حمص .. عقدة مواصلات في طريق تجارة المخدرات

تحولت محافظة حمص إلى عقدة مواصلات في طريق تجارة المخدرات، ففي بعض أجزاء المحافظة يتم زراعة المخدرات، وفي بعضها الآخر تم افتتاح معامل خاصة لصناعتها، وعلاوة على ذلك، فهي تقع على الحدود السورية اللبنانية. وبالتالي؛ تحولت إلى مكان لتجميع المخدرات وإرسالها إلى دول الجوار عبر البحر أو البر.

حمص .. عقدة مواصلات في طريق تجارة المخدرات
الثلاثاء 21 يلول, 2021   04:11
حمص – أورشليم علاء الدين

يكاد لا يمر يوم إلا ونسمع فيه خبراً يتعلق بإحباط محاولة إدخال المخدرات من سوريا إلى دول الجوار، وخصوصًا لبنان والأردن، وأعلنت الأردن في أكثر من مناسبة إن قواتها أحبطت إدخال المخدرات على حدودها، واشتبكت مع المهربين وقتلتهم وصادرت برفقة المخدرات أسلحة معدة للتهريب أيضًا.

وسبق لمجلة إيكونوميست أن قالت بأن سوريا تحولت إلى "دولة مخدرات"، وتشكل أقراص "الكبتاغون" صادرها الرئيس، كما أن الاستخدام الداخلي لهذه الأقراص قد انتشر بشكل واسع وأصبح يلحق أضرارًا بالشباب.

وأضافت أنه مع انهيار الاقتصاد الرسمي تحت وطأة الحرب والعقوبات والفساد، أصبحت المخدرات الصادر الرئيس لسوريا ومصدر العملة الصعبة فيها، مشيرةً إلى أن مركز تحليل العمليات والبحوث - وهو شركة استشارية مقرها قبرص - أفاد بأن السلطات في أماكن أخرى صادرت العام الماضي مخدرات سورية بقيمة لا تقل عن 3.4 مليارات دولار، مقارنة بأكبر تصدير قانوني لسوريا، وهو زيت الزيتون، الذي تبلغ قيمته حوالي 122 مليون دولار في السنة.

حمص عقدة وصل

وعند البحث في موضوع تجارة وإنتاج المخدرات في سوريا وتهريبها إلى الدول العربية المجاورة أو إلى أوروبا، تتصدر حمص المشهد؛ كونها تشكل عقدة وصل بين المدن السورية ولقربها من الحدود اللبنانية.

وتقول مصادر من داخل حمص إن المخدرات تأتي في كثير من الأحيان من منطقة القلمون والمناطق الحدودية مع لبنان. والتي يتم نقل معظمها إلى القصير، وهي إحدى المناطق الكبيرة في حمص، وتخضع لسيطرة روسيا وحكومة دمشق ولكن ينشط فيها حزب الله عبر ضباط قوات حكومة دمشق وبعض وجهاء المنطقة، وتعد حاليًّا المحور الرئيس لإنتاج المخدرات في سوريا.

إن إنتاج المخدرات في منطقة القصير آمن ولا يواجه أي قيود، الأمر الذي أدى إلى انتشار زراعة القنب الهندي (الحشيش) في السنوات الأخيرة، حيث تتمتع المنطقة بظروف جوية جيدة، وتمتاز بكثرة المياه، ما يساعد في زراعة النبات.

حقول للزراعة ومستودعات للتخزين

ويقول مصدر من حمص (لم يكشف عن اسمه للضرورة الأمنية): "عرض أفراد من حزب الله على العمال الذين يزرعون الحشيش ويحتفظون به في منطقة القلمون، التوجه إلى منطقة القصير في ضواحي حمص؛ مقابل رواتب يومية تراوح بين 7 - 15 ألف ليرة سورية".

وتابع: "حوّل حزب الله عبر ضباط حكومة دمشق وبعض الوجهاء ذوي النفوذ، أجزاء كبيرة من الأراضي الزراعية في قرى المصرية (تتبع إداريًّا لمحافظة حمص وتقع جنوب غرب حمص وشمال وجنوب الحدود مع لبنان) وأرجون (إداريًّا جزء من محافظة حمص) والجوزية وغيرها من قرى المحافظة إلى حقول لزراعة القنب الهندي".

ويعمل سكان قرى المنطقة في حقول القنب. فهم يعملون في هذه الحقول مقابل أجور يومية تصل إلى 20 دولارًا في اليوم.

ولجأ الأهالي إلى الانخراط في هذه الأعمال القذرة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها السوريون في مناطق سيطرة حكومة دمشق، فمتوسط الدخل الذي يتقاضاه الموظف شهريًّا يصل إلى 100 ألف ليرة سورية، في حين أن القطاع الخاص ليس بأفضل حال منه.

ولا يُسمح للأشخاص العاملين في هذه المزارع حمل الهواتف النقالة في مكان العمل، ويتم التحقيق مع أي شخص ينتهك التوجيهات.

وبعد الحصاد، يتم الاحتفاظ بالمحصول لفترة قصيرة في المستودعات التي تم إنشاؤها. ويقول المصدر في هذا السياق: "في هذه المنطقة والمستودعات، باستثناء المواطنين اللبنانيين الأعضاء في حزب الله، لا يسمح للآخرين، حتى العاملين السوريين، بالدخول".

ولاحقًا، يتم نقل المواد المخدرة عبر طرق خاصة إلى مناطق القصير والهش والهرمل، حيث يتم تجفيفها وإعدادها للتهريب إلى خارج سوريا، وبعضها يجهز للبيع في سوريا.

وفي هذا السياق، يتم توريد المواد المخدرة إلى المناطق الساحلية مثل طرطوس وبانياس واللاذقية، ليتم تهريبها عن طريق البحر، أو يتم نقلها إلى المناطق الجنوبية لتهريبها عبر المعابر الحدودية إلى الأردن ومنها إلى الخليج.

ودائمًا ما ترفض الأجهزة الأمنية لدى حكومة دمشق دخول المناطق الخاضعة لسيطرة الضباط وذوي النفوذ الموالين لحزب الله، خشية اندلاع اشتباكات بين الطرفين، ولا ترغب حكومة دمشق بإحداث توترات مع حزب الله الذي دعمها طيلة سنوات الأزمة.

مصانع مواد مخدرة

مصدر آخر من حمص ومطلع على الموضوع، ذكر عددًا من المصانع الرئيسة التي يشرف عليها أفراد من حكومة دمشق وتجار الحرب، إلى جانب شخصيات لبنانية تتبع حزب الله.

وتحدث المصدر عن مصنع ومزرعة لزراعة القنب الهندي في بلدة "زيتا"، ويشرف عليه شخص يدعى "نوح زعيتر" وهو لبناني.

في حين هناك مصنع في "ناحية خربة تين نور" وهذا المصنع يحتوي قسمًا خاصًّا لإنتاج أقراص "الكابتاغون"، ويشرف عليه شخص يدعى أبو علي، وهو يقع بالقرب من قاعدة لواء الدفاع الجوي التي يسيطر عليها حزب الله وعناصر إيرانيون.

كما يوجد مصنع آخر في بلدة العقبة على الحدود السورية اللبنانية، وهو مصنع آخر معروف. يديره رجل وفتاة خبيرة "مختبر طبي" تقوم بإعداد مكونات إنتاج حبوب الكابتاغون، وهي المسؤولة عن التصنيع.

وهذه المعامل تنتج يوميًّا، ما يزيد عن 400 ألف قرص كابتاغون؛ بحسب المصدر.

تهديدات خطيرة

وفي هذا السياق يقول العنصر في إدارة مكافحة المخدرات في مدينة حمص، (خ.م): "إن محافظة حمص تشهد دائمًا عمليات نقل المخدرات بسبب حدودها المتاخمة مع لبنان".

وذكر أن معدل اكتشاف المخدرات في المحافظة هذا العام بلغ 1450 كغ، وأضاف: "ارتفع اكتشاف المخدرات في المدينة بنسبة 6٪ هذا العام"، وهو ما يمثل "تحديات كبيرة" في مجال التعامل مع أهم عملاء المخدرات.

ويؤكد أن أحد الأضرار التي تهدد المحافظة هو مسألة زراعة وتصنيع المخدرات إلى جانب الاتجار بها من لبنان إلى أجزاء أخرى من سوريا.

تبعات الأزمة السورية

وإلى جانب المخدرات، تحولت مافيات المخدرات مؤخرًا نحو الإتجار بالمواد ذات التأثير النفسي، بحيث زاد رواج هذه العقاقير ضمن المجتمع المحلي.

وفي هذا السياق، يقول الطبيب النفسي السوري، محمد زريق: "المتعاطون هم من يمتلكون سلوكيات معادية للمجتمع واضطراب في الشخصية، وليس لديهم القدرة الكافية على الامتثال للقوانين واللوائح، وعلاقاتهم مع الآخرين سطحية".

ويؤكد أنه "على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص ليسوا فاقدي الوعي، إلا أنهم غير قادرين على تحمّل الأنشطة البدنية والعقلية المنتظمة ولا يقبلون مكانًا ثابتًا أو عملًا ثابتًا، وتظهر خلفيتهم أنهم كانوا هادئين وإشكاليين خلال طفولتهم".

وفي شرح عن الشرائح العمرية التي يكثر فيها التعاطي في سوريا، يقول الدكتور هيثم صقر إن "غالبيتهم من الشباب الأصحاء الذين تراوح أعمارهم بين 15 و20 عامًا، والذين يتعاطون المخدرات عن طريق الاختلاط مع مدمنين".

ويرجع ذلك، بحسب الدكتور، إلى نقص الدعم الأسري والتنشئة السليمة، ويضيف: "يصبح العديد من الشباب مدمنين بسبب مشاعر العجز والإحباط وعدم الكفاية، وكذلك للإغاثة من الوحدة والضغط النفسي، وهذه كلها تبعات للأزمة التي تمر بها سوريا منذ 10 سنوات.

ويشير إلى أن الاكتئاب العقلي هو واحد من الأمراض الأكثر شيوعًا في عصرنا الذي يؤثر على مزاج وسلوك وشعور الفرد.

وفي معرض ذلك، فإن المسؤولين والخبراء الذين يبحثون عن إضفاء الطابع الاجتماعي على مكافحة المخدرات، لن ينجحوا بمجرد المكافحة الجسدية، ولكن ينبغي العمل بالتعاون مع الأسر وتدريبها على التواصل الفعال مع أطفالها وإبلاغهم بخطر المخدرات.

وبشكل عام، إن 170 دولة متورطة حاليًّا في المخدرات. وهناك مخاوف بشأن هذه القضية وهناك 16 مليون متعاطي مخدرات عن طريق الحقن في العالم، و200 ألف شخص يموتون سنويًّا، حسب إحصائيات الأمم المتحدة.

(ح)

ANHA