدم للزراعة.

وتزرع مؤسسة "جفرا" جميع الخضراوات العضوية على أسطح المنازل في مخيم برج البراجنة للتشجيع على الزراعة، ومن دون مقابل يتم توزيعها على عائلات المخيمات.

وتعمل المؤسسة من خلال حملتيها "سوا منغير" و "سوا منزرع" في المخيمات الفلسطينية على تشجيع اللاجئين لتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال تسليمهم بعض مستلزمات زراعة النباتات في منازلهم وتدريبهم على العناية بها واستثمارها بالشكل الأمثل على أسطح المنازل.

"سوا.. مخيمنا أنظف"

ونحو الهدف نفسه أطلقت جمعية "أحلام لاجئ" في مخيم شاتيلا ببيروت مشروع "سوا.. مخيمنا أنظف" لفرز النفايات من المصدر، لجمع نفايات المنازل والمحال التجارية في نطاق المخيم، يومياً، بشرط الفرز من المصدر. وتتولى فرق المشروع توزيع الأكياس الخاصة بالفرز على السكان.

فكرة المشروع قائمة على زيادة التوعية من خلال توزيع منشورات على البيوت والمحال التجارية وعلى المارة حول أهمية الفرز، وكيفية العملية، ولذلك يتولى المتطوعون في المشروع توزيع أكياس نفايات متعددة الألوان، أهمها الأسود المخصص للمواد الصلبة، كالبلاستيك، والمعادن، والأزرق للمواد العضوية والورق، إذ يدلّ كلّ لون على نوع النفايات التي يجب أن توضع فيه.

بعد ذلك يتولى العمال أخذ النفايات من المنزل أو المحل التجاري، ونقلها بواسطة آليتين، الآلية الأولى تحمل النفايات العضوية وتأخذها إلى مكبّ النفايات، وآلية أخرى تأخذ النفايات الصلبة التي جرى فرزها إلى المعمل. وبعد عملية فرز النفايات في المعمل تُنقل إلى المستوعبات، ويجري تكبيسها بحسب نوعها، ثم تباع إلى بعض الشركات.

العمال في هذا المشروع يقولون إنه قبل هذا العمل، كانوا يعملون في مهن عدة، لكنّ عملهم تراجع بسبب أزمات لبنان الأمنية والاقتصادية، فوجدوا فرصة في مشروع إدارة النفايات، بعدما كان معظمهم عاطلين من العمل.

ويؤكدون أن هذا المشروع ساعد العديد من الشبان العاطلين من العمل في إيجاد فرص عمل لهم، بدلاً من التوجه نحو تجارة المخدرات والسرقات.

وتقدّر دراسة أجراها "البنك الدولي" في العام 2004 تكلفة التلوّث البيئي الناجم عن الطمر والحرق غير القانوني للنفايات بنحو 10 ملايين دولار سنوياً، وترتفع هذه الكلفة باستمرار. فيما أظهرت دراسة أخرى أجراها خبيران في إدارة النفايات في العام 2014 أن تكلفة التدهور البيئي بسبب سوء إدارة النفايات الصلبة تبلغ 66.5 مليون دولار سنوياً، أي 0.2 % من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2012.

إن عدم وجود استراتيجية شاملة لإدارة النفايات الصلبة في لبنان، له تكاليف بيئية وصحية باهظة بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"ائتلاف إدارة النفايات"، فقد عادت النفايات إلى التكدّس في شوارع بيروت ومحيطها في مشهد يُعيد إلى الأذهان أزمة النفايات، عندما بلغ مطمر برج حمود سعته القصوى في 30 أبريل/ نيسان 2020 وتوقّف عن استقبال النفايات.

(ح)

ANHA