كيف يتحقق السلام في سوريا؟

لتحقيق السلام الدائم في سوريا يتطلب إيقاف الحرب وإنهاء الاحتلال التركي للمناطق السورية وإشراك المجتمع في صنع القرار، وكل ذلك يمكن تحقيقه في حال تم تطبيق مشروع الإدارة الذاتية.

كيف يتحقق السلام في سوريا؟
الأربعاء 1 يلول, 2021   04:44
مركز الاخبار- أكرم بركات

تتعدد الطرق والعبارات التي تصف مفهوم السلام عند الناس، ولكن التعريف المتفق عليه عالميًّا هو أنّ السلام هو الآلية التي يتم اللجوء إليها لفض النزاعات دون اللجوء إلى العنف مع ضمان تحسين مستوى حياة البشر، وهناك عدّة مدلولات تعكس مفهوم السلام، منها شعور جميع الناس بالأمان بعيدًا عن الخوف والتهديد دون السماح بممارسة أي شكل من أشكال العنف وفق أعراف القانون، ومعاملة الجميع بالتساوي أمام القانون لأنّ القوانين العادلة تحمي حقوق جميع الناس. وقدرة أي شخص على المشاركة في صياغة قرارات بلده السياسية وأنّ الحكومة تبقى تحت مراقبة الشعب.

كما أن ضمان حصول كل مواطن على احتياجاته الأساسية مثل (الماء والغذاء والمأوى والتعليم والرعاية الصحية)، وحق كل فرد في الحصول على فرصة عمل لكسب رزقه وقوت يومه دون تمييز، يعد مبدأً أساسيًّا في مفهوم السلام.

ولتحقيق السلام يتطلب عدّة شروط أساسية، وقد تم إدراجها ضمن الشروط اللازمة لبناء السلام العالمي، التي وضعت اعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، كتوفير بيئة آمنة لتمكين الناس من إدارة شؤون حياتهم اليومية دون أية مخاوف، وضمان سيادة القانون والمساواة بين الناس حتى يثق كل أفراد الشعب بالقانون، واستقرار الحكم المتمثل بمشاركة جميع أطياف الشعب في العملية السياسية، واستدامة الاقتصاد وقدرة الشعب في الحصول على الوظائف، والرفاهية الاجتماعية بتوفر جميع الاحتياجات الأساسية والتعايش بسلام.

ووُظّف ما تم ذكره ضمن أهداف ومبادئ كافة المنظمات الحقوقية والإنسانية، التي شُكلت عقب الحربين العالميين، وحدد يوم 1 أيلول من كل عام، يومًا عالمياً للسلام من قبل الحركات الاشتراكية واليسارية في ألمانيا، وفي عام 1981 قررت الأمم المتحدة اعتبار يوم 21 أيلول/ سبتمبر يوم السلام العالمي، ويتعين وقف جميع الحروب في يوم السلام العالمي، وسنويًّا يتم تنظيم عشرات الأنشطة في يوم السلام العالمي تحت شعار "لا للحرب".

إلا أن السلام الحقيقي لم يتحقق على الرغم من إبرام العشرات من المعاهدات والاتفاقات والمواثيق بين معظم الدول الرأسمالية، ولم تنتهِ دوامة الحرب، والسبب الرئيس يكمن في بنية الأنظمة التي شُكلت عقب الحربين العالميتين، أي الدول القوموية التي شكلت على أساس عرقي، وبشكل خاص في الشرق الأوسط، حيث تميزت بالطابع الأحادي، أي العلم واللغة والثقافة الواحدة حتى وصل بها الحال إلى عبادة الشخص الواحد، ولتمكين كامل سيطرتها على المجتمع الذي هو أساس في بناء أي نظام، بمختلف مكوناته ومعتقداته ومذاهبه، خصص ذلك النظام عدوًّا له. فعلى سبيل المثال أعلنت عدّة دول عربية أن إسرائيل عدوة لها وهي أيضًا، والدولة التركية التي شكلت على أساس قومي وعرقي أعلنت أن الكرد هم العدو الرئيس لهم على الرغم من أن الكرد ساهموا في تأسيس الدولة التركية الحديثة.

وحاربت الأنظمة القوموية العرقية كل من نادى بالسلام، ولم تحرك المنظمات الدولية والإنسانية ساكنًا، كالمناضل الثوري الأفريقي، نيلسون مانديلا، الذي ناضل من أجل استقلال بلاده ولكن السلطات الحاكمة خافت من نضاله وزجته في السجن، وظل مسجونًا مدة 27 عام.

السلام أكبر من الحرب

يقول القائد عبد الله أوجلان ، والذي أسر في 15 شباط عام 1999 بمؤامرة دولية، عن السلام: "إن السلام أكبر من الحرب، ونحن مستعدون دائمًا للسلام، وهذا يعني أننا نستطيع أن نفعل ما هو أكبر من الحرب".

في  سوريا التي نالت استقلالها عام 1946، لم يستطع الشعب السوري العيش بسلام وحرية وعدالة ومساواة، والسبب الرئيس كما ذكرنا هو الفكر الأحادي، وتجذّر هذا الفكر بوصول حزب البعث إلى سدّة الحكم في سوريا، لذلك انتفض الشعب السوري على غرار تونس وليبيا ومصر واليمن ضد نظام الحكم فيها في آذار عام 2011، من أجل تحقيق العدالة والمساواة، إلا أن هذه الانتفاضة ما لبثت أن تحولت إلى صراع على الحكم نتيجة التدخلات الخارجية وخاصة دولة الاحتلال التركي، ويعاني الشعب السوري الآن الأمرين؛ ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة دمشق وصل الحال بالشعب إلى أن يعرض أطفاله أو قطعًا من جسده للبيع لتأمين لقمة العيش.

أما المناطق التي احتلتها تركيا بدءًا من جرابلس وإعزاز والباب والراعي وصولًا إلى عفرين وكري سبي وسري كانيه، فقد أخليت من سكانها الأصليين بشكل شبه كامل، نتيجة الجرائم التي ارتكبها عناصر جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، الذي عاثوا فسادًا هناك من عمليات التعذيب والقتل والاغتصاب وصولًا إلى تدمير المعالم الأثرية والدينية والنسيج الاجتماعي وتدمير الطبيعة، كما تحولت تلك المناطق إلى بؤرة للمجموعات المرتزقة وبقايا عناصر مرتزقة داعش والنصرة وأحرار الشام، ومركزًا أساسيًّا لتصدير المرتزقة إلى كل من ليبيا وأذربيجان وأفغانستان وجنوب كردستان.

أما بالنسبة لمناطق شمال وشرق سوريا والتي تشكل لوحة فسيفسائية، حيث يوجد ضمنها الكرد والعرب والسريان والأرمن والشركس والإيزيديون، اتخذوا من مبادئ السلام أساسًا لنضالهم، فعقب طرد قوات حكومة دمشق من كوباني في 19 تموز 2012، أعلن أبناء المنطقة تبنيهم فلسفة الأمة الديمقراطية التي طرحها القائد عبد الله أوجلان من سجنه في إمرالي أساسًا لنضالهم، وتصدوا لكافة المحاولات الهادفة إلى زعزعة أمن واستقرار وسلامة المنطقة وأبنائها، لذلك تكالبت القوى المناهضة للسلام والديمقراطية ضدهم وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركي وحكومة دمشق.

وبذل أبناء مناطق شمال وشرق سوريا بكافة مكوناتهم جهودًا كبيرة من أجل إحلال السلام في المنطقة، وأسسوا مؤسسات سياسية واجتماعية وخدمية وأمنية وعسكرية من أجل استتاب الأمن والاستقرار. يقول القائد عبد الله أوجلان في مؤلّفه “سوسيولوجيا الحرية” عن الديمقراطية والسلام: "إذا كان المجتمع في وضع لا يستطيع فيه بناء مؤسساته السياسية والأخلاقية وتلبية احتياجاته من أجل الاستقرار، فهذا يعني أن المجتمع يتعرض للضغط والقهر، وبالتالي الحرب، وإذا لم تتمكن السياسة والأخلاق القيام بدورهما، فلن يبقى سوى وظيفة واحدة لبناء المجتمع، وهي الدفاع المشروع".

لإحلال السلام في سوريا يجب تبني مشروع الإدارة الذاتية

الرئيس المشترك لمكتب شؤون المنظمات في إقليم الجزيرة، المحامي خالد إبراهيم، أوضح أن إحلال السلام في سوريا يتطلب أن يكون الشعب صاحب القرار، وأن يتم إنهاء الاحتلال التركي للأراضي السورية، وضرورة إنهاء حالة الحرب في سوريا.

ولفت خالد إبراهيم إلى أن أبناء شمال وشرق سوريا طرحوا مشروعًا ديمقراطيًّا، وهذا المشروع وقف كسد أمام كافة محاولات خلق فتنة ونزعات مذهبية ودينية وطائفية، وقال: "راهنت قوى محلية ودولية عدّة على مناطق شمال وشرق سوريا، وكانت على أمل حدوث حرب أهلية في المنطقة؛ لأنها تتميز بتنوعها القومي والعرقي والديني والمذهبي، إلا أن المشروع الذي تبناه أبناء المنطقة حافظ على الروابط الوطنية بين كافة المكونات".  

وأكد خالد إبراهيم أن تأسيس الإدارة الذاتية ساهم في الحفاظ على السلم الأهلي ضمن المنطقة، وقال: "لو لم تتأسس الإدارة الذاتية لشهدت مناطق شمال وشرق سوريا حروبًا طائفية ومذهبية وقوموية".

خالد إبراهيم نوّه إلى أن صمود الإدارة الذاتية منذ تأسيسها وإلى يومنا الراهن دليل دامغ على أن هذا المشروع هو مشروع ديمقراطي، ويستطيع الجميع العيش تحت كنفه بسلام وحرية، لذلك يمكن اعتبار هذا المشروع الأمثل لإحلال السلام والأمن والاستقرار في عموم سوريا. وقال: "يجب تطوير هذه الإدارة لأنها تحفظ حقوق كافة المكونات دون تمييز".

(ك)

ANHA