"تاكسي التوك توك"... في زمن ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان

بعد الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات في لبنان، لم يعد المواطن الفقير أو حتى المتوسط الحال، قادرًا على التنقل والذهاب إلى عمله أو مدرسته أو جامعته، في ظل عدم قدرته على ملء خزان سيارته بالوقود، لذلك لم يعد أمامه سوى الاعتماد على "توك توك" التاكسي، أو الدراجة النارية كوسيلة نقل، وذلك إما بامتلاك واحدة أو بديلًا عن سيارة الأجرة.

"تاكسي التوك توك"... في زمن ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان
الخميس 28 تشرين الأول, 2021   04:17
بيروت- زياد أبو غزالة

"الحاجة أم الاختراع".. عبارة ينطق بها لسانك لمجرد أن تمشي في العاصمة اللبنانية بيروت، أو حتى في غيرها من المناطق. إذ تنتشر في الشوارع ظاهرة جديدة، وهي تحويل الدراجات النارية أو ما يسمى "توك توك" إلى "تاكسي" لنقل من يرغب من الركاب إلى أماكن قريبة، مما يغنيهم عن دفع كلفة سيارات الأجرة التي باتت مكلفة نتيجة ارتفاع سعر الوقود بشكل جنوني.

صاحب "توك توك" في مدينة صيدا يحيى شحادة يقول لوكالتنا: "إن المواطن اللبناني يدفع بدل نقل في سيارة الأجرة أكثر من 20 ألف ليرة، بعد أن كانت لا تزيد على ألفي ليرة للراكب، وهذا منع المواطنين من التنقل بالسيارات، ولم يكن أمامنا سوى اعتماد التوك التوك أو الدراجة النارية كوسيلة نقل، وقررنا مع مجموعة من السائقين، أن نعتمد كلفة التنقل 3 آلاف ليرة للراكب. وهو مبلغ يناسب السائق والراكب معًا".

/ar/uploads/files/2021/10/28/071919_2867bdcd-d976-48a4-9781-2cc504941c1b.webp

وأكد شحادة أن هذه الآلية انتشلته من البطالة والفقر الذي كان يمر به، وفتحت أمامه أبوابًا حتى في عمله الأصلي، فقد دخلت إلى أغلبية المنازل وأصبحت تجمعني بهم علاقات.

وأضاف "صحيح أن لا دخل ثابت، فهي تعمل لكل يوم بيومه، فيمكن أن تحصل في يوم واحد على مئة ألف ليرة لبنانية ويوم آخر لا تعمل، لكن بالمجمل أمّن لي موردًا مقبولًا وأبعد عني شبح العوز وهذا أكثر من كاف في الظروف التي نعيش بها".

ملاذ الطلاب وأسرهم

بدأت حركة "التوك توك" والدراجات النارية لـ"التاكسي" تنشط أكثر مع بداية العام الدراسي، وتعمل على نقل الطلاب بالأجرة بسعر أقل من كلفة النقل بحافلات المدارس، التي وصلت في بعض المدارس الخاصة بالعاصمة إلى نحو مليون ليرة لبنانية في الشهر، بعد أن كانت لا تتجاوز 75 ألف ليرة فقط.

والد أحد الطلاب قال لوكالتنا: "لم يكن أمامي خيار إلا استخدام سائق "توك توك" لنقل ابني إلى المدرسة، على الرغم من معرفتي بالمخاطر التي قد تنتج عن ذلك، لكني لم أتمكن من تأمين كلفة الحافلة إلى جانب القسط المدرسي، كان عليّ اختيار أحلى المُرّين".

وأضاف "أخشى قدوم فصل الشتاء، ولم أفكر للحظة كيف ستكون الحال حينها، تعوّدنا أن نفكر في لبنان يومًا بيوم ولا نعرف ماذا يخبئ لنا الغد".

سائقو "التاكسي الجديدة" يؤكدون أن "هناك ترتيبات ستتخذ لأخذ احتياطات الحماية من المطر في الشتاء"، وأنهم سيؤمنون لها مظلة خاصة.

فوضى.. ومخاطر

إذا كان المشوار قليل الكلفة على المواطن إلا أنه عالي المخاطر، في ظل فوضى القيادة في شوارع المدينة، وعدم تطبيق القانون من سائقي الدراجات، حيث إن غالبيتهم لا يضعون خوذة حماية على الرأس، ولا يجبرون راكبها على ذلك، كما لا يرتدون الملابس الواقية التي تحميهم عند التعرض لحادث أو عند السقوط عن الدراجة، ناهيك عن أنهم يسيرون أحيانًا كثيرة عكس السير، ولا يلتزمون بالإشارات الضوئية، ويزاحمون بعضهم البعض في الأزقة الضيقة، ويشكلون إزعاجًا وخطرًا على السيارات وركابها، وحتى على المارة العابرين في الشوارع".

وعلى الرغم من الانتشار بشكل كبير جدًّا، يبدو أن لا حلول قانونية في القريب المنظور لاستصدار قوانين ترعى سير هذه الآلية، فهذا الأمر بحاجة إلى مشروع قانون من وزارة الأشغال والنقل، يٌقدم إلى مجلس النواب ويدرس في اللجان النيابية لتقره الهيئة العامة، وهذه الإجراءات تحتاج إلى وقت طويل في لبنان، في ظل البطء في التعاطي مع القوانين، أضف إلى ذلك أن حكومة لبنان ما زالت جديدة، والمسؤولين مشغولون بالأزمة الاقتصادية والقوانين المالية.

اتحاد نقابات قطاع النقل البري أوضح خلال تصريحات صحفية، أنه لا قانونًا رسميًّا وواضحًا ينظم عمل أي آلية في السير العام، فـ"التوك توك" مخالف، وبالتالي على القوى الأمنية مباشرة توقيفها من دون طلبنا.

وكشف الاتحاد أنه قدم اعتراضًا لدى وزارة الداخلية، وتم الاتفاق على صدور قرار من المحافظين في المناطق يمنع سير الـ"توك توك" على الخط العام، كما يمنعها من نقل الركاب وبتغريم كل من ينقل الركاب بواسطتها.

تراخ أمني

تسبب الدراجات النارية في لبنان إصابات في حوادث السير 35 مرة أكثر مما تسببه السيارات، وفق دراسات أعدتها جمعيات محلية متخصصة بحوادث السير، وهذه النسبة تزداد عند سوء استخدامها.

ويتشابه وضع الدراجات القانوني مع السيارات، إذ إن تسجيلها في مصلحة تسجيل السيارات والمركبات الآلية لا يختلف عن تسجيل المركبات الأخرى.

وعلى السائق اجتياز امتحانات قبل الحصول على رخصة قيادة للدراجة النارية، التي تكلف نحو 250 ألف ليرة.

وكان مجلس الأمن المركزي قد أصدر قراراً عام 2008 يمنع تجول الدراجات النارية في بيروت ليلًا، لكن الكثيرين من سائقي هذه الدراجات يشيرون إلى "تراخ كبير في تطبيق هذا القرار" منذ عامين، إذ يتحركون ليلًا بدراجاتهم من دون أن تتعرض لهم قوى الأمن.

وتعيش بيروت ولبنان عمومًا فوضى سير الدراجات النارية، حيث لا يطبق القانون عليها خصوصًا بعد الأزمة الاقتصادية التي أجبرت كلاًّ من الشرطي والسائق على البحث عن لقمة العيش وتأمين الأسهل لتسيير الأمور، ناهيك عن فوضى دراجات توصيل الطلبات "الديلفري" التي استحدثت إبان جائحة كورونا.

سائق الأجرة الخاسر الأكبر

في إطار الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في لبنان، تحاول فئة كبيرة من الشعب اللبناني تأمين البديل لمشاكلها، وأهمها المواصلات، بعضهم وضع خطة تقشف قاسية، ليصبح التنقل بالسيارة مقتصرًا على الضرورة القصوى، وبعد التنقل مشيًا على الأقدام للأماكن القريبة، والدراجات الهوائية، بدلًا عن سيارات الأجرة.

ولكن، وإن وجد البعض ضالته بالـ"توك توك" أو الدراجات النارية، إلا أن هناك معاناة تقع على عاتق سائق الأجرة، إذ جعله ارتفاع أسعار البنزين يضع التسعيرة التي تناسبه، بالإضافة إلى أن تكلفة إصلاح أي قطعة في السيّارة أصبحت باهظة وبالدولار، وبالتالي أي تسعيرة لا تكفي لإصلاح السيّارة في حال أصابها عطل تقني.

ويبلغ عدد السيارات العمومية في لبنان 33 ألفًا ومئتين و56 سيارة، وفق دراسة أعدتها "الدولية للمعلومات"، ما يعني أن آلاف الأسر اللبنانية تعتاش من هذه المهنة التي تنهار بسبب رفع الدعم عن الوقود.

(ش ع)

ANHA