أثيوبيا تستعد للملء الثالث واتهامات لأميركا بالتخاذل.. سد النهضة إلى أين؟

رغم المفاوضات المستمرة لإيجاد اتفاق ملزم يرضي جميع أطراف دول حوض النيل منذ ما يزيد عن 10 سنوات، إلا أن أزمة سد النهضة بقيت كأصعب الأزمات التي تهدد منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، فإلى أين تسير التطورات؟

أثيوبيا تستعد للملء الثالث واتهامات لأميركا بالتخاذل.. سد النهضة إلى أين؟
السبت 16 تشرين الأول, 2021   02:39
القاهرة - أماني عزام

وفي تطور جديد، أعلنت وزارة الخارجية السودانية، أن أثيوبيا بدأت تعلية الممر الأوسط لسد النهضة، ووضع جدران خرسانية، استعدادًا للملء الثالث للسد.

وأكد مصدر سوداني، انتظار بلاده دعوة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، فيلكس تشيسكيدي، الذي يترأس الاتحاد الإفريقي، لاستئناف التفاوض، مضيفًا أن "السودان سلّم وزير خارجية الكونغو، ملاحظاته بشأن منهجية التفاوض في أزمة سد النهضة".

ويجري ملء خزان السد خلال موسم الأمطار الذي يستمر من حزيران / يونيو حتى أيلول / سبتمبر كل عام، ويرتبط مستوى التخزين السنوي بارتفاع الممر الأوسط للسد.

وفي تموز / يوليو الماضي، أعلنت أثيوبيا "اكتمال المرحلة الثانية من ملء السد بنجاح"، على الرغم من حضّ دولتي المصب مصر والسودان، أثيوبيا، على تأجيل هذه الخطوة حتى التوصل إلى اتفاق شامل.

ولم تعلن أثيوبيا على وجه التحديد حجم المياه المخزنة خلف السد، إلا أن المرحلة الثانية كانت تتطلب الاحتفاظ بـ 13.5 مليار متر مكعب من المياه، بالإضافة إلى 4.9 مليار متر مكعب سبق تخزينها في الملء الأول، ليصل إجمالي المستهدف إلى 18.4 مليار متر مكعب.

ولكن خبراء مياه قالوا إن أديس أبابا لم تنجح في الوصول إلى هدفها أثناء الملء الثاني، إذ تم تخزين 9.6 مليار متر مكعب فقط من المياه، وهو ما يقل عن المطلوب بنحو 4 مليارات متر مكعب.

دعوات لعودة التفاوض

وقال المستشار الأمني لرئيس جنوب السودان توت قلواك، إن حل الأزمة هو في العودة إلى الحوار والتفاوض.

وقال قلواك في تصريحات صحفية، إن حل الأزمة هو في العودة إلى الحوار والتفاوض "حتى لا يتفجر النزاع في الإقليم فتكون له تداعيات خطيرة بسبب تلك القضية".

وأضاف أن بلاده تقدّر أن المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) بشأن سد النهضة استمرت لسنوات طويلة، وأن مصر والسودان سلكتا جميع الطرق الدبلوماسية لحل الأزمة.

طوارئ مصرية والمفاوضات مجمّدة

فيما قال وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، إن مفاوضات سد النهضة شبه مجمّدة"، لافتًا إلى أن القاهرة تلقّت اتصالات من دول مختلفة وعلى مستويات عدة لوضع حلول للأزمة، غير أنها ليست على مستوى الطموحات.

وطالب عبد العاطي، في تصريحات صحفية، "بآلية واضحة ومدة زمنية محددة مع وجود مراقبين دوليين، لهم دور للتوصل إلى اتفاق عادل وجاد حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة"، واصفًا الوضع فيما يتعلق باستئناف المفاوضات أنه في "شبه تجمّد حاليًّا".

وأعلن أن مصر جاهزة للتعامل مع أي طارئ فيما يخص قطاع المياه، مشددًا على أن الدولة لن تسمح بحدوث أزمة مياه، كما أكد ضرورة أن يثبت الطرف الآخر في ملف السد جديته، موضحًا أن مصر تؤمن بالتنمية لها ولجميع دول حوض النيل.

وأكد جاهزية مصر للتعامل مع جميع السيناريوهات حول سد النهضة، وأن هناك تنسيق كامل بين جميع أجهزة الدولة للتعامل مع قضية السد بلا تسرّع في اتخاذ أي قرار، مشيرًا إلى أنه يتم دراسة جميع القرارات التي تخص مفاوضات سد النهضة بتأنٍّ حتى يتم تحديد الوقت لتنفيذ أي سيناريو.

قانون يحفظ حقوق الدول الثلاث

وبدوره، قال السفير بسام راضي، المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية، إن هناك تفهمًا للموقف المصري بشأن ملف سد النهضة، لافتًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، أكد خلال المؤتمر الصحفي مع نظيره المجري، أن مصر ليست ضد التنمية لأي دولة شقيقة وحقها في توليد الكهرباء.

وأضاف راضي، في تصريحات صحفية أن الرئيس السيسي طالب بصياغة إطار قانوني ملزم يحفظ حقوق الدول الثلاث، قائلًا إنها نقطة واضحة يتفهمها الجميع.

وأشار إلى أن كل العوامل التي تجمع دول حوض النيل تدعو للتنمية والتنسيق وليس التنازع وخلق المشكلات، موضحًا أن البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن يدعو إلى سرعة الرجوع إلى المفاوضات خلال مدة زمنية محددة؛ تحقيقًا لمصالح الجميع.

ولفت متحدث الرئاسة، إلى أن صدور البيان الرئاسي عن مجلس الأمن، دليل على اهتمام كبير من المجتمع الدولي وتفهمه لموقف مصر، والقضية الحساسة لملف سد النهضة.

المياه "حياة أو موت" لمصر

فيما أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على أهمية المياه بالنسبة لمصر، ووصفها بأنها مسألة "حياة أو موت"، موجهًا الشكر لنظيره المجري يانوش أدير، في مؤتمر صحفي مشترك بالعاصمة بودابيست، على ما أبداه من استعداد للتعاون في هذا المجال.

وقال السيسي: "فيما يخص مسألة سد النهضة الإثيوبي، فمصر داعمة للتنمية والبناء في أثيوبيا"، مضيفًا: "موقفنا من سد النهضة دائمًا كان إيجابيًّا، وقلنا ونكرر إننا مستعدون أن نتعاون ونتشارك مع الإثيوبيين.. إحنا عايزين نعيش وهم كمان يعيشوا".

وتابع قائلًا: "نحن لا نريد أن تبقى المياه سببًا للصراع أو للمشكلات أو الصدام.. إنما للتنمية والتعاون فيما بيننا".

وأوضح الرئيس المصري "نحن نطالب بالوصول إلى اتفاق ملزم بشأن ملء وتشغيل السد"، وأعرب عن تقديره "لكل تصريحات أشقائنا في أثيوبيا أنهم لن يحاولوا التأثير على وصول المياه لمصر"، إلا أنه أضاف "هذا كلام رائع، لكن المهم أن يتحول إلى اتفاق قانوني ملزم".

التزام أميركي

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت مؤخرًا أنها ملتزمة بحل للأزمة يرضي جميع الأطراف، على الرغم من رفض أثيوبيا التوقيع على اتفاقية ملزمة بشأن سد النهضة، وذلك على لسان مسؤولين أمريكيين زاروا القاهرة والسودان مؤخرًا، وتناولت عدد من وسائل الإعلام هذه التصريحات.

مناورة أميركية

وفي ذات السياق، شكّك عدد من الخبراء فيما أعلنته الإدارة الأميركية مؤخرًا بأنها ملتزمة بحل لأزمة سد النهضة يرضي جميع الأطراف، لافتين إلى أن هذه مناورات أمريكية وليس هناك جدية حقيقة لحل هذه الأزمة، بل استهلاك مزيد من الوقت حتى تصعب الأمور على مصر والسودان.

وأكد الخبراء أن إدارة بايدن تمتلك أوراق ضغط على أثيوبيا، لو استخدمتها لأسهمت في حل الأزمة، ولكن هناك عدة عوامل تمنع ذلك؛ سواء باهتمام بايدن بتهديدات الصين وروسيا، أو بربط ذلك بملف حقوق الإنسان في مصر، وصولًا إلى تفعيل السد ومحاولة الاستفادة منه بشكل أو بآخر.

وحول ذلك، قال خبير السدود محمد حافظ في حديث خاص لوكالتنا: "أعتقد أن هناك أوراق لدى الإدارة الأميركية في عهد بايدن لاستعمالها في أزمة سد النهضة، ولكن يبدو أن اهتمام بايدن بأفريقيا وأزمة سد النهضة وغيرها، ليس بالقدر الذي يجعله أن يوظف هذه الأوراق على الأقل في الوقت الحالي".

ولفت الخبير إلى أن هذا يعود لسببين، الأول "يكمن في التركيز على منافسي أمريكا عالميًّا، وهما الصين وروسيا. وهو ما يؤرق إدارة بايدن ويحتل الاهتمام الأول لها، فضلًا عن تعهد بايدن بعدم تورط أميركا في أزمات دولية، على خلاف إدارة ترامب التي تدخلت بشكل مباشر في الأزمة، بل وفرضت عقوبات على أديس أبابا".

صناعة أميركية

من جهته، قال الخبير في العلاقات الدولية سيد أبوالخير، في حديث خاص لوكالتنا إنه: "بوسع أميركا حل أزمة السد لو أرادت من خلال ضغوط اقتصادية وسياسية وحتى قانونية، مثل إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف العمل في السد، والاقتصادية تتمثل في وقف التمويل للسد من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وغيرها، ولكنها لا تريد ذلك لأنها هي من صنعت الأزمة وتحركها كيفما تريد".

استهلاك وقت

فيما قال رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري، في حديث خاص لوكالتنا: "إن هناك فرق بين قدرة الولايات المتحدة على الحل ورغبتها فيه، فصانع القرار الأميركي يناور لصالح الملاك الحقيقيين للسد وهم البنك الدولي وشركاؤه من الشركات متعددة الجنسيات، ويرغب في استهلاك الوقت لصالح اكتمال بناء السد".

فرض أمر واقع

وحول السيناريو المتوقع لمثل هذه المحاولات يقول خضري: "سيقوم صانع القرار الأميركي بعمل مشاورات ولقاءات واجتماعات ليس فيها جديد، ثم سيتم تدشين مبادرة غير ملزمة لأثيوبيا ويمكنها التنصل منها وقت الحاجة، وستستمر تلك الدائرة حتى يكتمل بناء السد، وبذلك تصبح مصر أمام أمر واقع، فالوقت يضيق وليس أمام الجانب المصري إلا أشهر معدودة قبل بداية موسم الفيضان القادم، والذي إن بدأ؛ سيصعب من قدرة مصر على توجيه ضربة عسكرية تجاه السد".

(ي ح)