لبنان.. "لا لكف يد بيطار".. القضاء ينتصر على السلطة

عاد المحقق العدلي طارق بيطار لمزاولة عمله في قصر العدل، وذلك بعد قرار ردّ طلب كف يده عن ملف انفجار مرفأ بيروت. إلا أن النائب نهاد المشنوق سيتقدّم عبرَ وكيله القانوني المحامي نعّوم فرح بدعوى "ارتياب مشروع" لدى محكمة التمييز لنقل الملف إلى قاض آخر.

لبنان.. "لا لكف يد بيطار".. القضاء ينتصر على السلطة
الجمعة 8 تشرين الأول, 2021   04:05
بيروت – زياد أبو غزالة

رياح المرفأ لا تجري دائمًا كما تشتهي سفن السلطة، وإن كانت الأخيرة تسببت قبل عام بأكبر انفجار بالعصر الحديث، إلا أنها لا تستطيع اليوم تغيير الدفة إلى الجهة التي تريدها، حيث الجريمة تكتمل بصمت دون حسيب أو رقيب.

جريمة ارتكبتها السلطة بحق شعبها، ثم أرادت بعدها طي صفحة التحقيقات إلى غير رجعة. ولكن ما حدث كان عكس ما تنتظر. فمحكمة الاستئناف رفضت طلب الردّ المُقدّم من النائب نهاد المشنوق لكفّ يد المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت طارق بيطار. ما يعني بطبيعة الحال استئناف بيطار لعمله بشكل طبيعي بعد توقفها جراء تقديم دعوى الرد.

وفي المحصلة، سيكون من الممكن والمتاح بشكل عملي استجوابه للنواب والوزراء السابقين بدون العودة إلى مجلس النواب لطلب الإذن بالملاحقة، وذلك لأن القرار جاء قبل الـ 19 من الشهر الحالي؛ وهو موعد بدء الدورة النيابية، وتفعيل حصانة النوّاب والوزراء السابقين.

"هذا هو المنطق" ضاقت العبارة على أهالي ضحايا المرفأ، ولم يجد وليم نون شقيق الشهيد جو غير هذه الكلمات الثلاثة للتعبير عن الفرحة بقرار محكمة الاستئناف، في بلد لم يعد أي شيء فيه منطقيًّا. باسم الأهالي جميعًا أكد نون أن القرار انتصار لدماء أبنائهم، مشيرًا إلى أن الجميع يرتقب عودة القاضي بيطار لاستكمال التحقيقات. وهو المطلب الذي لم يتنازل عنه أهالي الضحايا لثقتهم العالية فيه.

فبعد عام كامل على جريمة تفجير المرفأ، لم يعد من ثقة أبدًا في أي من الطبقة الحاكمة، خصوصًا بعدما أظهرت نيتها في أن ترجع التحقيقات إلى نقطة الصفر. لتلاحق الحقيقة ويحجب صوتها، بدلًا من أن يحاسب الجناة وتثلج الصدور.

وفي تفاصيل اللعبة التي فشلت أو ما يسميه أهالي الشهداء بالمؤامرة، تبلّغ المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار دعوى النائب نهاد المشنوق، برده وتعيين بديل له. وكانت النتيجة أن علق بيطار تحقيقاته والإجراءات المتعلقة بالملف إلى حين تبت محكمة الاستئناف في بيروت برئاسة القاضي نسيب إيليا بقبول الدعوى أو رفضها.

دعوى النائب المشنوق، ودعوى الوزير السابق يوسف فنيانوس لنقل الملف من يد القاضي بيطار إلى قاض آخر، كلاهما يستند إلى أن بيطار قد خالف الدستور في ملاحقتهما التي تعود للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وكانت مصادر مطلعة على ملف التحقيقات أفادت أن التوجه الغالب إلى أن ينقل القضاء ملف ملاحقة النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق وفنيانوس من يد المحقق بيطار إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، لتستكمل المعركة بين بيطار ومجلس النواب.

وكذلك كشفت مصادر قانونية متابعة لملف التحقيقات، خلال الأيام الماضية، أن طلب كف يد القاضي طارق بيطار ليس إلا محاولة لتمرير فترة عدم انعقاد مجلس النواب حيث تكون الحصانات مرفوعة.

وأضافت المصادر نفسها أن "طلب الوزير نهاد المشنوق برد القاضي طارق بيطار هو مردود شكلًا، لأنه مقدم لمحكمة غير ذي صلاحية، ألا وهي محكمة الاستئناف المدنية. وقد عادت المصادر إلى العام 2007، حين رفضت محكمة الاستئناف آنذاك طلب تنحية المحقق إلياس عيد، واعتبرت نفسها غير مختصة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وكما كان متوقعًا رفضت الدعوى وعاد بيطار لمزاولة عمله، ولكن لم ينتهِ الكباش بين المحقق العدلي ومجلس النواب.

دعوى جديدة بحق بيطار!

بحسب ما أوردت وسائل إعلام لبنانية، فإن المشنوق سيتقدّم عبرَ وكيله القانوني المحامي نعّوم فرح في اليومين المقبلين بدعوى "ارتياب مشروع" لدى محكمة التمييز لنقل الملف إلى قاض آخر. ولفت فرح إلى أن "التمييز لا تقبل دعاوى طلبات الرد لأنها تعتبر بأنه ليسَ من اختصاصها".

وأشارت صحيفة "الأخبار" إلى أن "قرار محكمة الاستئناف وعدم القبول بدعاوى طلبات الرد يعني أن بيطار فوق القانون والمحاسبة، ويستطيع القيام بأي إجراء واتخاذ أي قرار من دون أن يستطيع أحد الاعتراض"، علمًا أنه "من غير المسموح أن تتمتع أي هيئة قضائية بصلاحية كاملة بحيث لا يُمكن الطعن بقراراتها".

ومع أن محكمة التمييز اجتهدت في اعتبار أن طلبات الرد ليست من اختصاصها، قالت مصادر معنية بالملف إن "الوزيرين خليل وزعيتر سيتقدمان بطلبات رد لديها"، وهو ما فسره مرجع قضائي بأنه "عملية كسب للوقت" لأن "الارتياب المشروع" لا يمنع القاضي بيطار من استكمال التحقيقات أو اتخاذ الإجراءات. بينما اعتبر أن محكمة الاستئناف "خالفت القانون؛ لأنها رفضت طلب الرد المُقدّم من خليل وزعيتر من دون اكتمال التبليغات".

هل ينجح بيطار في اختبار حبس الأنفاس مجددًا

إذًا تمارس أطراف سياسية كثيرة لعبة حبس الأنفاس مع المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار، وتحاول تحويل كل وقت في التحقيقات إلى وقت ضائع ترمي فيه بطاقاتها كلها لتكون فوق القانون وفوق الملاحقة القضائية بغطاء الحصانة.

اجتاز بيطار الكثير من العقبات منذ توليه منصبه في ملف التحقيقات، ويجتاز بالفعل حجر العثرة الأكبر مع رد دعوى كف يده. ولكن لا ضمانات بأن المعركة معه انتهت.

وزاريًّا، تستبعد المصادر المطلعة على ملف التحقيقات أن ترشق الحكومة الجديدة القاضي بيطار بحجارتها. فالملف صار بعهدتها وهي ستشرف عليه سياسيًّا وقضائيًّا. كما أن الحكومة كانت قد تعهدت بعد نيلها الثقة الشهر الماضي بإكمال التحقيقات في ملف المرفأ حتى المرحلة الأخيرة. وعليه لن تذهب الحكومة أو أي طرف فيها إلى خيار المواجهة السياسية مع القضاء.

أماً نيابيًّا فكل السيناريوات مفتوحة أمام مشهد مماثل، ربما يكون خلال الأيام القريبة. فلن يكون مقبولًا أبدًا للمجلس ملاحقة عدد من نوابه ورفع الحصانة عنهم، ولعل الأزمة بين الجانبين ستبلغ أشدها بعد هذا اليوم، لا سيما مع رفض دعوى النائب نهاد المشنوق.

وليس بعيدًا عن هذا، تهديد "حزب الله" للقاضي بيطار، الأمر الذي يجعل الباب مواربًا على خطاب مشابه وربما بنبرة أحد. وكانت رسالة نُقلت نهاية الشهر الماضي عن مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا إلى بيطار، امتعض فيها من أداء القاضي.

ووفقًا لمصادر إعلامية فقد جاء في الرسالة "واصلة معنا منك للمنخار، رح نمشي معك للآخر بالمسار القانوني، وإذا ما مشي الحال رح نقبعك". إلا أن بيطار لم يرف له جفن، وظل ماضيًا في عمله الذي تعهد لأهالي الشهداء بالالتزام به.

موقف يجدد القاضي بيطار التمسك به يومًا بعد يوم، صيانة لحرمة دماء الضحايا واحترامًا لمساره المهني وثوابته الوطنية. الأيام المقبلة وما يليها ستكون التطبيق الحقيقي لوعود بيطار وكلماته الثابتة التي يحفظها اللبنانيون ويرددونها: "أنا أستلم قضية قتل عاصمة" إلى "إما أن أنجح وإما أن أنجح" في وجه النظام الطائفي وأمراء الحرب.

(ح)

ANHA