​​​​​​​ثورة 17 تشرين.. بين اغتيالها وانفجار الشارع اللبناني

يتزامن ارتفاع أسعار السلع والمحروقات في لبنان، وبقاء الحد الأدنى للرواتب وبدل النقل للموظفين على حاله، مع حدثين أساسيين، الأول تشكيل حكومة جديدة زادت من الأزمات على كاهل المواطن. والثاني تزامُن ذلك مع ذكرى ثورة 17 تشرين الأول التي اشتعلت لهذه الأسباب. فهل نحن أمام العودة إلى الشارع والانتفاض، أم أن المواطن سيكتفي بالمعارضة على مواقع التواصل الافتراضي، ويتجه إلى التغيير عبر صناديق الاقتراع – إن حصلت – في ربيع العام المقبل؟

​​​​​​​ثورة 17 تشرين.. بين اغتيالها وانفجار الشارع اللبناني
الجمعة 29 تشرين الأول, 2021   07:36
بيروت – زياد أبو غزالة

ليس مستبعداً أن يرجع اللبنانيون إلى الشارع، بعدما عجزت بلادهم عن حفظ كرامتهم في بيوتهم. وعلى ما يبدو لن يمر شهر تشرين الأول الذي فجّر ثورة تشرين، دون أن يخرج الناس عن صمتهم بعد مرور أكثر من سنتين على أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد.

الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان دعا المواطنين إلى النزول للشارع لمواجهة سياسة الإذلال والتجويع، والتحضير لخطوة العصيان المدني الشامل مع كل القوى النقابية الديمقراطية المستقلة ومع قوى التغيير الديمقراطي الحقيقي، بما يفتح المعركة على مصراعيها مع الحكومة والمنظومة السياسية برمتها.

وكان الاتحاد جدد المطالبة بإقرار السلم المتحرك للأجور وربطه بزيادة غلاء المعيشة فصلياً، أي كل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى دفع المنح المدرسية وفقاً للحد الأدنى الجديد للأجور، وآخر مؤشر فصلي عن غلاء المعيشة كل سنة، وكذلك رفع بدل النقل عن كل يوم عمل وربطه بسلم متحرك للمحروقات في ظل رفع الدعم الكلي عنها.

في الجانب الموازي، بحث رئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي مع الهيئات الاقتصادية اللبنانية والاتحاد العمالي العام، الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وسط مطالبات برفع الحد الأدنى للأجور إلى ما لا يقل عن مليوني ليرة لبنانية بدلاً من 675 ألف ل.ل. لكن إجراء الحكومة الشكلي والعادي جداً ليس بالشيء العظيم الذي يذكر ولا أقل من ذلك بكثير. فبالمقارنة مع رفع الدعم الكلي عن أسعار المحروقات، وثبات أسعار السلع والبضائع عند أرقام خيالية بالمعنى الحقيقي، فيما لا يزال الحد الأدنى للأجور على حاله، ينتهي اللبنانيون إلى نتيجة بأن كلام الحكومة والمسؤولين كافة، اليوم، هو مرحلة متأخرة جداً عن المأساة التي يعيشونها، ويلزمها جهود مضنية لسنوات حتى تكون على قدر المسؤولية، والحرمان المتفشي.

وإنه لمن سخرية الحال في لبنان، أن تتجاوز المعاناة الكوميديا السوداء التي يعرفها رواد مواقع التواصل الافتراضي، فبعد أن كان اللبنانيون يقرأون عبارات مضحكة مبكية في آن معاً عن أن العامل ميسور الحال غالباً ما يجد راتبه على حذاء في واجهة المحل، صار اليوم راتب اللبناني يساوي 4 صفائح بنزين، مع تجاوز سعر صفيحة البنزين الـ320 ألف ل.ل.

معطيات تكشف حجم الأزمة الإنسانية في لبنان، وربما تكون الأيام المقبلة حاسمة في أخذ الخطوة الجادة نحو التغيير، وقد تكون أيضاً استكمالاً لمشروع الاستسلام للنظام السياسي الفاسد. وحدهم اللبنانيون يحددون ذلك، أياً يكن، الحقيقة الثابتة أن الانسلاخ من التبعية الطائفية والسياسية في لبنان هي الفرصة الأخيرة وطوق النجاة الوحيد للوصول إلى بر الأمان بعد عقود طويلة من تكرار الأخطاء التاريخية.

"حكومة إنقاذ".. أطرافها مشلولة

بإمضاء دولي، الخارج متشائم حيال الوضع في لبنان. ومن باريس نقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين رفيعي المستوى يأس بلادهم إزاء الأوضاع في لبنان، وبخاصة الأداء الحكومي الذي لم يحقق أي إنجاز ملموس حتى اللحظة ولم يكن على قدر التوقعات. وقد أكد المنسق الفرنسي للمساعدات الدولية للبنان بيار دوكان، للمسؤولين اللبنانيين خلال اجتماعاته بهم أنهم لن يحصلوا على أي مساعدات ما دامت الدولة اللبنانية لم تشرع في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، مشدداً على أن حكومة ميقاتي لم تقم بعد بأي إصلاح.

يصدر هذا الكلام عن فرنسا وهي الداعمة للحكومة الحالية، ما يؤكد أن لبنان يواصل سيره على طريق الانزلاق، ومن المرجح بأن يطرأ عليه المزيد من التدهور، إذا استمر الحال على ما هو عليه من البطء الشديد، خطوات إصلاحية تتثاقل خطاها بشكل طردي مع الانهيار السريع في شرايين الحياة الاقتصادية والحيوية بالبلاد.

اللـُّحمة بين اللبنانيين هي الأخرى عرضة للانهيار، فالأزمة المتفاقمة تفضي إلى قاعدة شعبية منقسمة فيما بينها حد الاقتتال السياسي والطائفي. وعليه، فإن فرنسا والمجتمع الدولي عموماً يطالبون المسؤولين اللبنانيين أن يكونوا على قدر من الوعي الكبير لهذه المخاطر، وللمصلحة العامة للشعب اللبناني.

تدرك باريس هذه التعقيدات في وجه الحكومة الراهنة، وتعول على عامل السرعة في التحضير لمباشرة التفاوض المسؤول مع صندوق النقد، والذي سيكون نافذة لبنان على معونات تكبح الانهيار وتنهض بالاقتصاد اللبناني من قاع غرق فيه.

داخليًّا، وعلى الرغم من كل ما قد قيل سابقًا من أن الحكومة المقبلة ستكون حكومة إنقاذ تضع التدهور الاقتصادي عند حده، وتخفف سرعة السقوط الحر وقوته، إلا أن اللبنانيين لم تختلف أحوالهم أبداً. فالدولار ما يزال محلقاً في سطوة استثنائية على العملة الوطنية، والبضائع والسلع لم تفارق رفوف المحتكرين أبداً، وحال المحروقات ليس بأحسن حال مع ارتفاع أسعارها بشكل جنوني، أما المواطن فلا يملك في مواجهة هذا سوى ما يعادل خمسين دولاراً، مجبور على أن يعيش بها وعائلته الشهر كله.

واقع مأساوي، لا يغيّره أمل ميقاتي باستئناف جلسات الحكومة في أقرب وقت، وذلك بعد توقفها لنحو أسبوعين جراء الأحداث الأخيرة بين مقاتلي الثنائي الشيعي وحزب القوات. أمل استيأس منه اللبنانيون، فلا رئيس الحكومة ولا تشكيل الحكومة ولا جلسات الحكومة، قادرة على كسر مخاوفهم وطمأنتهم، في ظل الأداء الحكومي الرديء الذي فاقم الأوضاع سوءاً في البلاد. فما يعاني منه اللبنانيون في سوادهم الأعظم فقدان الثقة بالطبقة الحاكمة جميعها دونما استثناء، لا سيما مع تذكر أمجاد ثورتهم التي انقضى من عمرها عامان ولم ينبت لها ناب يعض على حقوقهم ويقطفها من أيدي المسؤولين.

والأخطر من هذا كله في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين، هو أن تبقى الشرائح الأخرى في جلباب الزعيم اللبناني، المرتهن أصلاً إما لمصالح داخلية ضيقة، وإما لحليف دولي. فتكون النتيجة الذهاب مجدداً إلى صناديق الاقتراح ربيع العام المقبل، إن أتيح لها ذلك، فتعيد انتخاب الطبقة الحاكمة نفسها فتحافظ على تواتر السلسلة القديمة ولا تكسرها، أو تحسب أنه من الممكن إجراء تغييرات هائلة عبر هذه الصناديق دون الرهان على ثورة شعبوية على المنظومة الحاكمة بكل مكوناتها ومنابتها.

(ح)

ANHA