​​​​​​​أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 4

تستمر التحليلات حول مسار التطورات في أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان على البلاد، في ظل حديث عن تنافس إقليمي ودولي حول ملء الفراغ الذي تركته أميركا، فإلى متى تستمر معاناة الشعب الأفغاني؟ وما هو الحل؟

​​​​​​​أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 4
الجمعة 10 يلول, 2021   02:12
مركز الأخبار

أفغانستان عود على بدء.. أين يكمن الخلاص؟

بعد 20 عامًا من الحرب على طالبان، انسحبت القوات الأميركية في أعقاب اتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان التي أزيحت عن السلطة عام 2001. لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب. دون مراعاة لما دفعه الشعب الأفغاني خلال هذه الحرب.

عودة متوقعة

وحول ذلك، قال الباحث في الجماعات الإسلامية ومكافحة الإرهاب مصطفى أمين: "عودة حركة طالبان كانت متوقعة لكن غير المتوقع هي العودة السريعة. وفق كل المختصين والخبراء؛ كان دائمًا الحديث يتركز على إمكانية عودة طالبان خلال عامين على الأكثر إلى شراكة في حكم أفغانستان، لكن لم يتوقع أحد أن تصل الأمور إلى هذا السقوط المفاجئ وسيطرة الحركة على كل أجزاء أفغانستان ما عدا إقليم بنجشير".

طالبان رتبت أوضاعها مسبقًا

وحول أسباب انسحاب القوات الأميركية، قال أمين: "الكلفة الاقتصادية الهائلة التي أنفقتها الولايات المتحدة في هذه الحرب دفعتها إلى هذه الخطوة دون ترتيب الأوراق في الداخل الأفغاني بالشكل المطلوب أو الخادم لمصالحها فكان هذا السقوط السريع، لكن من الواضح أن طالبان كانت ترتب لهذا الأمر منذ بدء المفاوضات مع الولايات المتحدة عام 2015".

ويقدّر بحث لجامعة براون إنفاق الولايات المتحدة على الصراع حتى عام 2020 - بما في ذلك الأموال العسكرية وإعادة الإعمار في كل من أفغانستان وباكستان - بمبلغ 978 مليار دولار.

وأضاف أمين: "رتبت طالبان أوضاعها من خلال شبكة من التحالفات الولائية للقبائل الأفغانية. شبكة مع الإثنيات العرقية في أفغانستان والحديث عن أن عودتها ستكون آمنة. شبكة من خلال تطمينات لمسؤولين داخل الحكومة الأفغانية".

وأشار أمين إلى أن هذه "الشبكات مكنتها من العودة السريعة، وما يؤكد ذلك عدم دخولها في معارك عسكرية واسعة. جميع الولايات كانت تسلم إدارتها لحركة طالبان دون قتال، عدا بعض الولايات القليلة وهذا خطأ أميركي واضح. خطأ في التقدير الاستراتيجي من قبل الأجهزة الأميركية للموقف بعد انسحابها وأيضًا خطأ في تقديرها لقوة طالبان وقدرتها على عقد هذه التحالفات الولائية والسيطرة السريعة على أفغانستان، وهذا ما دفعت ثمنه الإدارة الأميركية وكان أبرزه العمل الإرهابي الذي استهدف قواتها في المطار".

وحول الوضع الداخلي الأفغاني قال أمين: "الشعب الأفغاني بطبيعته شعب متدين وحركة طالبان مستفيدة من هذا الأمر، الولايات المتحدة الأميركية على مدار 20 عامًا، استهدفت النخبة الأفغانية ولم تصل بشكل حقيقي إلى قواعد الشعب الأفغاني الذي كان مرتبطًا أكثر بالحركات الدينية والإثنية والمتعلقة بالعصبية القبلية، وهذا الذي جعل تأثير الإمبريالية الأميركية والسياسات الدولية غير كبير وأدى إلى هذا السقوط".

طالبان تتجه إلى الكتلة الشرقية

وحول الموقف الصيني والروسي أو ما يسمى بالكتلة الشرقية رأى أمين أن "أفغانستان تتجه إليها بشكل كبير. فالموقف الروسي واضح يتكلم عن موائمات تجاه طالبان، أما الجانب الصيني فهناك زيارات متبادلة بين الطرفين، هناك نوع من الثقة غير المكتوبة في عقد مع الأطراف الإقليمية والأمر نفسه ينطبق على باكستان، وهذا ما يجعل طالبان تتجه أكثر نحو الكتلة الشرقية وهذا ما سيؤثر على النفوذ الأميركي بشكل واضح".

وأضاف: "في المقابل، الأميركيون بعد العملية الإرهابية في مطار كابول حسموا الأمر وأعطوا أنفسهم فرصة ومساحة للتدخل الأمني والعسكري المحدود في أفغانستان بما لا يضر بمصالحهم، وبالتالي؛ هذا سيخلق أزمة أخرى لطالبان من الناحية الأمنية باعتبارها غير قادرة على استتباب الأمن. وهذا الموقف وضعته فيه بشكل أساسي داعش ولاية خراسان والمجموعات التابعة لها، وهذا ما وضعها في هذا المأزق وأظهرها بأنها غير قادرة على حفظ الأمن وهذا ما يترتب عليه صراعات واسعة مع ولاية خراسان خاصة في الجنوب والغرب وهذا ما سيشكل عامل ضغط على الحركة".

تركيا مستفيدة بشكل كبير

وحول الموقف التركي قال أمين: "مستفيدة بشكل كبير وسوف تجمعها مع أفغانستان علاقات جيدة بدأت الآن بإدارة المطار. تركيا تستفيد من الجماعات الوظيفية الدينية في العالم كله باعتبارها ترفع شعار إنها تنظيم إسلامي يحكم دولة كبيرة مثل تركيا. ربما يحدث اعتراف تركي بحكومة طالبان وهناك حديث عن تعاون واسع، الأمور تتجه لصالح تركيا وقطر".

أما بشأن موقف باكستان فرأى أمين "هي جارة مهمة لأفغانستان وتعتبرها طالبان امتدادًا للحركة كما أن لباكستان حسابات كبيرة في أفغانستان".

سيناريو سيء ومستقبل غير وردي

وحول مسار التطورات توقع أمين السيناريو الأسوأ، وهو "حدوث صراع داخل الجغرافيا الأفغانية وخاصة مع التحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود وهذا متوقع انفجاره في أي وقت، أيضًا هناك داعش سيوجّه عمليات واسعة ويحاول السيطرة على جغرافيا جديدة، بالإضافة إلى أن هناك مشاكل متعلقة بإيدلوجية الحركة فيما يخص المرأة والفن والثقافة والتعليم هذه كلها أمور تثير حفيظة الغرب".

وأضاف: "ناهيك أن الحركة تؤكد دائمًا أنها ستتعامل مع هذه المعطيات الاجتماعية والثقافية والدينية بمنطلق رؤية الحركة للإسلام، وهذا أمر غير مقبول من الغرب باعتبار أن الحركة لها سابقة متطرفة في الحكم من 1996 حتى 2001، وهذه أمور مقلقة على المستقبل الأفغاني وتضعه دائمًا في منطقة التوتر وعدم الاستقرار".

وأوضح أن "التأثير الوحيد الذي سيكون إذا عادت حركة طالبان مرة أخرى لاحتضان المجموعات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة وإحياءه بشكل أو بآخر، على الرغم من أن الحركة محكمة السيطرة عليه وعلى قيادته دليل أن التنظيم لم يصدر أي بيان أو تعقيب أو تأييد حتى. إذا تحولت أفغانستان إلى بؤرة لتنظيم القاعدة أعتقد أن الأمر سيكون مقلقًا جدًّا للعالم. ربما نرى تجربة العائدين من أفغانستان مرة أخرى".

واختتم حديثه قائلًا: "المستقبل غير وردي ويميل لحد كبير إلى السوداوية".

ضحايا الحرب

وتظهر نتائج هذه الصراعات والحروب بن القوى العالمية لا يهمها سوى مصالحها، كما أظهرت النتائج عقم الحلول الخارجية ومحاولة تكريس الحكم القومي أو الديني المتشدد.

وتُقدّر الأبحاث التي أجرتها جامعة براون الخسائر في قوات الأمن الأفغانية بنحو 69 ألفًا، وتُقدّر عدد المدنيين الذين قتلوا بحوالي 51 ألفًا وكذلك المسلحين.

وقُتل أكثر من 3500 جندي من قوات التحالف منذ عام 2001 - نحو ثلثيهم تقريبًا من الأمريكيين، كما أصيب أكثر من 20 ألف جندي أميركي.

ووفقًا للأمم المتحدة، يوجد في أفغانستان ثالث أكبر عدد من النازحين في العالم.

وقد فرّ نحو خمسة ملايين شخص منذ عام 2012، ولم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم، بعضهم نزحوا داخل أفغانستان وبعضهم الآخر لجأوا إلى البلدان المجاورة.

جذور المشكلة

وخلال 20 عامًا من الحرب ومحاولة الولايات المتحدة إسقاط حكومة طالبان إلا أنه تم إزالة الدولة ولم تتهدم حركة طالبان.

لم تؤسس القوات الأميركية نظامًا أفغانيًّا سياسيًّا جديدًا مبنيًّا على رضا الجميع كما أنتجت حكومات غير قادرة على الصمود لمدة ساعات قليلة.

ويقول القائد عبد الله أوجلان: "تظهر الفوضى العارمة المستشرية في البلدان والمناطق الأم للمدنية المركزية حقيقة إفلاس الدولتية القومية وتشاطر السلطة بكل نواحيها وبكل سطوعها".

ويضيف القائد أوجلان: "هذه الفوضى قد أسقطت كافة أقنعة الدولتيات القومية في فلسطين – إسرائيل والعراق وأفغانستان وأقنعة السلطوية التي ترتكز بجذورها إلى أرقى أنواع الهرميات، وجزمت بكونهما تشكلان المصدر الأولي للقضايا، وبسطت للملأ ومن جميع النواحي أن العنف والإرهاب والحروب والمجازر التي لا تعرف حدودًا تتغذى على هذا المصدر، لقد برهن كفاية أن الدولتية القومية ومشاطرة السلطة لا تمتلكان سوى كفاءة ضرب صاحبهما ونحره كما آلة البمرنغ".

ويرى القائد أوجلان أنه على الرغم من استخدام النظام المهيمن كل قواه إلا أن فعاليات إعادة ترميم الدولة القومية في العراق وأفغانستان لم تتكلل بالنجاح، تمامًا مثلما لم تثمر عمليات ترميم النظم المونارشية في أوروبا في الفترة بين 1815- 1830.

ويشير القائد أوجلان إلى أن أفغانستان وباكستان تشهدان من الأساس أزمة الدولتية القومية بكل فظاعتها فقد سلطت حروب الدولة القومية المندلعة خلال القرن الأخير على رؤوس تلك الشعوب وثقافتها نكبات ربما تفوق القنبلة الذرية حدة.

ما هو الحل؟

وفي مرافعته التي تحمل عنوان "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية"، يتحدث القائد أوجلان عن سقوط المدوي للدولة القومية التابعة لقوى عظمى بمجرد أن ترفع يدها عنها، ويقول: "تلك الدول المرتكزة على عكازة قوة العسكر والشرطة، قد أطيح بها بين ليلة وضحاها، بمجرد أن رفعت القوى المهيمنة يدها عنها".

وهذا ما حصل في أفغانستان التي لم تصمد حكومتها شهرًا بوجه حركة طالبان التي سيطرت على البلاد حتى قبل أن يتم إجلاء آخر جندي أميركي.

وعن كيفية حل المشاكل التي يعاني منها الشرق الأوسط عمومًا وليس أفغانستان لوحدها، يقول القائد عبد الله أوجلان: "نظرية الأمة الديمقراطية هي عنصر الحل الرئيس في العصرانية الديمقراطية، ففيما عدا نظرية الأمة الديمقراطية، ما من نظرية اجتماعية قادرة على إعادة توحيد صفوف المجتمع البشري العالمي وإحيائه ضمن أجواء مفعمة بالحرية".

(ح)

ANHA