​​​​​​​الرمادية تحيط بملف تشكيل الحكومة اللبنانية

تتجه أنظار اللبنانيين وتتعلق آمالهم على إمكان ولادة حكومة جديدة هذا الأسبوع، قادرة على وقف التدهور ومنع الانهيار الوشيك، وقد أجمع العالم على التحذير في حال اعتذار الرئيس المكلف فإن الأمور ذاهبة إلى الفوضى.

​​​​​​​الرمادية تحيط بملف تشكيل الحكومة اللبنانية
الإثنين 23 آب, 2021   08:59
بيروت

طغى التشاؤم لأول مرة منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي على ملف تشكيل الحكومة اللبنانية، وبدا وكأن الأمور اقتربت من حائط مسدود، خاصةً بعدما تم استبدال الزيارات الدورية التي كان يقوم بها الرئيس المكلف إلى بعبدا بزيارات لموفدين من الطرفين.

وقالت مصادر مقرّبة من عون لصحيفة الديار، إن التواصل الذي يجري بالملف الحكومي هو حالياً غير مباشر ويتم على صعيد الموفدين، لافتة إلى "أننا في مرحلة دراسة الأسماء المطروحة للتوزير خاصة الأسماء المطروحة لتولي وزارت الداخلية، الطاقة، الشؤون الاجتماعية والعدل".

واستهجنت المصادر ما يتم الترويج له لجهة أن الرئيس عون يريد أن يسمي الوزراء المسيحيين الـ12، لافتة إلى أنه "بات محسوماً أن هناك وزيرين مسيحيين للمردة، وزيراً للطاشناق، وزيراً للحزب القومي ونائب رئيس الحكومة الذي يكون توافقياً، وبالتالي كل الكلام عن وضع الرئيس عون يده على الحصة المسيحية كاملة إنما يندرج بإطار الدس لتحميل الرئيس مسؤولية تعطيل التشكيل، ولكن الأجدى بهم الخروج بروايات أكثر إقناعاً للناس".

عقبات ميقاتي

عقباتٌ عدة تحول دون تحقيق ميقاتي هدفه بالعودة إلى الرئاسة الثالثة؛ أولاها هو التصعيد الإقليمي بعد إعلان "حزب الله" وصول أولى الشحنات النفطية الإيرانية، وسيستحيل على ميقاتي أن يرأس حكومةً مطلوباً منها موقف واضح ومحدّد من "حرب السفن" المستجدّة.

وثاني هذه العقبات هو تصلّب الحريري، فكأنّه يضع العصيّ في دواليب ميقاتي، أما ثالثتها هي "الريبة" التي قد تثيرها الهجمة الأميركية باتجاه التأليف لدى "حزب الله" خشيةً من أجندة مخفيّة قد تخبّئها الحكومة. وآخر هذه العقبات، هي خوض الرئيس عون معركة حياة أو موت للحصول على ثلث معطِّل لجبران باسيل في حكومة الشغور الرئاسي.

وتعقيباً على التسوية التي عقدتها رئاسة حكومة تصريف الأعمال مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لشراء المشتقات النفطية على أساس سعر الدولار 8 آلاف ليرة، على أن تدفع وزارة المال بالمقابل 8 آلاف عن كل صفيحة، ثمّة مَن يقرأ فيها شراء مزيد من الوقت، لأنّ مشوار ميقاتي يكاد ينتهي.

هل يعتذر ميقاتي؟

ويتعرض ميقاتي لضغوط شديدة من نادي رؤساء الحكومات، خصوصاً من الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة، حيث يتشدد هذا الطرف في الأسماء ويحاول دفع الأمور إلى مزيد من التعقيدات، بحسب أوساط رفيعة المستوى في تحالف حزب الله وحركة أمل تحدثت لـ"الديار".

وقالت هذه الأوساط أنه على ما يبدو أنه ليس من مصلحة الحريري أن ينجح ميقاتي حيث فشل هو، إذ أن التشكيل يقوّي من موقف ميقاتي السني والانتخابي، خاصة إذا ما نجحت حكومته في وضع حد للانهيار وبدأت بسلسلة خطوات إنقاذية ملموسة.

وأكدت أن الهدف من لقاء ميقاتي بالمستشارين هو حسم العقد قبل اللقاء النهائي بينه وبين عون، والذي يفترض أن يعقد خلال 24 ساعة لوضع اللمسات الأخيرة على التأليف وأرجحية نجاحهما في ذلك أكبر من عدمه، لأن عدم التأليف سيجعل ميقاتي في موقف صعب، وسيكون خياره الاعتذار بعد تعهده بأنه لن يترك الأمور تمتد لأكثر من شهر، وأن تركيزه في أكثر من مرة أن وقته ليس مفتوحاً والمهلة ليست مفتوحة.

وتؤكد المؤشرات أن رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، قد وصل إلى نهاية مشواره الحكومي، وبات الحسم مطلوباً منه ومن رئيس الجمهورية، إما تأليفاً، وإما اعتذاراً.

توريث باسيل

ويصر عون من خلال التداول في الصيغ الوزارية مع ميقاتي على أن يضمن لرئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل الحصول على عشرة وزراء وصولاً إلى مطالبته بـ11 وزيراً، وهذا ما يلقى معارضة من ميقاتي الذي يرفض إعطاء الثلث المعطل لأي طرف سياسي ولو بطريقة غير مباشرة.

وأكد مصدر نيابي لصحيفة الشرق الأوسط أن من غير الجائز التمييز بين عون وباسيل الذي يرفض في العلن المشاركة في الحكومة بخلاف إصراره من خلال عون على أن تكون له الكلمة الفصل فيها، وبالتالي يحق له تعطيل جلسات مجلس الوزراء ومنعه من اتخاذ القرارات الإنقاذية إذا لم تأتِ على قياسه، مبدياً ارتياحه إلى الدور الذي لعبه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في إدارة الجلسة النيابية التي خصصت للاستماع إلى رسالة رئيس الجمهورية للبرلمان التي يشكو فيها من تمرُّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على السلطة السياسية برفع الدعم عن المحروقات.

ورأى أن حملة باسيل في الجلسة النيابية على سلامة لم تكن في محلها، خصوصاً أنه بخلاف ما أورده عون في رسالته إلى البرلمان تبين أن قرار رفع الدعم كان قد اتُّخذ في جلسة عقدها المجلس المركزي لمصرف لبنان في حضور مفوضة الحكومة المنتمية إلى "التيار الوطني" وكان سمّاها باسيل لتولّي هذا المنصب، وقال إن نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي هو من تولى في ضوء الاتصالات التي أجراها إعلام النواب بهذا الأمر.

وقال المصدر نفسه أن باسيل لم يجد من يناصره في الجلسة، بعد أن رد النواب على رسالة عون وأجمعوا على أن الأولوية تبقى للإسراع بتشكيل الحكومة ووقف وضع العراقيل أمام مشاورات تأليفها ومنعها.

واعتبر أن تفاؤل عون بتشكيل الحكومة يبقى للاستهلاك المحلي والخارجي مع أن المجتمع الدولي بات على قناعة بأنه يقف وراء تأخير تشكيلها بتدخّل مباشر من باسيل، وقال إن عون لم يكن مضطراً لتسطير رسالته إلى البرلمان لو أنه يعطي الأولوية لتشكيل الحكومة بدلاً من اللجوء إلى خطوة غير مدروسة يريد منها المزايدة الشعبوية لعله يتمكن من إعادة تعويم نفسه سياسياً.

وختم المصدر بسؤال: "كيف يوفّق عون بين حرصه على حماية أموال المودعين مما تبقّى من الاحتياطي بالدولار في مصرف لبنان وبين استخدام هذا الاحتياطي للإبقاء على الدعم؟ وقال هذا ما ينسحب أيضاً على باسيل الذي نظّم الحملات الإعلامية والسياسية دفاعاً عن الودائع ليعود إلى التراجع عن موقفه".

إذاً، لم تحمل عطلة نهاية الأسبوع أي جديد بما يخص ملف الحكومة، ما عدا استمرار تبادل الصيغ بين المستشارين، على أمل أن يترجم عون تفاؤله هذا الأسبوع إلى خطوات ملموسة، وتحديداً في النصف الأول منه، فهل يحمل انفراجاً؟ أم أن القديم سيبقى على قدمه، مما يضطر ميقاتي للخروج عن صمته والاعتذار عن تشكيل الحكومة بعد أن تجاوب مع الاتصالات المحلية والدولية بتمديد المشاورات، شرط ألا تكون المهلة مفتوحة، خصوصاً أنه اقترب من حسم موقفه بعدما قرر التريث استجابة لنصائح قيادات محلية تمنت عليه إعطاء فرصة لعلها تفتح الباب أمام تشكيلها؟!

(ز غ)