​​​​​​​الحكومة اللبنانية آخر أيلول وإلا..

عاد تشكيل الحكومة اللبنانية إلى المربع الأول، حتى قبل اعتذار الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي. فيما تستغرب روسيا من عدم تشكيل الحكومة حتى الآن، بعد أن وصلت وزارة خارجيتها تقارير أمنية عن الحالة في لبنان التي هي على وشك الانفجار.

​​​​​​​الحكومة اللبنانية آخر أيلول وإلا..
الأربعاء 1 يلول, 2021   08:01
بيروت

ظن الجميع أن الحكومة ستولد الأسبوع الماضي نتيجة الضغط الكبير الذي مارسه الفرنسيون، لكن الحقيقة أن كل تلك الضغوط لم تصل إلى أي مكان؛ لأن من يعمل على التأليف مُصرّ على استعمال كل الأوراق من أجل الكسب السلطوي، كما نقلت صحيفة "نداء الوطن".

وتضيف الصحيفة: "إذا كانت نهاية شهر أيلول تُشكّل مرحلة مفصلية بعد الإعلان عن رفع الدعم الكلّي عن المحروقات، فإن هذا الأمر لم يدفع السياسيين إلى التنازل، بل علت النبرة الطائفية على المنابر من قادة يُفترض بهم أن يشعروا بوجع الناس".

ولا تزال الدول الكبرى عند موقفها الداعي إلى تشكيل الحكومة فورًا، وفي هذا السياق، يتابع الروس باهتمام بالغ الوضع الحكومي، فموقفهم ما زال ثابتًا في دعم لبنان وأمنه واستقراره، وما زال قلقهم كبيرًا على الوضع الأمني ويزداد نتيجة التطورات الأخيرة في لبنان.

ميقاتي آخر المكلَّفين 

وتؤكد صحيفة النهار اللبنانية أن لا جديد في المسار الحكومي المعطَّل، إلا ما كشفه ميقاتي لقناة "العربية – الحدث"، بأن الاعتذار ليس على أجندته حاليًّا، وهذا الموقف يغاير الأجواء التي رافقت الرجل منذ إعلان تكليفه وهو الذي قيّد نفسه بمهل زمنية للاعتذار، تبيّن أنها سقطت بعد 13 جولة من المفاوضات مع رئيس الجمهورية، وانتهت بانتهاء شهر آب.

ويأتي موقف ميقاتي المتريث في الخروج من مربع الانتظار، على خلفية الاستهداف الممنهج الذي تستشعره الطائفة السنية لصلاحيات الرئاسة الثالثة، والذي قد يجعل من اعتذار ميقاتي آخر رئيس يكلف بغطاء طائفته، وبمعنى آخر، آخر أمل لتأليف حكومة في الفترة الزمنية الباقية من ولاية عون.

وعلى أهمية المواقف التي أطلقها ميقاتي من التأليف ومن استقدام النفط الإيراني، وموقع لبنان في الحاضنة العربية، فإن هذه المواقف أخذت صداها خارجيًّا وليس داخليًّا رغم التحذير الخطير الذي أطلقه الرئيس المكلف حول خطر زوال لبنان.

لكن المناشدة العربية للإسراع بتشكيل الحكومة ورغم الربط الواضح للدعم بهذا الأمر، فإن الشروط التعجيزية لا تزال تتحكم بمسار التأليف، وسط اتجاه إلى مزيد من التأزم المعطوف على تفاقم للأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية، كما تؤكد مصادر سياسية مواكبة، كاشفة أن الأسبوع المقبل سيكون حاسمًا لجهة كشف كل الأوراق المتصلة بالعقد الحكومية، بعدما انتقلت الأزمة من البعد الحكومي إلى البعد الطائفي الذي يدفع نحو شحن طائفي غير مسبوق يهدّد بانفجار الاحتقان الكامن منذ نحو عام، وتحديدًا منذ تكليف الحريري واستهدافه بصلاحياته كرئيس مكلف.

وإذ استبعدت أن يكون هناك لقاء رابع عشر يجمع ميقاتي إلى عون، أشارت إلى أن الاعتذار غير وارد أقلّه في الوقت الراهن، لا سيما أن ميقاتي لا يزال مؤمنًا بضرورة تأليف الحكومة وأنّه مستمر في جهوده، انطلاقًا من الهواجس لديه حيال المخاطر الكبيرة والوجودية التي تتهدد البلاد. وعُلِم في هذا السياق، أن ميقاتي سَمِع نصائح وتمنّيات من جهات دولية عمومًا، وفرنسية تحديدًا، بالتريّث وعدم التسرع، لا سيما أنّ الانشغال الغربي الآن بمؤتمر بغداد.

الوساطات تتقدّم على التفشيل

إذًا، يبدو هذا الشهر حاسمًا في مسار تأليف الحكومة، وسط نشاط الوساطات على خط تذليل العقد التي بات أساسها معروفًا، وهو من يسمّي الوزراء المسيحيين المحسوبين من حصة رئيس الجمهورية، بعد أن رفع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي أكثر من فيتو على أسماء عرضها عون للتوزير في حقائب متعددة، بحجة أنها قريبة من التيار الوطني الحرّ وفريق رئيس الجمهورية.

هذا في الشكل، أما في المضمون فتسّر أوساط مطلعة على مسار المفاوضات لموقع "ليبانون فايلز" أن هناك عتبًا يصل حدّ الزعل منذ اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية بالرئيس المكلّف، فمشاركة ميقاتي في لقاء رؤساء الحكومات السابقين الذين اتهموا في بيانهم رئيس الجمهورية في قضية تفجير مرفأ بيروت لم يمر مرور الكرام.

ولأن الأمور بين الرجلين ليست على الإيجابية التي بدأت معها رحلة التكليف، تعمل جهات عدة على خط الوساطة وترصد في هذا الإطار حركتان:

الأولى، في المطبخ السياسي الداخلي في محاولة لابتداع الأفكار، التي من شأنها إيجاد المخارج في التسميات وسواها من العقد.

الثانية، في الكواليس الديبلوماسية التي تضغط من أجل خيار التأليف لا الاعتذار، ربطًا بالمتغيرات في السياسات الخارجية تجاه لبنان، وأقلّه عدم الرغبة في ذهاب البلد نحو الفوضى الكاملة مع ما لها من تداعيات في الخيارات السياسية.

لبنان على فوهة "الانفجار الكبير"

تكشف معلومات دبلوماسية، نقلتها عدة وسائل إعلام لبنانية، أن تقارير أمنية عن الحالة في لبنان وصلت إلى وزارة الخارجية الروسية، تشير إلى تدهور مخيف في الأوضاع اللبنانية وغير مسبوق وينذر بالأسوأ، وهذا الأمر يُثير المخاوف الروسية، خصوصًا أن لبنان بات على فوهة بركان، وأي خضة صغيرة ممكن أن تفجر الوضع، وبالتالي يجب التحرك سريعًا لوقف التدهور، وإلا فالآتي أعظم.

من جهة أخرى، لا تزال القيادة الروسية تستغرب لماذا لم تُشكّل الحكومة بعد، فموسكو تعلم أن هناك توازنات إقليمية وأمورًا تعرقل المسار الحكومي، لكن هذا ليس سببًا كافيًا لعدم التأليف، فالروس بذلوا جهودًا في هذا الإطار، وتحدّثوا مع طهران و"حزب الله" وقاموا بجولة اتصالات مع قوى الداخل، وبالتالي فإنهم يعتبرون أنه لا يوجد أي مبرر لعدم التأليف. وعلى الرغم من أن روسيا دولة عظمى ولديها اتصالات دولية، إلا أن كبار المسؤولين الروس الذين يعملون بالملف اللبناني لم يفهموا بعد العقبات التي تمنع تشكيل حكومة في لبنان منذ سنة تقريبًا.

ويعبّر المسؤولون الروس عن استيائهم بشكل كبير من السياسيين الذين يُشكّلون الحكومة، ويسألون: صحيح أن هناك ضغوطًا خارجية وهذا أمر معروف ويحصل في معظم البلدان، لكن ألا يوجد لدى السياسيين في لبنان حدّ أدنى من المسؤولية بعد كل هذه الانهيارات التي تحصل، وتعالي صرخات الناس لكي يصلوا إلى تسوية في ما بينهم لتشكيل حكومة تبدأ بالمعالجات المطلوبة لتخفيف معاناة الناس؟

ويدعو الروس كل السياسيين إلى الابتعاد عن المصالح الشخصية والطموحات المستقبلية التي تعرقل عملية التأليف وتدفع الشعب اللبناني إلى مزيد من المآسي والصعوبات والأزمات.

يبدي الروس تشاؤمهم من الوضع اللبناني ويعتبرون أن كرة الانهيار ستتدحرج بسرعة وتكبر مع الوقت، ولا يوجد أي أفق للحلّ، في حين أنهم يُشدّدون على أن الطبقة الحاكمة تتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية وهي لا ترحم البلاد، وبالتالي فإن كل الحديث عن وساطة روسية جديدة غير صحيح، بل إن الروس يُشدّدون على أهمية التأليف ويتواصلون مع بعض الأفرقاء ويلقون اللوم عليهم.

(ز غ)