غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية

غربتلي أرسوز، لم تكن مديرة التحرير الأولى في تاريخ الصحافة الكردية فقط، بل وفي تاريخ الصحافة التركية أيضًا. وكانت الثورية والمفكّرة والصحفية والمختصة في الكيمياء.

غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
غربتلي أرسوز: المفكّرة والصحفية والثورية
الخميس 7 تشرين الأول, 2021   08:27
كوناي آكسوي

من أهم الفروق التي خلقتها حركة حرية المرأة في كردستان، هو تنظيم المرأة في المجال الإعلامي. ففي الإعلام الذي أصبح القوة الأولى في العالم، يتعاظم دور مؤسسات الإعلام البديل والمرتبطة بالمرأة الكردية.

في 7 تشرين الأول عام 2013، ومن أجل تنظيم إعلام المرأة على ذرى جبال كردستان وفي ذكرى استشهادها، أسست رفيقات غربتلي أرسوز، اتحاد إعلام المرأة في كردستان (RAJIN).

أحد المبادئ التأسيسية لاتحاد إعلام المرأة في كردستان (RAJIN)، هو تجاوز اللغة الجنسوية والعنصرية والقوموية في الإعلام، وأيضًا نشر المواد الإعلامية من منظور آراء المرأة المطالبة بالحرية وتنفيذ المشاريع غير المكتملة لـ شهيدات الإعلام.

العمل الصحفي والثوري معًا

غربتلي أرسوز التي عززت الصحافة الكردية بتقاليد إعلامية عمرها قرن من الزمن، أصبحت أول صحفية تتولى إدارة التحرير في وسائل الإعلام في باكور كردستان وتركيا، واستشهدت قبل 24 عامًا. وكتبت التاريخ كامرأة مختصة في الكيمياء ومفكرة وكاتبة وصحفية وثورية. وعاشت متحررة من الأعراف البالية للمجتمع، وعُرفت بتميزها وشخصيتها القوية المنتفضة.

عاشت غربتلي حياة مليئة بالصعوبات؛ لم تستسلم أبدًا لنظام الهيمنة الذكورية. وتعرضت للاعتقال والتعذيب والمحاكمة. لم تخمد نيران الانتفاض والانتقام في قلبها أبدًا، ومارست العمل الصحفي والثوري معًا دون تردد على ذرا جبال كردستان.

كبرت مع قصص سيد رزا وبسي

تقول غربتلي أرسوز في إحدى مقابلاتها: "ولدت في قرية زيفر بناحية بالو في ولاية آلعزيز. قريتي هي قرية جبلية". ولكنها أصبحت غير موجودة منذ عام 1993، لأنها مثل آلاف القرى الكردية، تعرضت للحرق والتدمير الكامل على أيدي السلطات التركية".

ولدت غربتلي في أسرة كبيرة، كان يعمل والدها في ألمانيا. وتسميتها بهذا الاسم "غربتلي" جاء لهذا السبب. كبرت المناضلة مع قصص مقاومة سيد رزا وبسي، وقصص مقاومة الكرد في سبيل حقوقهم، لذا فهي وجدت نفسها في هذه القصص.

أنهت دراسة المرحلة الابتدائية في قريتها، وحصلت على المرتبة الأولى. وعلى الرغم من رفض القرويين ارتياد الفتيات للمدارس الاعدادية، لأن الإقطاعية كانت سائدة في القرية وكانوا يقولون "لا يحق للفتيات الدراسة"، أصبحت غربتلي أول فتاة من القرية تدرس الإعدادية، وبذلك أصبحت الملهمة لفتيات القرية اللواتي يرغبن بدراسة هذه المرحلة من التعليم. عبر دعم والدها، بدأت الدراسة الإعدادية، وبعد عام من المشقة والصعوبات، انتقلت إلى أضنة مع أمها من أجل الدراسة.

والدة الشهيدة غربتلي، فاطمة أرسوز، التي لم تتمكن من التعلم، كانت تسعى إلى أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة، كانت تصل الليل بالنهار، وغربتلي أرسوز التي كانت تقف دائمًا إلى جانب المظلومين والمدافعين عن الحرية لم تترك والدتها.  

غربتلي كانت تتحدث مع والدتها بلهجة(زازاكي)، ولم تكن تتقن اللغة التركية بشكل جيد، ما جعلها تواجه صعوبة كبيرة في المدرسة؛ لأن معظم الطلبة كانوا يستهزئون بها. إلا أنها لم تترك المدرسة وسعت على الدوام من أجل أن تكون من بين المتفوقين. 

تحدثت غربتلي أرسوز عن مصاعب تلك المرحلة قائلةً: "لقد بدأت بالدراسة دون توقف، كلما كنت أتعب كنت أستمع إلى الراديو، وفي النهاية اجتهدت وتعلمت القراءة والكتابة والتكلم باللغة التركية". 

في مرحلة الثانوية كانت غربتلي أرسوز تود اللحاق بكلية الحقوق أو العلاقات الدولية، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق ذلك، والتحقت بقسم الكيمياء، وبعد الانتهاء من المرحلة الجامعية في أنقرة، انتقلت إلى دراسة الماجستير في البيئة والطاقة.

غربتلي، وبعد تخصصها في قسم الكيمياء، عشقت المواد الكيميائية والمخبر، رئيس قسم الكيمياء في الجامعة كان على علم بذلك، وقال في أحد الأيام هذه الكلمات لغربتلي: "إن عشقك للمخبر شرط أساسي للمعرفة، لكن يجب ألا تنسي: إن لم تطبقي ما تعلمتيه على أرض الواقع فلن يكون لهذا العلم أي معنى".

غربتلي لم تنسَ كلمات معلمها، بل وأضافتها إلى نضالها، إلا أنها وعلى الدوام كانت تود مشاركة علمها وأفكارها مع المحيط والنضال من أجل شعبها.

كانت لمجزرتي جارنوبيل وحلبجة وقع خاص في نفس غربتلي، لذلك بدأت بالبحث عن إجابات للأسئلة التي كانت تجول في ذهنها: "يجب أن أرى الكيميائيين المشاركين في مجزرة جارنوبيل وحلبجة، كنت دائمًا أسأل نفسي من أنا؟ ماذا أفعل؟".

غربتلي وفي مرحلة دراسة الماجستير، خضعت لمرحلة التجربة في قسم الكيمياء مدة 3 أعوام ، وتعرفت لأول مرة على حركة حرية كردستان عبر مجلة "الهدف". 

في أضنة.. بدأ نضالها الثوري

عاشت غربتلي طفولتها في أنقرة، وشبابها ضمن النضال الثوري، وفي الوقت نفسه بدأت بالعمل الصحفي، وفي الـ 10 من كانون الأول عام 1990 اعتُقلت، وبعد التحقيق معها لمدة 15 يومًا، وتعرضها للتعذيب، تم نقلها إلى سجن مالطيا، وتم الأفراج عنها بعد عامين. 

تم التقاط صورة لغربتلي أثناء جلسة المحكمة، وظهرت آثار التعذيب على شفتيها ويديها بشكل واضح، كما تظهر ابتسامتها الخجولة، ونظرتها الثاقبة.

بعد خروجها من الأسر لمدة عامين، عملت غربتلي في صحيفة أوزكر كوندم Ozgur Gundemê، وبعد فترة وجيزة وبالتحديد في 15 كانون الثاني من عام 1993، تم اعتقالها في مركز الصحيفة، ومنذ تلك الفترة وحتى 23 نيسان 1993، بذلت جهودًا كبيرة من أجل العمل الصحفي، وتقول بصدد عملها الصحفي: "بالعمل الصحفي يمكن الوصول بشكل أسهل، كنت قارئة جيدة للصحف، لذلك تقدمت بشكل جيد في العمل الصحفي وكيفية كتابة الخبر، جميل أن تصل إلى الجميع قبل الكل، وأن تعلم ماذا يحدث في وطنك والعالم". 

أغضبت الدولة التركية!

خلال وقت قصير، تسلّمت غربتلي أرسوز إدارة النشر، وهذا الأمر الذي أغضب الدولة التركية، لهذا لم يتم دعوتها إلى اجتماعات هيئة الأركان التركية ورئاسة الوزراء. كما أن المراسلين والمحررين لم يتمكنوا من التواصل مع الوزراء ورؤساء الوزراء والأولياء والمحافظين والبلديات والمسؤولين لتأكيد أخبارهم وجمع المعلومات منهم.

وبذلت غربتلي أرسوز مع رفاقها أقصى جهودها في مسيرتها لرصد الحقيقة في الأحياء والأزقة، كما كان للجنرالات الصغار" التابعين للعم موسى حصة من هذا المجهود"، وفي ظل حالة الطوارئ التي كانت تشهدها كردستان، كانت غربتلي أرسوز تؤدي مهامها بحماس واندفاع كبير.

كما كانت إعاقة عمل توزيع الصحف واعتقال الصحفيين وقتل الموزعين الأطفال ومعاناتها من آلام الشقيقة وتشنجات المعدة جل ما يغضب غربتلي أرسوز.

مكثت غربتلي ارسوز في سن الـ (29) مع المحررين والمراسلين في غرفة صغيرة، وكأنها تدير الصحيفة لسنوات عدة، وتسليمها إدارة النشر لم يكن له معنى مهني فقط؛ إنما معاني عدة.

"امرأة مختلفة ووجهة نظر مختلفة"

وأتثبت غربتلي ارسوزأ أن صحيفة أوزكور كوندم صحيفة مختلفة، وتضيف في ذلك:" صحيفة أوزكور كوندم صحيفة مختلفة، حاولنا النظر إلى الأمور بعين مختلفة، يتطلب الأمر شجاعة، أنا لا أقول إنها مثالية، لكن على الأقل أحدثنا فرقًا، وقد عُرفنا كصحفيين كرد، وقالوا إنه لا وجود للقضية الكردية، لكننا قلنا لهم: "هذه هي الحقيقة" والآن تتحدث جميع الصحف أن للقضية الكردية وجود".

رأت غربتلي أرسوز أن الصحافة التابعة للسلطة لا تدون جميع الحقائق، وتستشهد بالأمثلة: "كـ MGK (المجلس الأمن القومي التركي) يتستر على الأحداث للإعلاميين، أين حدث شيء كهذا؟ ليس مهمًّا أي جهة كانت تخدم، إن كانت الصحافة تكتب حقًّا لَما مات الكثير من الناس".

"تعذيب وقص للشعر وجر في الممرات"

اعتقلت الدولة التركية العديد من المراسلين وموزعي صحيفة "أوزكور كوندم"، ومارست بحقهم جميع أنواع القمع والظلم، وفي 10 كانون الأول/ ديسمبر 1993، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، اعتقلت الشرطة التركية طاقم الصحيفة ومن بينهم غربتلي ارسوز بعد 13 يومًا من احتجازها، مارست السلطات التركية أشد أنواع القمع والتعذيب بحقها وقصت شعرها وعذبتها وجرتها في الممرات.

ومن ثم أرسلتها إلى سجن "سامجلار"، وأطلقت سراحها في المحكمة الأولى في حزيران 1994. وبعد ذلك واصلت عملها الإعلامي في الصحيفة.

وصفت غربتلي الفترة التي قضتها في السجن خلال مقابلة مع الصحفي نادر ماتر، نشرت في الـ30 تشرين الثاني 1997، "لم يتغير شيء، مثل الكيمياء، أنت في المختبر، وكيف تنظر للتحضير، لكن برأي مختلف، وكيف أن كل عدسة تنظر بشكلٍ وجهةٍ مختلفة، كذلك الأخبار كانت تخرج بعدسات جديدة، بحيث لا يمكن توضيح الصورة الخبرية إلا بعد دمجها وقربها".

وتقول غربتلي:" قبل قراءة الصحف اليومية، تورد لنا أخبار الاعتقالات والوفاة والاختطاف، والصحف المضبوطة والموزعة، لذلك نتواصل كل يوم مع محامين عبر الهاتف لاطلاعهم على الوضع، وأخذ تصريحات صحفية بذلك".

ميراث غربتلي أرسوز.. نهج تسير عليه الصحفيات الكرديات

كافحت في طفولتها من أجل تعليم الفتيات في قريتها، وعندما كبرت، واصلت نضالها من أجل التغيير والتحول، ومن أجل حقوق المرأة ونقل كفاحها إلى مستوى آخر. وتعليقًا على عملها كرئيسة التحرير في سنوات التسعينات، قالت: "من المهم جدًّا أن تكون امرأة كردية رئيسة التحرير. في السنوات الأخيرة، قطعت النساء الكرديات مسافة أكبر بكثير من الرجال. وإن مكاني اليوم مرتبط بذلك وكذلك بجهدي الخاص".

"وداعًا أيتها المدن"

بعد تعرضها للعديد من المضايقات والاعتقال، قررت غربتلي أرسوز، مواصلة كفاحها في منطقة أخرى بعد إطلاق سراحها من السجن. قالت: "وداعًا أيتها المدن" وتوجهت صوب الجبال الحرة، لتتابع مسيرة شقيقها الذي استشهد برصاص الدولة التركية بعد تخرجه من كلية الطب والتحاقه بصفوف قوات الكريلا.

لم تتخلَ غربتلي أرسوز عن أقلامها ودفاترها في كل طريق سارت فيه في الجبال أيضًا. وعُرفت بين رفاقها كامرأة ذكية إلى جانب كونها مقاتلة مميزة بين صفوف الكريلا.

هذا ونُشرت مذكراتها بعد استشهادها على شكل كتاب تحت اسم "نقشت قلبي في الجبال". ووصل إلى عدد لا يحصى من القراء وتمت قراءته باهتمام كبير.

"مع إرث غربتلي لن تبقى الحقيقة في الظلام"

استشهدت غربتلي أرسوز في 7 تشرين الأول عام 1997 خلال هجوم لقوات الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK على جبال غاري في باشور كردستان، ولا يزال مكان جثتها مجهولًا حتى الآن.

تركت الشهيدة المناضلة غربتلي آرسوز، خلال حياتها ميراثًا مهمًّا في مجال الإعلام. تحوّل بجرأتها وشجاعتها إلى إرث للإعلام الحر، تسير عليه كافة النساء لتسليط الضوء على الحقائق المظلمة. لا الدولة التركية ولا الحزب الديمقراطي الكردستاني يمكنهما تدمير أفكار غربتلي أرسوز وإبداعاتها.

وتواصل الصحفيات وناشطات الصحافة الحرة الكرديات تغطية الحقيقة في مدن وجبال كردستان، على خطا غربتلي. ويعتمد العديد من المجلات والصحف ووكالات الأنباء والتلفزيون والإذاعة والمواقع الإلكترونية في كردستان وأوروبا على هذا الإرث. منها وكالة أنباء المرأة (JINHA) وهي أول وكالة نسائية، ومنها إلى(JINNEWS)، إلى أول قناة تلفزيونية نسائية (JIN TV)، بالإضافة إلى مجلة (Jina Serbilind) في أوروبا، وإذاعة ستار إف إم (Star Fm)، وهي أول محطة إذاعية نسائية تُبث في الغرب، والعديد من المجلات وغيرها من الصحف.

واليوم في ذكرى صحافة المرأة الكردية، يعمل العديد من المناضلات الكرديات ضمن مجال الإعلام ويسرن على خطا الشهيدات، أيفر سيرجي في إيران، ودنيز فرات في مخمور، وشنكال نوجيان إرهان، والصحفية في وكالة أنباء المرأةANHA، ديليشان إيبش ودلوفان كفر في مناطق شمال وشرق سوريا، وغيرهن من الشهيدات اللواتي تركن وراءهن إرثًا قيّمًا في الصحافة الكردية بلون المرأة المناضلة، وحافظن على هذا الإرث بمواصلة النضال وتحقيق المزيد من المكتسبات القيّمة.