أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 1

أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 1
الثلاثاء 7 يلول, 2021   01:57
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

الأهمية الجغرافية والنشأة.. حدود رُسمت بعناية
 

أطلق عليها الإنكليز لقب "مقبرة الإمبراطوريات"، وأعاد الرئيس الأميركي المنسحب منها، جو بايدن، التذكير بذات الاسم، فلماذا كانت أفغانستان طوال تاريخها الحافل في مفترق الطرق بين الإمبراطوريات الكبرى في العالم؟ ولماذا عجزت هذه الإمبراطوريات عن البقاء فيها؟ وأين يكمن الحل الغائب لهذه البلاد التي لا يزال مسارها غامضًا؟

على مدى قرون طويلة من الزمن بقيت أفغانستان مطمعًا للإمبراطوريات المختلفة كما كانت ساحة لحرب باردة، ومن ثم تحولت إلى مخبأ يعج بالكهوف لتعود إلى مواجهة أكبر قوة عسكرية في العالم (أميركا) التي انسحبت منها بعد 20 عامًا من الحرب.

وفي هذا الملف المؤلف من أربعة أجزاء، سيتم التطرق إلى تاريخ هذه البلاد وكيف تصارعت عليها القوى العظمى، وصولًا إلى الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان على السلطة، ومعرفة الحل لمشكلة أفغانستان والتي هي المشكلة ذاتها التي تعانيها دول الشرق الأوسط.

وفي الجزء الأول من هذا الملف سيتم العودة إلى تاريخ البلاد وخلفيات الصراع.

موقع أفغانستان.. حدود رسمت بعناية

تحتل أفغانستان أهمية استراتيجية كبرى من خلال موقعها الجغرافي وسط وجنوب أسـيا، هـذا الموقع يتوسط منطقة متنوعة الإثنيات والمصالح والأيدولوجيات، فعلى أرضها تتقاطع الأهـداف والنوايا للدول العظمى والكبرى والدول المحيطة بها، لذا أصـبحت مـن أهـم المنـاطق السـاخنة في العالم.

وتقع أفغانستان أقصى شرق هضبة إيران، ولقربها من جبال الهيمالايا التي تشبه القوس الذي يحيط بها ولا يمكن اختراقه فقد أصبحت رابطًا بين الإمبراطوريات العظمى في وسط آسيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية.

وأشار المؤرخ الكبير أرنولد توينبي Toynbee Arnold إلى أن بزوغ الحضارة من مهدها في ميزوبوتاميا (بلاد الرافدين) يوضح بجلاء خريطة العالم القديم ويميز بين البلاد التي تقع في الأماكن القصية المجهولة وتلك التي تقع في مناطق استراتيجية مهمة، فيضع سوريا وأفغانستان في هذا التصنيف الأخير باعتبارهما تقعان في منطقتين متميزتين، حيث كانت سوريا صلة الوصل بين الحضارات التي نشأت في أوروبا وأفريقيا وآسيا، في حين كانت أفغانستان هي النقطة التي تتفرع عندها الطرق الواصلة بين حضارات الهند وشرق آسيا ووسط آسيا والشرق الأوسط ومن ثم إلى أوروبا.

وقد كتب يقول: "ضع نفسك - ليس في أوروبا - ولكن في العراق، وسوف يتبين لك بوضوح أن نصف طرق العالم القديم تؤدي إلى حلب والنصف الآخر إلى باغرام (كان يوجد فيها أحد أكبر القواعد العسكرية الأميركية في أفغانستان)".

ويشير توينبي إلى أن باغرام كانت في يوم ما مرشحةً لأن يؤسس فيها قورش العظيم Great the Cyrus دولته العسكرية كابيش كانيش، وكانت مرشحة كذلك لأن تؤسس فيها مدينة الإسكندرية التي أنشأها الإسكندر الأكبر the Alexander Great في القوقاز بعد ذلك.

لصد روسيا

يقول القائد عبد الله أوجلان في مرافعته التي تحمل عنوان "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية": "أعيد بناء الدولة الإيرانية التي جلست على عرشها بضعة سلالات، بعد الحرب العالمية الأولى كدولة قومية حديثة أفرزتها حسابات إنكلترا في الهيمنة، على غرار ما حصل في مثال الجمهورية التركية والمملكة الأفغانية تمامًا".

ويتابع : "إنكلترا التي حجمت الجمهورية التركية وإيران والملكية الأفغانية، في هذه الفترة، قامت بهيكلة وتأسيس كلٍ منها كدولة قومية عازلة على الطريق الهابط نحو جنوب روسيا الاتحادية، وعدم تحويل تلك المساحات إلى أنظمة استعمارية كلاسيكية لا يتأتى من ضعفها، بل تخوفًا من توسع روسيا الاتحادية. سياسة الدولة العازلة هي نظام إنكليزي مطبق بنجاح عمومًا، بدءًا من مطلع القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا".

مواجهة إيران وحماية التاج البريطاني

ويقول المؤرخ الأميركي ستيفن تانر في كتابه -أفغانستان.. التاريخ العسكري منذ عصر الإسكندر الأكبر حتى سقوط طالبان: "أعتقد أن توينبي كان سيسعد لتأكد صدق نظريته لو عاش ليرى تحول مطار باغرام إلى قاعدة رئيسة للسوفييت في ثمانينيات القرن العشرين، أو ليرى جيوش بريطانيا وألمانيا وأستراليا — وليس فقط أميركا — في مطلع ذات القرن، تهبط في هذه النقطة الحيوية التي تستكين بين السفوح الجنوبية لجبال الهندوكوش".

وبحسب المؤرخ الأميركي ففي نهاية القرن التاسع عشر خطط المراقبون الأوروبيون حدود البلاد بهدف خلق دولة نموذجية من وجهة نظرهم تقع على الحدود بين الهند البريطانية وبين المد أو التيار الجارف القادم من روسيا في وسط آسيا.

ولذلك نجد أن الحدود الأفغانية تتبع نهر أوكسس (آمودريا (جيحون)) في الشمال وهاري رد في الجنوب في مواجهة إيران.

وفي المساحة بينهما عمد الروس إلى القيام بمناورة عسكرية تستهدف الاستيلاء على واحة مهمة قبل موافقتهم على خط ثابت للحدود.

أما في الجنوب فلم يكن هناك أي جدال حول الحدود الأفغانية مع بلوخستان التي تقع في باكستان الحديثة، حيث إن المنطقة بأكملها ليست أكثر من صحراء قاحلة تعتبر مصيدة موت لأية جيوش تخترقها، ولا تناسب سوى الرجال الأشداء الذين اختاروا العيش فيها.

وفي الشرق بذلت بعثة بريطانية برئاسة مورتيمر دوراند Durand Mortimer جهدًا كبيرًا في تحديد خط يمر في وسط جماعة البشتون العرقية بهدف التقليل من أهمية أفغانستان السياسية مع تحقيق أكبر فائدة جغرافية للمدافعين البريطانيين عن التاج البريطاني (الراج).

وبحسب المؤرخ؛ أسفر هذا التخطيط عن أن الحدود الحالية لأفغانستان في الشرق — وأغلبها لا يوجد واقعيًّا على الأرض بل نظريًّا فقط على قمم الجبال — أصبحت أحسن سبل الدفاع عن جوهرة التاج البريطاني.

وأضاف المؤرخ أن دوراند لم يتخيل أنه سنة ١٩٤٧م سوف يجلو البريطانيون عن الهند؛ بل ولم يتخيل أيضًا أنه ستكون هناك دولة تسمى باكستان. ومع ذلك فإن البريطانيين والروس رسموا خريطة أفغانستان كدولة واسعة تبلغ مساحتها ٢٥٠٠٠٠ ميل مربع (مثل حجم ولاية تكساس تقريبًا) تهيمن عليها جبال الهندوكوش في الوسط وتقطنها مجموعات عرقية مختلفة على جانبيها.

أما أصبع الأرض الأفغانية الذي يمتد ليصل إلى الصين في الشمال الشرقي في أراض لا قيمة لها تمتد نحو خمسين ميلًا وتعتبر شوكة في ظهر البلاد؛ فقد فرضه البريطانيون على أفغانستان حتى لا تمتد الأراضي الروسية إلى حدود الهند.

غدًا: صراع روسي - بريطاني ودعم أميركي وباكستاني خفي وطالبان تعلن الإمارة

(ح)

ANHA