السعودية وإيران.. هل يحدث التقارب؟ وماذا عن أزمات المنطقة؟

تتجه الأنظار خلال هذه الفترة، إلى مساعي التقارب السعودي – الإيراني، وتتفاوت نسبة الزخم تجاه هذا الملف الشائك بين تصريحات إيجابية مرةً وسلبيةٍ مرة أخرى من مسؤولي البلدين. فما هي إمكانية حدوث هذا التقارب؟ وما تأثير ذلك على أزمات المنطقة؟

السعودية وإيران.. هل يحدث التقارب؟ وماذا عن أزمات المنطقة؟
الجمعة 22 تشرين الأول, 2021   01:26
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

تتزايد المؤشرات منذ أسابيع على وجود مساعي جدية بشأن تحسن العلاقات بين السعودية وإيران والمقطوعة منذ أكثر من 5 سنوات، إلا أنه وعلى ما يبدو لا تزال الكثير من المعوقات تقف في طريق هذه المساعي.

وقطعت الرياض وطهران بشكل رسمي العلاقات بينهما عام 2016، بعد أن هاجم محتجون البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران ردًّا على إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر.

وتدعم كل من السعودية وإيران أطرافًا متعارضة في العديد من النزاعات الإقليمية والصراعات في المنطقة، وفي مقدمتها اليمن وسوريا ولبنان، واتهمت الرياض طهران بمهاجمة بنيتها التحتية النفطية وتزويد الحوثيين في اليمن بصواريخ تستخدم لمهاجمة أراضي المملكة.

بداية هذه المساعي بدأت من العراق، حيث أجرى مسؤولون سعوديون وإيرانيون جولات من المباحثات خلال الأشهر الماضية في بغداد.

وعلى الرغم من الغموض الذي شاب نتائج هذه المباحثات، إلا أن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود قال إن جولة رابعة منها عقدت في نهاية أيلول / سبتمبر الماضي وأعرب عن أمله في أن "تضع الأساس" لمعالجة القضايا بين البلدين.

وبدوره قال نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، إن المناقشات "تسير على المسار الصحيح"، حيث صرح: "لقد حققنا نتائج واتفاقات، لكننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الحوار".

قنوات اتصال في العراق وسلطنة عمان

الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي، تحدث حول ذلك قائلًا: "لا يوجد ما يسمى مفاوضات سعودية - ايرانية، هناك قنوات اتصال أولها عبر السفير السعودي في العراق والسفير السعودي في سلطنة عُمان".

وأوضح "وزارة الخارجية السعودية وضعت خلية لفتح حوار دبلوماسي بين البلدين، ولكن الأولوية الآن هي إنهاء الملف اليمني والتدخل الفاضح لإيران عبر التسليح بالطائرات المسيّرة والصواريخ المتوسطة والطويلة المدى. وحتى اللحظة لم تساعد إيران في إيقاف ذلك، بل تصرفات الحوثيين لا تريح الحلول الدبلوماسية علمًا أن القيادة العسكرية السعودية صرحت أن عدد طلعات الجوية تراجع لإبداء ايجابية بحل الازمة ولكن سيادة المملكة خط أحمر، وأي تعدّ سيتم إدانته والرد عليه فورًا".

‘السعودية رأت أن التدخل الإيراني في العراق بدأ بالانحدار’

وحول رؤية السعودية، أشار وهبي إلى أن "السعودية ترى أن التدخل الايراني في العراق بدأ بالانحدار وخصوصًا بعد فقدان الكتل الموالية لإيران حضورها في المجلس النيابي العراقي، ولكن الحضور الإيراني في كل من سوريا ولبنان لا يدعو للاطمئنان وخصوصًا أن السعودية مستعدة وحاضرة للمرحلة المقبلة، ولكن أزمة كورونا والإصلاح الإداري الداخلي مع انطلاق مشروع نيوم يأخذ حيّزًا مهمًّا لإرساء قواعد ثابتة في السياسة الداخلية للملكة".

‘بحث إيراني عن منفس من الضغوط الدولية’

وحول الأهداف الإيرانية من هذه المساعي، قال وهبي: "الظروف الدولية أيضًا الضاغطة عبر الهروب الإيراني- الأميركي من المفاوضات لعودة أمريكا إلى الاتفاق النووي وعدم التزام إيران بهذا الاتفاق يراوح مكانه، هذا لا يدفع المملكة إلى فتح قنوات جانبية ستعتبرها إيران إراحة للضغوط الدولية".

وأوضح في هذا السياق أن "إيران تسعى وبقوة إلى تعميق الخلاف الديني الطائفي وحتى أنها تتدخل بالأسماء لقادة من الطائفة الشيعية في الخليج وهذا يقلق كثيرًا ليس السعودية فقط، ولكن مجلس التعاون الخليجي مجتمعًا".

لا حلول في الأفق

وحول النتائج المتوقعة لهذه المساعي، رأى الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي أنه "لا حلول في الأفق إلا عبر مؤتمر واضح الأهداف وخصوصًا أن امتلاك إيران السلاح النووي سيصبح أداة تهديد لكل دول المنطقة".

وكان آخر المعلومات حول مساعي التقارب، كشفها مصدر دبلوماسي أجنبي في الرياض لوكالة فرانس برس.

وقال الدبلوماسي الأجنبي إن هناك شبه اتفاق بين الرياض وطهران في آخر جولة محادثات في بغداد على تهدئة التوتر بينهما والحرب بالوكالة الدائرة في المنطقة.

وأضاف الدبلوماسي الأجنبي أن الجانبين "سيضعان على الأرجح اللمسات الأخيرة للاتفاق" في جولة جديدة من المحادثات قد تأتي في غضون أيام.

وتابع قائلًا: "لقد توصلوا من حيث المبدأ إلى اتفاق لإعادة فتح القنصليات، وأعتقد أن الإعلان عن تطبيع العلاقات قد يأتي في الأسابيع القليلة المقبلة".

وأردف الدبلوماسي الأجنبي بالقول: "السعودية مهتمة بإنهاء الصراع في اليمن الذي كلفها مليارات الريالات"، موضحًا أن طهران تسعى أيضًا إلى إيجاد فرص اقتصادية مع الرياض في الوقت الذي تتطلع فيه إلى إنعاش اقتصادها المتضرر من العقوبات.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، قال يوم الجمعة، إن المنطقة تدخل مرحلة خطيرة مع تسريع إيران أنشطتها النووية.

وبخصوص المحادثات بين طهران والرياض، أوضح الوزير السعودي أنها "كانت ودية لكن لم تحقق تقدمًا ملموسًا".

‘الظروف الدولية دفعت إلى تعزيز الأدوات الدبلوماسية’

وبدوره، قال الباحث في العلاقات الدولية والشأن الإيراني الدكتور إياد المجالي، حول ذلك: "في ضوء حجم المتغيرات التي أخذت بتأثيرها دعم كافة الأطراف الإقليمية وفي أعقاب وصول إدارة الديمقراطيين والرئيس بايدن إلى إدارة البيت الأبيض، أعتقد أن هذا شكل دافعًا ومسوغًا لتعزيز الأدوات الدبلوماسية لحل ومناقشة عدد من القضايا والأزمات المتشابكة في المنطقة، خاصة أن كل الأطراف الإقليمية تحتاج في هذه الفترة إلى إعادة صيغة تحالفاتها وتأييد علاقاتها وأولوياتها ومصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية، خاصة بين الأقطاب الإقليمية المتنافسة والأكثر خطورة في المنطقة".

وأوضح "بتقديري تزايد حدة التوتر في مناطق الصراع القائم وتطور الموقف الأمريكي الذي يبحث عن خيارات جديدة في الاتفاق النووي الإيراني مقابل تخفيف مخالب طهران في المنطقة، وهي تأتي في سياق تخفيف حدة الصراع ووقف الحرب في اليمن والتي تشكل حقيقة عقبة أمام الرياض التي تحاول أن تقلل من آثار هذه الحرب على الداخل السعودي".

‘الإدارة الأميركية تدعم وقف الصراع في اليمن’

وحول الأهداف من هذه المساعي والموقف الأميركي من ذلك، قال المجالي: "تفعيل المسارات الدبلوماسية بين الطرفين التي يعتقد أن الإدارة الأميركية تدعمها منذ عدة شهور تحاول أن تحقق إنجازات عملية حقيقية على أرض الواقع، أعتقد أن هذا الجهد المستمر حول هذا المتغير يأتي برغبة أميركية في وقف الصراع في اليمن وحماية مصالحها ومنع الحوثيين من مواصلة تنمية قوتهم العسكرية ووقف الضربات الجوية الصاروخية للمنشآت النفطية التي تستهدف الشركات السعودية الأميركية في حفر الباطن".

وأوضح "بالإضافة إلى الحرب الطائفية التي تهدد أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي والتي أعتقد أنها يمكن أن تشكل سبب أن يدفع الطرف السعودي والخليجي إلى وضع معايير الأمن والسلم في مواجهة كل أشكال الصراع والتوتر التي تفرضها المجموعات المسلحة والميليشيات المدعومة إيرانيًّا في كل من العراق واليمن وسوريا وهذا يأتي أيضًا، بالإضافة إلى المخاوف المتزايدة من خطر الصواريخ الإيرانية التي تمتلكها قوات الحرس الثوري الإيراني والتي يقابلها أيضًا أزمة إيرانية اقتصادية تعصف بالاقتصاد منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي وتشديد العقوبات الاقتصادية منذ حزيران 2018".

‘عودة شبه مستحيلة للعلاقات’

وحول مدى إمكانية تحقيق هذه التقارب يعتقد المجالي "أن حجم التقاطع والتناقض في النزاع حول النفوذ في العراق واليمن وسوريا بين طهران والرياض، بالإضافة إلى أنه هناك انقسام تقف وراءه الرياض وطهران بالتوازي، هذا يساعد بشكل أو بآخر على مزيد من الصراع والتشدد في التعاطي مع آثار هذا الصراع والاستئثار بالنفوذ لكل منهما".

وأضاف "كل طرف منهم يحاول أن يحقق شكل من أشكال التقارب لكن بدون أن يظهر للآخر حاجته ولكن أعتقد أنه مطلب ملحّ لكلا الطرفين، خاصة في ضوء تقييم السياسية الخارجية الإقليمية لكل منهما وأعتقد أيضًا أن الأولوية الملحة بهذا الجانب تتطلب ذلك، وأعتقد أن السياسة الجانبية لكل طرف تناقش أولوياتها الملحة في المسار بين الطرفين المتنافسين للبحث عن المزيد من ضبط النفس المتبادل والقفز على العوائق التي تمنع أي محاولة للتقارب بينهما وبناء علاقات طبيعية وخاصة خلال الفترة القريبة المقبلة".

أما بالنسبة إلى فرص هذا التقارب، فأشار المجالي إلى أن "جانبًا من نجاحها مرتبط بشكل كبير في الأسباب التي تجعل عودة العلاقات الدبلوماسية السعودية - الإيرانية (والتي أعتقد أنها شبه مستحيلة) بواقع النزاع بين الطرفين. هما قطبان متعارضان في السياسات الإسلاموية. جمهورية إيديولوجية ثورية تقابل مملكة محافظة متشددة سنّية، كل طرف منهما يعلن أنه يمثل الإسلام. شرعية الانقسام بينهما شرعية انقسام طائفي بين الشيعة من جهة والسنة من جهة أخرى الأمر الذي يمنع هذه الفرص من التحقق إذا ما بقيت المسوغات السياسية قائمة بينهما".

‘مسعى سعودي إلى تخفيف حدة التشدد’

وحول موقف السعودية من ذلك، قال المجالي: "تسعى إلى تخفيف حدة التشدد في سياساتها المرتبطة بالتيار السلفي الذي كان يسيطر على توجهاتها في علاقتها مع طهران. أعتقد أن هناك تخفيف من حدة هذا التيار نحو الانفتاح وإعادة تأهيل رؤيتها لمستقبل أقل تشددًا وتمسكًا بالفتاوي الدينية ذات الأثر العكسي على علاقات الدولة السعودية مع أغلب الأطراف الإقليمية وحول أكثر القضايا تشددًا في المنطقة".

وأوضح في هذا السياق "هذا التخفيف يشكل اعتدالًا في مسار عمل وتوجهات الإدارة السياسية في السعودية وأعتقد أنها مدخل موضوعي لقبول الآخر والقفز على الحواجز والعوائق التي كانت قائمة في وجه القيادة السياسية في الرياض".

‘التقارب سيجلب الاستقرار للمنطقة’

أما حول كيفية تأثير نتائج المساعي الإيرانية - السعودية في فتح قنوات الحوار المشترك على أزمات المنطقة، يعتقد المجالي، أن "تأُثير أي مستوى من مستويات الاستقرار والتفاهم الإيراني - السعودي ستجلب الاستقرار لكافة دول المنطقة خاصة، وأن هذا الاستقرار سيعزز من فرص التعاون ويخفف من حدة المواجهة والتوتر وضبط العلاقات وفق أسس ومعايير دبلوماسية بين الحقوق والواجبات لكلا الطرفين ويوقف نتائج الأزمات المتراكمة على شعوب المنطقة حتى يكمن أن تشمل العراق وسورية ولبنان واليمن".

(م)

ANHA